في رام الله من الأفضل دفن أوسلو وفي البروة يدفن درويش../ عبد الحكيم مفيد

الذين قرروا سلفا دفن درويش في رام الله لم يفعلوا ذلك عن طيب نية، بتاتا، ولا نقصد عائلته طبعا.
في قبر درويش في رام الله معنى آخر عن ذلك المشتق من دفنه في حيفا وأخواتها، كان من الأفضل أن يدفن أوسلو في رام الله، وليس محمود درويش.

درويش له ما له وعليه ما عليه، لكن استثماره السياسي من قبل البعض يجعل من المشهد مقززا إلى حد الغثيان.
في حينه قلنا إن درويش أخطا حين استجاب لدعوة يلقي بها شعرا في حيفا، فهو كما أكدنا في حينه ليس مجرد ملقي أشعار ولا قارض شعر، هو رمز إن رغب أو رفض، فهذه مسألة منحت له بشكل خاص ولم تمنح لغيره، وعليه كان من الأفضل في حينه أن لا يستجيب لدعوة في أجواء كانت مليئة بالسم والتحريض وأوسلو وكونداليسا رايز.

الذين استعجلوا في الإعلان عن دفن درويش في المقاطعة التي تعبر أكثر من غيرها عن حالة الضياع الفلسطيني، وعن أوسلو وهيمنة أصحابها، هؤلاء فعلوا ذلك بذكاء خارق، وبمشورة إسرائيلية طبعا. في هذا الدفن ليس أي تكريم للرجل بتاتا، على العكس في هذا الدفن شيء من الإهانة لرمز له ما له وعليه ما عليه. فريق أوسلو أراد استعجال الدفن، ليس دفن الشخص وتكريمه بل دفن الرمز، لأن في دفنه في البروة أو في الجديدة قريبا من أمه وبيته وأرضه شيئا أكثر بكثير من مجرد جنازة صاخبة في عاصمة المقاهي والفنادق والنوادي الليلية وفريق أوسلو، رام الله.

إسرائيل من جهتها وجدت من يحل لها كل الإشكالات مرة واحدة. دفن شاعر كبير ودفن رمز، والأهم من كل هذا دفن عائد إلى بيته ووطنه. كان دفنه والمطالبة بدفنه ستكون أكثر من قضية سياسية، لكن ماذا نفعل إذا كان ياسر عبد ربو يحل كل المشاكل لإسرائيل.

في العام الماضي وحين انتقدنا درويش بقبوله الدعوة لإحياء أمسية شعرية في حيفا، دعوة بتأشيرة من الاحتلال، قال كثيرون إن درويش يعود إلى وطنه وأهله وبلده حيفا، ولكن لماذا لا تتم المطالبة الآن بإعادته إلى بيته ووطنه وأهله، أليس في هذا رمزية كبيرة للغاية، إذا سلمنا بمنطق السنة الماضية؟

الجواب نعم للغاية، لكن هناك فرق بين دخول محمود حيا وعودته ميتا إلى بلده. فرق كبير، لأنه في الأخيرة لن يخرج وسيبقى هنا في وطنه، على أرضه التي تركها قبل 36 عاما، صحيح أنه ميت، صحيح أنه لا يلقي قصائد لكن صحيح أيضا أنه سيكون قصيدة ومقولة هنا في بلده وعلى أرضه ووطنه، حق العودة.

صمتت إسرائيل للغاية وتحايل "فريق أوسلو" على الناس بكلام لا علاقة له بالحادثة والفاجعة التي ألمت بالعائلة، ولا بأمه العجوز التي فهمت أنه لا يمكن دفن محمود في البروة، ولكن بالإمكان دفنه في الجديدة، قريبا منها، إلى جانبها.

فجع محمود درويش في أوسلو كما قال وصرح أكثر من مرة، وكان من المعارضين جدا له، لكنه فضل الصمت في كثير من الأحيان، وعاش مع الحالة كما عاش كل حياته مع السياسة والشعر وفلسطين مطاردا بدون جواز سفر. يعرف أنه من غير الممكن أن يصبح الشاعر سياسيا إلا إذا باع شيئا من إبداعه ،وفي مواجهة متواصلة بين موقفه والسياسة الفلسطينية التي كانت تبيع وتشتري الذمم، كانت حالة درويش متخبطة سياسيا، حتى أنه من غير الممكن الآن تحديد المكان الذي وقف به درويش سياسيا، في هذه المسألة كان بارعا، لم يساير السياسة التي كان يرفضها، لكنه لم يواجهها كذلك بحدة كما فعل ادوارد سعيد مثلا.

كل هذا لم يغير من الحقيقة الأهم أن درويش كان رمزا، وبقي كذلك، ومن هذه المسألة تخوف فريق أوسلو وياسر عبد ربو وأنصار التسوية جميعا الذين هنا والذين هناك، أن لا يعبر محمود الخط الأخضر باتجاه حيفا إلا إذا ضمنت عودته، ولا ضمانة لعودة ميت من مقبرته إلا حين تقوم الساعة.

كم هو رمزي للغاية أن يقول واحد من أبرز رموز أوسلو احمد قريع (ابو علاء) انه في حالة استمرت إسرائيل في تعنتها(هذه الجملة تقال تقريبا منذ أوسلو كل نهاية أسبوع)، فان الجانب الفلسطيني سيطالب بدولة ثنائية القومية (يعني دولة ديمقراطية علمانية)، ليحرج إسرائيل طبعا. كم هو رمزي أن يقول قريع هذا الكلام وأن يعلن عن وفاة أوسلو في اليوم الذي رحل به درويش.. كم كان رمزيا أيضا أن يعلن الأربعاء عن دفن أوسلو فيما يتم الإصرار على دفن درويش في البروة.
رحم الله محمود درويش وغفر له ذنبه .