لغة الاسياد والعملاء !/ ناصر السهلي

أطل بوش في الفترة الاخيرة أكثر من مرة علينا وذلك في سابقة غريبة عليه ، بعد كذبة " المهمة انتهت" في أيار 2003، ليحدث المشاهد الامريكي والعربي بلغة المهزوم والمأزوم الممهد لحالة الهروب الكبير من المستنقع العراقي ...
في قراءاتنا المتواضعة على مدى فترة الغزو الامريكي للعراق كنا نتوقع هذا الهروب ، بل وكل الممارسات البشعة لاي إحتلال وإن كان البعض العراقي لم يكن ليصدق بأن هذا القادم الذي تترائى صوره الان لمن سبق له أن قرأ وباختصار شديد ما تؤول إليه علاقة المستعمر بالارض المستعمرة...

إن دققنا هذه الايام في اللغة المتبعة اليوم على لسان بوش وساسة الاحتلال الامريكي وما حملته التقارير التي تسبق الانتخابات النصفية في أمريكا ، فلن نكون بكل تأكيد إلا أمام المزيد من الوضوح حول كم الكذب الذي مارسته إدارة المحافظون الجدد وحلفائهم الاوربيون والكتبة المرتزقون فيما يتعلق بالفردوس العراقي الموعود وتحويل صورة العراق قبل الغزو الى مملكة للشيطان والشيطنة التي إعتبر بوش نفسه ملاكا هو ورامسفيلد أرسلهم الخالق في مهمة مستحيلة تحمل معها بعضا من العملاء الذين زينوا للغزاة غزوتهم باسم الدين والوطن الممزق في براثن المصالح العائلية والمرجعية التي تجاوزت حد المعقول في العمالة والتلاعب بمصير شعب وارض العراق...

ربما إكتشف بوش بذاته، بعد أن ساعدته المقاومة العراقية، بأنه أمام حفنة من المرتزقة الذين يرتعدون هذه الايام خوفا ورعبا من فكرة أن يخرج بوش مطأطأ رأسه وهو يلهث خلف وهم "تحقيق المهمة والنصر" بينما العراق عصيا على الكسر والهزيمة وإن إستسلمت طائفة العملاء من كل الاطياف العراقية لفكرة أن تكون تحت أمرة السيد الامريكي...
كم حملة أمنية قام بها الامريكي مع رؤوس الحكم العميل في المنطقة الخضراء نترك تقييم نتائجها للواقع... والثابت في هذه المسألة أننا في شهر اكتوبر 2006 نشهد نزيفا أمريكيا لا مثيل له بينما جواد المالكي وصولاغ وكل هؤلاء المتخبطون رعبا من الخطاب الامريكي الجديد معهم يواصلون عملية الكذب والتجميل بإظهار أنفسهم وكأنهم وطنييون من الدرجة الاولى... كيف ذلك؟

بوش، بغباء سياسة اليانكي المستهتر بقدرات الشعوب، يقترب أكثر فأكثر من التخلي عن العملاء الذين كانوا يعملون ككلاب تقفي الاثر في مسيرة تدمير بلدهم، وهؤلاء العملاء ترعبهم فكرة "نفاذ صبر أمريكا".. نفاذ الصبر هنا ليست مسألة متعلقة بالمقاومة العراقية التي جرب معها بوش وجيشه الجرار شتى أنواع المنازلة ففشل بها جميعا ... وظل جيشه وجيش العمالة والمرتزقة الاتي على الدبابات الامريكية ينزف تحت ضربات الشعب العراقي... ففشلت كل الحملات الدعائية المُتهمة لهذه المقاومة على أنها تارة مستوردة من دول الجوار وتارة أخرى حصرها في تسميات طائفية ومذهبية : المثلث... مثلث الموت... مرتزقة عابرون للحدود.. متطرفون ...
بينما الواقع الذي كان يراهن الامريكي والعملاء على تبديله بالقوة لم يفلح في تدجيين الشعب العراقي ولا مقاومته أو في بث حالة من الهزيمة النفسية التي عمل عليها خبراء من العملاء والمدجنيين الذين تم تفريخهم في مختبرات السي اي ايه ... ولم تفلح عمليات البروباغاندا الاعلامية المدفوعة الاجر في "صحف بغداد الديمقراطية" التي كانت فانكشفت بأنها ليست أكثر من أدوات بدائية في ايدي الغزاة... بينما تسيل دماء الصحفيين والاعلاميين العراقيين خطفا فقتلا على أيدي ميليشيات وفرق الموت التي صنعها هؤلاء الذين يرتدون اليوم ربطات عنق غربية ويسمون أنفسهم ممثلون للشعب العراقي في برلمان لا يعرف سوى رفع الايدي ووزراء "يس سير" الذين إخترع لهم قانون بريمر مهام لا يمكن تنفيذها إلا بعد أخذ الاذن من المستشار الامريكي اتلمعين كمندوب سامي في دولة وزعت للبشرية حضارة وابجدية قبل أن تولد الدولة العظمى...

