في الملجأ../ ساطع نور الدين

هي المرة الثانية التي ينزل فيها نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني الى الملجأ. الاولى كانت حوالى الساعة العاشرة من صباح الحادي عشر من ايلول العام2001، عندما اقتيد الرجل على عجل الى ملجأ البيت الابيض، بعدما صدمت الطائرة المدنية المبنى الجنوبي من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وسرت شائعات يومها عن أن مقر الرئاسة الاميركية هو الهدف التالي..

منذ ذلك الحين ظل تشيني على مقربة من الملاجئ المحصنة، لا يظهر الا نادرا وفي حالات الضرورة القصوى، لكي لا يشغر منصب الرئيس جورج بوش، اذا تعرض للقتل في احدى الجولات التي قام بها في الولايات المتحدة، لكي يبدد علامات الذهول ـ البلاهة التي ارتسمت على وجهه عندما ابلغ بالهجمات خلال زيارته احدى المدارس الابتدائية في ولاية فلوريدا..

وقد ثبت في ما بعد، في كل الكتابات والتقارير التي نشرت عن تلك الساعات الحرجة التي فقدت فيها اميركا توازنها، وافتقدت سلطتها المركزية لثماني دقائق او ربما اكثر، ان تشيني شخصيا هو الذي ساعد بوش على استعادة رشده والوقوف على قدميه والاستجابة لرغبة الاميركيين في اعلانها حربا شاملة على العرب والمسلمين بغض النظر عن التفاصيل والتكاليف.

وكان مكتب نائب الرئيس ولا يزال هو غرفة العمليات الحقيقية التي تدار منها الاعمال العسكرية في افغانستان اولا ثم العراق ثم فلسطين، وصولا الى لبنان.. وكان الرجل ولا يزال هو العصب الفعلي للادارة الحالية والمركز الرئيسي لصنع القرارات وإنتاج القيادات.

سبق لتشيني ان غادر واشنطن اكثر من مرة خلال الاعوام الستة الماضية، لكن في رحلات خاطفة الى الخارج معظمها نحو ساحات القتال الافغانية او العراقية وما يحيط بها. رحلته الاخيرة في نهاية الاسبوع الفائت كانت آسيوية، بدأها باليابان ثم استراليا حيث جوبه بما يستحق أي مهووس مثله بالحرب والقتل والثار من تظاهرات واحتجاجات. لكن عندما اقترب من الجبهة الافغانية التي كانت مقررة سلفا في برنامج جولته، ظهر نوع من الارتباك او الكتمان في تنقلاته. او لعلها اللعنة كانت تلاحقه: في البدء قيل ان عطلا كهربائيا بسيطا طرأ على طائرته ما اضطره الى تغيير موعد وصوله الى باكستان حيث عثر على عدد من العبوات التي كانت في انتظاره، ثم اعلن انه توجه من اسلام أباد الى مسقط للتزود بالوقود ليتبين في ما بعد انه وصل الى قاعدة باغرام الجوية الاميركية الكبرى الواقعة على بعد 60 كيلومترا شمالي العاصمة الافغانية كابول.

هناك، في باغرام، سمع تشيني بوضوح، وبذعر طبعا، صوت انفجار العبوة الناسفة التي كان انتحاري يقف بها على مدخل القاعدة ينتظر ظهور نائب الرئيس الاميركي، الذي اقتاده الضباط الاميركيون الى احد الملاجئ، وقرأوا عليه اعلان حركة طالبان مسؤوليتها عن العملية التي كانت تستهدفه شخصيا.. وكانت تؤكد ان الحرب ما زالت في بدايتها.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018