كوندوليزا رايس والسياسة العربية../ يحيى أبو زكريا

على الرغم من أنّ النظام الرسمي العربي يحتقر المرأة إلى أبعد الحدود ويعاملها كمواطن من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلاّ أنّه يحسب ألف حساب للمرأة الأميركية كوندوليزا رايس رئيسة الديبلوماسية الأميركية التي بمجرّد أن تتلفّظ بكلمة واحدة حتى تصبح هذه الكلمة مدار تحليل المحللين في دوائر البلاط في العالم العربي، وعلى وقع هذه الكلمة تدور السياسة في الجغرافيا العربية. وتحاول المنظومة الرسمية العربية أن تتغلغل إلى شعور ولاشعور السيدة كوندوليزا رايس لضبط إيقاع السياسة هنا وهناك على هوى كوندوليزا التي يعتبرها الرسميون العرب الرجل الوحيد في إدارة جورج بوش الابن، تماماً كما كانت غولدا مائير الرجل الوحيد في حكومة بن غوريون كما كان يقول بن غوريون نفسه.

فكوندوليزا إذا أمرت بإطلاق السجناء في البلاد العربية فسيُطلقون وحتى القطط المسجونة في زنزانات الحكام يُعفى عنها وتكرّم، وإذا أمرت بتغيير الدستور فإنه بقدرة قادر يتغيّر ويصبح على هوى واشنطن ورغبتها، وإذا أمرت كوندوليزا بأن يكون شعر هذا الرئيس العربي أملس بدل أن يكون مجعّداً فإنّ هذا الرئيس العربي يستدعي أمهر الحلاقين القادرين على تمليس الشعر......

وبدل أنّ يستمع هذا النظام الرسمي العربي لصرخات الجماهير المستضعفة التي ملّت من الصراخ والمطالبات والاحتجاجات، راح ينصت فقط لكوندوليزا، لأنّ الاستماع إليها وطاعتها والرضوخ لمطالبها تؤدّي إلى البقاء في الكرسي وتدفّق المساعدات التي تذهب إلى القطط السمينة التي تحكم الشعوب المستضعفة، وتؤدي إلى استمرار النعم والامتيازات ما دامت واشنطن وليّة النعمة وكوندوليزا ممثلّة ولي النعمة على الصعيد العالمي راضيةً ومرتاحةً لهذه السياسة وتلك. والمفارقة العجيبة أنّ الشعوب العربية المسحوقة تطالب بمطالب لا تتصادم وتوجّهات الحاكم ولا طموحاته، فهي تطالب ببعض الحرية وقليل من الخبز والكرامة وبعض من العفّة السياسية في زمن العهر العربي، ومع ذلك فإنّها تُقابل بالمجابهة والاعتقال والتحرش الجنسي والاغتصاب العلني والسرّي.

أمّا كوندوليزا السيدة فتعرض على المنظومة العربية الرسمية مطالب وطروحات تتصادم جملةً وتفصيلاً مع السياسات الرسمية وقد تخرم حتى الأمن القومي، ومع ذلك تُلبّى رغباتها بسرعة فائقة، بل قبل أن تمرّ نصف ساعة على تصريحاتها تكون قد نفّذت حذو القدّة بالقدّة في العالم العربي. والعجيب أيضاً أنّ أقوال كوندوليزا تتحوّل إلى أوامر واجبة التنفيذ في بلادنا العربية وهي في واشنطن، أمّا إذا قررت أن تأتي إلى بلادنا العربيّة فهنالك الويل والثبور وعظائم الأمور، فصور الرئيس تُنزع من الشوارع لتظنّ وهي تتجول في شوارعنا المزيّنة زيفاً وبشكل مؤقّت، أنّ التعددية هي سيدة الموقف في هذا البلد وذاك، لا حكم الفرد من المهد إلى اللحد، والدساتير تغيّر والقرارات تتخذ لتكييف القوانين والتصريحات والممارسات والمسلكيات والتحركات مع هوى كوندوليزا رايس، بل إنّ البعض يزايد ويجمّد حتى اللغة العربية لتكون الإنجليزية سيدة الموقف، تماماً كما فعلت تلك المدرسة المصرية التي طردت التلاميذ الفلاحين وجاءت بتلاميذ من عليّة القوم يرطنون بلغة العم السام وكل ذلك لكي ترى زوجة جورج بوش التي زارت الشرق الأوسط أخيراً تلاميذ يدخلون مزاجها ويتماشون ونمط تفكيرها الأميركي.
والأكثر من ذلك أنّ هذا النظام الرسمي العربي لو استطاع أن يرمي شعبه إلى البحر بدل إسرائيل لفعل ليتخلّص من شعوب تكره أميركا وسياستها الظالمة في الشرق الأوسط، ولاستعاض منها بشعوب ترطن باللغة الإنجليزية وتهتف في الشوارع العربية بحياة كوندوليزا والدولة التي تمثّلها.

إنّ هذه المسلكية الخاطئة لن تؤدّي إلى دوام الحكم مطلقاً لأنّ أميركا عوّدتنا على لفظ أكبر عملائها عند انتهاء أدوارهم، ألم تغلق واشنطن بابها في وجه شاه إيران وقد كان شرطيّها في منطقة الخليج العربي، ألم تعتقل نورييغا في بنما وقد كان أحد عملاء جهاز استخباراتها، ألم تتخلّ عن كارلوس في الفليبين وقد قدم لها ما قدم، ألم تلفظ النميري والسادات وغيرهما بعدما قدموا لها خدمات جليلة.

إنّ الذي يمنح القوّة للحكم هو الشعوب لا كوندوليزا على الإطلاق، والشعوب وحدها تشكّل الضمانة الأساسية لاستمرار الدولة في أداء عملها، وأنّى تخلّت الشعوب عن حكامها يبدأ السقوط. والمصيبة الكبرى أنّ النظام الرسمي العربي لحدّ الآن لم يكتشف هذه المعادلة وما زالت توجّهات كوندوليزا رايس عنده في كفّة وتوجّهات الشعوب المستضعفة في كفّة أخرى...

والمفارقة الأخرى أنّ هذا النظام كلما تنازل وانبطح ونفذ كل مطالب كوندوليزا والإدارة التي تمثلها وبدا عبداً مطيعاً ومولى خادماً مسكيناً مستكيناً، تطالبه كوندوليزا بالمزيد والمزيد، فهي وإدارتها الأميركية لا تشبعان إذ إنهما كجهنّم تماماً التي تقول هل من مزيد دوماً.

وهذا النظام الرسمي العربي الذي قدّم باطن الأرض وظهرها للأميركيين ما زال يسمع من كوندوليزا وإدارتها: هذا لا يكفي، فهل من مزيد!!!


"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018