فن خسارة الرصيد: خصوصية عربية؟../ سلام الكواكبي*

بعد حرب غزة التدميرية التي أفضت إلى خسائر بشرية هائلة في الجانب الفلسطيني ودمار شامل، تحركت قوى المجتمع المدني الأوروبي ونظمت لقاءات وتجمعات احتجاجية في العديد من العواصم والمدن، عارضة من خلالها لأبعاد الحدث الإجرامي ومستخدمة في سبيل ذلك لغة حقوقية وقانونية وإنسانية تدخل ضمن المنظومة الثقافية والذاكرة الجمعية للفئات التي يُتوجّه إليها.

وقد اعتُمد في إطار هذا النشاط على شهادات مؤثرة من الضحايا المباشرين، ولكن أيضاً من مفكرين ومن ناشطين غربيين زاروا غزة وأسهموا في عمليات العلاج والإغاثة، رغم الحصار الإسرائيلي والعربي عليها.

وأدّت هذه الفعاليات دوراً مهماً في المجتمعات الغربية، وكذا اضطر إعلامها، المتهم دائماً بالانحياز للإسرائيليين، عن حق ربما أو عن مبالغة أحياناً، إلى أن يسلّط الضوء على المأساة الإنسانية ويعرض لها ولضحاياها، وذلك من خلال سرد القصص الفظيعة وبث التقارير المصورة. وقد تحقّق تعاطف مهم نسبياً تمثّل من خلال التظاهرات التي خرجت في العديد من المدن الكبرى، وترافقت مع حملات تطوع وتضامن أخلاقي تحوّل إلى مشاركة فعلية في تجميع الأموال والمساعدات الإنسانية والطبية والانتقال إلى عين الحدث لبعض الفرق الطبية رغم الصعوبات المفروضة على الوصول إلى منطقة الكارثة إسرائيلياً وعربياً.

لكن هذه الحال تعرض للانتقاص وللتخريب لا على يد إسرائيل ولوبياتها المزعومة والحقيقية، وإن حاولت، أو على أيدي وسائل إعلام لاحيادية، كما يحلو للبعض أن يستند إليه لكي يستسهل الجواب، بل حدث التخريب والانتقاص ممن يفترض بهم أن يكونوا أصحاب القضية أو على الأقل الأقربون إليها. وبدأ ذلك من خلال التشويش الذي حصل على هامش التجمعات والتظاهرات السلمية المنددة والمتضامنة، فترافقت مع ظهور بعض «المتطرفين» من العرب ومن المسلمين الذين تناولوا الأديان الأخرى والشعوب المختلفة بشعارات عنصرية ممجوجة، وحاولوا تحويل الأنظار باتجاه «جهاد» متخيّل ورفع الكتب المقدسة بطريقة تهديدية بعيدة كل البعد عن روحانية ورمزية الكتاب كمرجع أخلاقي وإنساني، كأنك في طهران أحمدي نجاد، مما أعطى للوسائل الإعلامية «المغرضة» فرصة ذهبية للتركيز على هؤلاء الشواذ وتحويل الأنظار عن الآلاف من المتضامنين الحقيقيين مع الإنسان أينما كان، لا مع من يمتطون صهوة النعرات الدينية والعنصرية لعرض قضية لا يهمهم أن تربح أو أن تخسر بقدر اهتمامهم بنشر رؤاهم العقائدية المنقوصة والمشوهة.

وليكتمل المشهد الضبابي و«الظلامي»، فقد تألّفت قائمة لخوض انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة عمادها مهرّج تخلّت عنه الموهبة اسمه ديودونيه، إلى جانب الكاتب الفرنسي آلان سورال الذي انتقل من الماركسية إلى اليمين المتطرف، كما الكثير من كتبة العرب اليوم، ليجد نفسه مدافعاً عن القضية الفلسطينية بناءً على اقتناعه الجديد المستند فقط إلى معاداة اليهودية من منطق يميني فاشي لا على عقيدته الأولى التي تعتمد حقوق الشعوب كركيزة، وبالتالي بناءً على مواجهة اليمين المتطرف لليهودي كديني لا للإسرائيلي كصاحب مشروع استيطاني وإقصائي واستعماري.

ولتكتمل الصورة بأحسن ما يكون، ولتخسر القضية الحقيقية مباشرة وحتماً، اكتمل العقد بيحيى قواسمي، رئيس إحدى الجمعيات الإسلامية المتطرفة، الذي لا دور له إلا في تعميق الخلط الحاصل بين النضال الحقيقي في سبيل حل عادل، والتوجهات العنصرية المذهبية المتطرفة.