نفاذ صبر بوش العلني إذن يتعلق هذه المرة بالمستنقع الذي جره إليه ذات الشخوص التي تقطر عقولها وأيديها دما وهي تنفذ مذبحة إثر أخرى بشعبها، بغض النظر هنا عن الجغرافيا أو الانتماء المذهبي، من خلال فرق الموت والميليشيا التي باتت تتحكم باتجاهات السياسة العراقية وارتباطها إقليميا بمخططات واضحة... وهو ما يرعب جواد المالكي وشلته الذين تتراءى لهم صور ركل الصهيوني لعملائه في الجنوب اللبناني من مركباته وهو يجر ذيل الهزيمة والعملاء يبحثون عن طريقة للتعلق بأي خيط ينقذهم من الخزي والعار ...
يحاول العملاء في أيامنا هذه التي تتضح فيها الهزيمة أن يقدموا أنفسهم كـ" وطنييون" من الدرجة الاولى الذين يرفضون تهديدات بوش ولغته المحذرة علنا وسرا... فالمالكي وكل السرب الذي يحتمي في المنطقة الخضراء او في السفارات الغربية يقدم لغة اخرى مخادعة وكأنهم فعلا يعارضون توجهات بوش وإمتعاضه من هذه العمالة الفاشلة التي لم تستطع طيلة سنوات الاحتلال إلا أن تحتمي بالمذهبية والطائفية وإذكاء نارها المتمثلة بالطلب من قوات الغزو البقاء في العراق حتى لا تقوم حربا أهلية ( راجعوا تصريحات طالباني وبرهم صالح وزيباري وعلاوي وصولاغ وكل الوجوه التي تقطر حقدا على وطنها)..
هذا التسويق الفاشل لعملاء فاشلون سيبدل في قادم الايام صورة العراق كليا... وستنقلب الصور والخطابات السياسية والتحالفات ، مثلما نشهد هذه الايام تهريب عوائل هؤلاء العملاء وأموالهم المنهوبة وإشتداد حرب تهريب النفط كمقدمة لانهيار المعتاد والروتيني الذي بقي مسيطرا على صورة العراق طيلة فترة الاحتلال...

سيكون مثيرا جدا معرفة الطريقة التي سينصاع ساسة بغداد من خلالها لتهديدات بوش لكي ينقذوه من ورطته، حتى نكتشف الطريقة التي سيهرب فيها هذا الامريكي من مستنقع العراق... البعض سيجتهد في التسريع من إندلاع حرب أهلية طائفية.. ولو بالقيام بخطوات تتنافى والمنطق بتفجير مرقد هنا أو إغتيال شخصية مهمة هناك ... والبعض ربما يجد له وظيفة جديدة عبر ميليشياته ليظهر بلباس وطني فاشل...

بين هذا وذاك لن يكون عراق الغد كما هو عراق اليوم ... وليس غريبا أن يحاول الامريكي فتح قنوات مع المقاومة العراقية ليكون الهروب منظما... بل ليس غريبا أن يركل الامريكي كل صنيعته في المنطقة الخضراء تواجه مصيرها المظلم بنفسها... حتى لو إدعى بوش بأنه باق في العراق "حتى النصر"!
-

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018