لماذا يقتتل الفلسطينيون أبناء الوطن والقضية الواحدة؟!/ أحمد الحيلة*

يحلو للبعض تفسير أسباب الاقتتال الفلسطيني الداخلي، بأنه اقتتال بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بالوكالة..
كما أن البعض وصف ذلك الاقتتال بالصراع على السلطة طالما أن الطرفان (فتح وحماس) اقتربا إلى حد كبير في البرامج والمواقف السياسية..

عند النظر في التفسير الأول (اقتتال بالوكالة)، نجد أن الوصف لا يخلو من نوايا مغرضة تسعى لتشويه الحالة الفلسطينية المقاومة؛ لأن ذلك التفسير يعني أن المقاومة الفلسطينية لا تعدو حالة مليشوية وبندقية مأجورة لأطراف خارجية.. !!

يعلم الجميع أن حركتي فتح وحماس هما فصيلان كبيران تشكلا على خلفية وطنية نتيجة وجود الاحتلال، وبالنظر إلى علاقاتهما البينية على مدار نحو 20عاماً (منذ إعلان انطلاق حركة حماس) نجد أن الحركتين تعايشتا سلماً رغم الاختلاف والتباين السياسي وحتى الاختلاف الميداني، ولم يصل الأمر بينهما في أي لحظة إلى الاقتتال، مع العلم أن الخلافات الإيرانية الأمريكية وحتى التصادم غير المباشر بينهما قديم، ولم يتوقف منذ انهيار نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979.

وما يدل أكثر على صدق ما ذهبنا إليه، أن الاقتتال الفلسطيني تركز في قطاع غزة، ولم ينتقل إلى الضفة الغربية أو خارج فلسطين رغم الوجود النشط لتلك الحركتين في الضفة والمخيمات الفلسطينية في الشتات، أي أن الاقتتال له ظروفه الموضوعية وليس صدى لخلافات دولية بين طهران وواشنطن.

إذن القول بأن الاقتتال الفلسطيني انعكاس لصراع أمريكي إيراني لا يعدو كونه تجنٍ ومحاولة لتشويه أنموذج المقاومة الفلسطينية، وطعناً في ظهر أكبر فصيلين ضحيا وقدما نماذج رائعة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. كما لا يعدو ذلك القول المغرض كونه محاولة لعزل فلسطين ومقاومتها (فتحاوية كانت أم حماسية) عن محيطها العربي والإسلامي، وذلك لرفع المسؤولية عن بعض الدول العربية التي تتآمر وتشارك في الحصار الذي هو أحد أسباب التوتر في فلسطين.

أما التفسير الآخر القائل بأن الاقتتال هو "صراع" على السلطة، فهو تفسير سطحي لطبيعة الأزمة رغم صدقه الظاهر.
فأي حزب سياسي على وجه الأرض يسعى ويهدف للوصول إلى السلطة، وهذا طبيعي وحق سياسي تمارسه كل الأحزاب في العالم ولا غبار عليه، وليس بالضرورة أن يؤدي إلى الاقتتال طالما الأطراف ارتضت الديمقراطية وسيلة، وصناديق الاقتراع حكماً، وهذا ما حدث في فلسطين، عندما مارس الشعب الفلسطيني الانتخاب بأجمل وأرقى صوره.

إلى ذلك فإن الممارسة الديمقراطية ليست وليدة اللحظة في فلسطين؛ فقد مارست الحركات الفلسطينية لعبة الديمقراطية بأشكال متعددة تحت الاحتلال الإسرائيلي بالتنافس على النقابات المهنية المختلفة، وعلى مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية في الضفة وغزة دون اقتتال أو إراقة للدم الفلسطيني.

وبالتالي القول بأن ما يجري في فلسطين هو "صراع" على السلطة (بشكله السلبي الدموي الراهن) توصيف لا يمكن تعميمه على الحركتين اللتين ارتضتا اللعبة الديمقراطية حكماً في ساحة التنافس السياسي المشروع.