وقد قام «المهرّجون» الثلاثة بحملتهم تحت عنوان قائمة «معاداة الصهيونية»، فانضم إليهم اليمين المتطرف الفرنسي وبعض التجمعات الهامشية النازية، وفي النتيجة، تلطّخت القضية «المقدسة» والنضال من أجلها بأعشاب ضارة ومتطفّلة، وإن خسرت الانتخابات بطريقة ماحقة، فإنها أثّرت في الوعي العام الأوروبي، ودفعت ببسطائه إلى الربط الآلي بين ما تمثّله قضية غزة بأبعادها الإنسانية والوطنية والمطالباتية، وما تمثله فئة متطرفة لا تختلف في قناعاتها الإيديولوجية كثيراً عن الليبرمانية الطاغية في تل أبيب.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل زاد من مأساتها ادّعاء القائمين على المهزلة ورود إشارات تضامنية من قوى نضالية حقيقية على الأرض، وخصّوا بالذكر المقاومة اللبنانية وفصيلها الأساسي حزب الله، وحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين. وعلى الرغم من انهماك هذين الفصيلين الوطنيين بمهمات جسيمة وانخراطهما في مواجهة التقهقر العربي على جبهات عدة، فلقد كان من المناسب أن يقوما بتمييز نفسيهما عن مثل هذه التحركات المقلقة والادّعاءات التلفيقية علناً، رغم نفيهم الصادق ولكن بطريقة شخصية. لم يفعلا، وقد أفاد هذا اللافعل بشدة من ينتظر الهفوة في الحراك التضامني الفعلي والفعال مع المسألة الفلسطينية، وتأثر بشدة التعاطف الجمعي مع هذا الحراك ومع من أطلقه.

وما ساعد في دعم مثل هذه التلفيقات، أن بعض وسائل الإعلام، كـ«الجزيرة» و«المنار»، أبرزت أفعال الثلاثة وأقوالهم، مظهرة إياهم ضحايا لقمع حرية التعبير ومنددة بالانتقادات الموجهة إليهم على أساس عنصري. واستضافت الفضائية السورية ديودونيه وسورال كأنهما فدائيان في خط المواجهة مع الغاصب المحتل، وذلك على الرغم من كل الأذى الناتج من أعمالهم وتصريحاتهم.

مضت الأشهر، ولم تحصل المراجعة، وأصبحت حرب غزة من الماضي الحاضر أبداً. وربما يقول قائل إننا مهما فعلنا، فلن نكتسب حضوراً في الشارع الغربي الذي تسيطر عليه قوى قريبة من إسرائيل عن طريق وسائل الإعلام غير الحيادية (أو غير الملتزمة بقضايانا العادلة). والإجابة عن هذا الطرح تكون بالفعل لا باللجوء إلى اللافعل والتلطّي بالحركات الفاشية، مهما اختلفت انتماءاتها الدينية والعقائدية.

والأهم من ذلك، هو التنبه إلى ما أفرزته هذه التجربة التي ما فتئ بعضنا يستمتع بتكرارها، وهي الرهان عند بعض القوى الحاملة لقضايا عادلة على الأحصنة الخاسرة والمسيئة، التي يمثل نشاطها جزءاً مهماً من الدعم المباشر لسياسات إسرائيل.

إن الإعلام الإسرائيلي أو القريب منه، له باع طويل في فهم مشاعر الأوروبيين والتعامل معها استناداً إلى الحساسيات التاريخية التي تؤثر فيهم، قيادات وقواعد. وبعضنا ما زال يزوّدهم بالخبز المبارك، مرة بدعم أعمى لديكتاتوريات فاسدة أمعنت خراباً وتدميراً في شعوبها وثرواتها بحجة أنها أرسلت صاروخاً انفجر في صحراء في إسرائيل، ومرة أخرى بتبنّي طروحات شعبوية لقادة تجاوزتهم أزماتهم الداخلية وصاروا يبحثون بأي ثمن عن شعارات تكسبهم التعاطف الآني من بسطاء الناس، وهي في المقابل تدعم الطرف الآخر وتقوّي من حججه لإشاحة النظر عن الحقيقة وعن الاحتلال.

كان العرب يفخرون دائماً بالحصان العربي الأصيل، الذي يربح الآن السباقات في الحلبات الأوروبية، وانصرفوا اليوم، أو بعضهم، إلى الرهان على الأحصنة العرجاء والخاسرة. ربما.
"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018