في وداع.. أحمد عبد الله رزة / أحمد طه النقر

الأربعاء الماضي.. لم يكن يوما كبقية أيامي أو أيام المصريين.. صحوت صباحا علي صوت ينعي إلي رحيل الدكتور أحمد عبد الله رزة، أحد أبرز وأنبل وأخلص زعماء الحركة الطلابية في مطلع السبعينيات، تلك الانتفاضة الجريئة التي قادها شباب مصر الأحرار من الناصريين واليسار لحفز القيادة السياسية المتخاذلة لأخذ الثأر وتحرير الأرض المحتلة وغسل عار النكسة التي لم يقدم المسؤولون عنها إلى محكمة الشعب والتاريخ حتى كتابة هذه السطور.

كان أحمد زعيما طلابيا من نوع فريد، إذا خطب أخذ الألباب بسحر بيانه، وإذا حضر أي تجمع طلابي أو شبابي خطف الأضواء بشخصيته الكاريزمية وإخلاصه لقضية الوطن التي لم يساوم عليها حتى وفاته. لم يتاجر بالقضية كما فعل غيره ممن باعوا وهادنوا واستوزروا، ودفع مقابل مواقفه الوطنية ثمنا غاليا حيث طاردته المؤسسة الأمنية والرسمية، ليهاجر إلى الخارج ويحصل علي الدكتوراه على نفقته الخاصة ويعود أكثر وعيا ونضجا وتمسكا بثوابت الوطن، والتصاقا بهموم ومصالح الناس الذين تربى بينهم في عين الصيرة ومصر القديمة. ولم يكن غريبا على أحمد أن يهدي رسالة الدكتوراه لهؤلاء البشر البسطاء ويقيم مركزا ناجحا لخدمة وتنمية المجتمع بالجهود الذاتية ضاربا أروع الأمثال في فقه الانتماء والتفاني في خدمة الجماهير.

في آخر مرة رأيته فيها، وكان ذلك في حملة الانتخابات البرلمانية الأخيرة، شاهدت بنفسي التفاف الجماهير حول أحمد عبد الله وحبهم اللا محدود لواحد من النخبة لم يشغل نفسه بالشهرة وحب الظهور ولعبة العلاقات العامة و"استثمار لقب دكتور"، بل نذر حياته لخدمتهم بعيدا عن الأضواء، ودون ضجيج أو شعارات.. كان الكبار والأطفال يلتفون حوله بحب بريء خالص، يتنافسون في إعداد وتوزيع لافتات الدعاية له ودعمه، لأنهم رأوا فيه أملا للخلاص والحلم بمستقبل يليق بهذا الوطن، وكم أشعرني هؤلاء الأطفال الصغار بالحرج والخجل والعجز.

رغم أنني ذهبت لكي أعرض مساعدتي المتواضعة في الحملة أملا في إنجاح مرشح نبيل يؤمن بالشعب وحقه في المشاركة، ويومها اعترف لي الزعيم الراحل بأنه يدرك أن حظوظه في الفوز بمعقد في البرلمان مهمة صعبة وربما مستحيلة بعد أن تحولت المنافسة إلى معركة تكسير عظام بين حيتان وبارونات المال الحرام، ولكنه أصر علي تأكيد حق أبناء الشعب الحقيقيين في المشاركة السياسية لأن هذا البلد بلدنا وليس بلد الذين يهدرون ثرواته ومقدراته ويبيعونه بثمن بخس، ويومها غبطت أحمد على كل هذا الحب وأدركت أنه نجح في مهمته الصعبة، ويكفيه شرفا ومجدا أنه تربع على مقعد وثير في قلوب الفقراء وذلك مكان ومكانة لا يفوز بهما إلا من بلغوا مرتبة القديسين والأنبياء. رحم الله أحمد عبد الله رزة، وألهم أهله الصبر والسلوان، وعوّض عنه الحركة الوطنية المصرية بجنود بواسل مخلصين من أبنائه الطيبين المنتمين لهذه الأرض المقدسة.

ولكن الغريب في الأمر أن هذا الموت، وهو قدر لا فكاك منه، يصر على مواصلة انتقاء واختطاف أنبل من فينا ويترك «على المزاود شر البقر"؟!!.. يموت أحمد خبير العلوم السياسية البارز الذي وهب حياته لمصر وحرافيشها من سكان الحواري والنجوع والعشش، ويحيا أدعياء وخصيان وأغوات يبررون للنظام بيع الوطن وتخريبه وتجريفه وتوريثه، رغم أنهم تخرجوا في نفس الكلية التي تخرج فيها ودرسوا نفس المواد التي درسها، بل إن بعض هؤلاء كانوا أساتذة أحمد.. وكم فيك يا مصر من مضحكات كالبكا..؟!!

ولكن الأربعاء لم يكن كله حزنا، فمصر الولادة تباغتنا دائما بما يخفف الأحزان ويعيننا على نسيانها ويمنحنا الأمل في انبلاج الفجر بعد طول الليل علي مسرح نقابة الصحفيين شاهدت مساء الأربعاء سهرة رائعة أعدها "المدونون"، وهم كتيبة من الشباب المصري الجريء الواعد تخصصوا في الكتابة على الإنترنت، وتحرروا من الكثير من قيود الرقابة البغيضة على وسائل الإعلام التقليدية الأخرى من صحافة وراديو وتليفزيون وغيرها.. واستطاع المدونون أن يلفتوا إليهم الأنظار بقوة في الآونة الأخيرة بعد أن تمكنوا من كشف وفضح الكثير مما تحاول الحكومات والأنظمة ومؤسسات المجتمع التقليدية إخفاءه أو التستر أو التعتيم أو "الطرمخة" عليه، وفعلوا ذلك بحرية ووعي وجرأة ترشحهم لقيادة الرأي العام في مقبل الأيام، وخاصة على الإنترنت، ولكن سوء حظهم وحظنا شاء أن يلفتوا إليهم نظر رجال المباحث وأمن الدولة حيث بدأت عمليات التعقب والمطاردة والاعتقال.

وأبرز المعتقلين من المدونين علاء سيف الذي يعتبرونه زعيمهم الحقيقي، وهو كذلك بالفعل، وأرجو أن يسعى المدونون إلى التنسيق فيما بينهم وتكوين رابطة تكون نواة لرابطة كتاب المدونات العرب، بل أقترح عليهم السعي للانضمام إلى نقابة الصحفيين ضمن شعبة الصحافة الإلكترونية التي تسعي حاليا لاكتساب الشرعية، وأعتبر من جانبي أن كُتاب المدونات سيلعبون دورا بارزا في صحافة المستقبل، فقط أتمنى أن يكون دورا إيجابيا وفاعلا..!!

في تلك السهرة، جمع المدونون ثلاثة فرق فنية هي "حالة" و"الجميزة" و"ضَي".. وكانت هذه الفرق بمثابة اكتشاف بالنسبة لي أثبت أن هذا البلد لن ينضب أو يعقم أو يتوقف عن إنجاب المبدعين في كل المجالات مهما تواصلت وتوالت وتكثفت المحاولات والمؤامرات الرسمية وغير الرسمية لفرض الجهل والقبح والظلام والتخلف.

وفي نهاية السهرة ضبطت نفسي أهمس إلى أحمد عبدالله رزة بحزن.. "نَم قرير العين في رقدتك الأبدية أيها الزعيم.. فالكنانة التي أفنيت عمرك في حبها لا تزال قادرة على إنجاب الرجال .. ما دامت مصر ولادة.. وفيها الطلق والعادة"..!!


"الأهرام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018