لكن وحسب تفاصيل المشهد الفلسطيني يمكن إسقاط ذلك التفسير (الصراع على السلطة بالشكل السلبي الدموي) على فئة بعينها لا يروق لها نتائج الانتخابات، وهي غير قادرة على التعايش مع الواقع الديمقراطي الجديد وإفرازاته.

وبالفحص والمتابعة، يمكن إعادة أسباب ظاهرة الاقتتال الفلسطيني بين فتح وحماس إلى ما يلي:

• رفض فئة بعينها تحيط بالرئيس أبو مازن (وهي مؤثرة عليه وعلى قطاع معين داخل حركة فتح) لنتائج الانتخابات الفلسطينية التي أفقدتها امتيازات سلطوية كانت تتمتع بها، ولم تحلم يوماً بالتخلي عنها.

• تدخل الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي بالتنسيق مع تلك الفئة للانقلاب على نتائج الانتخابات، وبالتالي إسقاط حكومة حركة حماس بمزيد من "الفوضى الخلاقة أو البناءة"، وكلنا تابعنا قرار الرئيس بوش قبل أيام وأثناء تصاعد وتيرة الاقتتال، بدعم الرئاسة الفلسطينية ـ التي هي طرف في الاقتتال الداخلي ـ بنحو (86) مليون $، لإعادة بناء حرس الرئاسة للتمكن من مواجهة حركة حماس، فهل الشعب الفلسطيني بحاجة إلى السلاح الأمريكي المبارك إسرائيلياً بديلاً عن الحليب لأطفالنا الذين يعانون تحت الحصار؟!

• فشل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، نتيجة لإصرار أبو مازن على اعتراف حركة حماس بالاحتلال الإسرائيلي ـ تحت أي مسمى كان: مثل الالتزام بالمبادرة العربية التي تعترف بالاحتلال، أو الالتزام بالشرعية الدولية التي تعترف بالاحتلال، أو الالتزام بشروط الرباعية التي تعترف بالاحتلال، أو...، المهم الالتزام بشيء يؤدي بالنهاية إلى الاعتراف بالاحتلال ـ ويأتي هذا الإصرار بسبب تدخلات خارجية ضغطت وأقنعت الرئيس أبو مازن بأن اعتراف حماس بالاحتلال شرط لازم لفك الحصار والتعامل مع حكومة الوحدة المزمع تشكيلها.

• استمرار الحصار السياسي والاقتصادي للحكومة والشعب الفلسطيني لدفعه للتخلي عن خياره الديمقراطي، أي الانقلاب على ذاته والتنكر لنتائج الانتخابات الديمقراطية تحت سيف الجوع. بمعنى آخر: إن من يشارك في الحصار ـ بما فيها بعض الدول الرافضة لنتائج الانتخابات لأسباب عديدة لا يتسع المقام لذكرها ـ هو سبب في توتير واحتقان الساحة الفلسطينية، وهو من يوفر الأرضية لمزيد من التدافع والفوضى والاقتتال الداخلي. ومن هنا فإن ملامح الشك والريبة تحوم حول صدقية بعض الوساطات أو التدخلات العربية لفض النزاع بين فتح وحماس، فهل من يبارك ويشارك في الحصار، حريص على استقرار الساحة الفلسطينية؟! وهي من يشارك في الحصار حريص على احترام إرادة الشعب الفلسطيني وخياراته الديمقراطية الحرة؟!

مع أن أسباب الفتنة ما زالت قائمة في الساحة الفلسطينية، إلا أن العبرة التي يجب الخلوص إليها تفيد أن الاقتتال الداخلي لم ولن يحسم الخلاف السياسي، وأن الحوار وليس الاقتتال هو السبيل الوحيد للوحدة التي هي أساس، وضرورة، ومطلب لنجاح مشروع التحرر الوطني الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي الذي يستقوي ويسود وسط الخلاف بين أبناء الوطن الواحد.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018