ممثل دائم لعرب الـ48 بالجامعة العربيّة../ زهير أندراوس

قبل سنوات خلت، حصلت على وثيقة مهمة للغاية قدّمتها النيابة العامة في منطقة الشمال إلى المحكمة المركزية في الناصرة، خلال النظر في دعوى مقدّمة من قبل مواطن سوري يسكن في الجولان العربيّ المحتل، ويحمل الهوية الإسرائيلية بفعل قانون ضم الجولان للدولة العبرية في العام 1981، المدّعي احتج على قرار وزارة المعارف الإسرائيلية بإلغاء تعيينه مديرًا لإحدى المدارس في الهضبة المغتصبة منذ العام 1967 على الرغم من أنّه تغلبّ على منافسيه، حسب بنود المناقصة التي تمّ نشرها. ممثلة الدولة، أبرزت للمحكمة تصريحًا مشفوعًا بالقسم جاء فيه فيه أنّ المخابرات الإسرائيلية تعارض تعيين المدّعي لهذه الوظيفة لأنّه يُعارض الاحتلال، ويؤمن بأنّ الجولان يجب أنْ يُعاد إلى الوطن الأم، سورية، مشددًا على أنّ هذه الآراء متطرفة، المحكمة تبنت موقف المخابرات وأعلنت في قرارها أنّه لا يحق له أنْ يكون مربيًا للأجيال بسبب مواقفه المتطرفة.
 
 وقبل عدّة أيام كشفت صحيفة (معاريف) الإسرائيلية النقاب عن أنّ الشاباك يسعى إلى فرض رقابته على الأنظمة المعلوماتية للبنوك الإسرائيلية، بذريعة الخشية من جهات معادية لإسرائيل، وأشارت إلى أنّ الشاباك يراقب اليوم عدة هيئات تجارية وعامة بموجب تصريح قانوني خاص يسري على الجامعات وشركات الاتصال وشركة الكهرباء وشركات البنى التحتية مثل معامل التكرير وشركات النفط، وشركة المياه وقطارات إسرائيل وسلطة المطارات والبورصة للأسهم المالية وبنك إسرائيل وسلطة البريد، وأنّه يسعى إلى رفع مستوى الرقابة، كما أكدت على قدرات الشاباك في الحصول على معلومات شاملة عن كل مواطن، لافتةً إلى إنّ وظيفته وصلاحياته حُدّدت رسمياً في القانون الذي سُنّ في عام 2002، ويعمل بموجب تصاريح قضائية، إلا أن قدراته تتيح له الحصول على معلومات شاملة عن كل مواطن في إسرائيل.
 
كما تقرر أيضاً أن يكون الشاباك مراقباً على التعيين في وظائف عامة حساسة، مثل اختيار معلمين عرب، والموظفين في وظائف دينية للمسلمين.
 
 وبما أنّ هذا الجهاز الظلامي يُسيطر تقريبًا على جميع مناحي الحياة لفلسطينيي الداخل، ويُستعمل لقمعهم والحد من نشاطاتهم والتضييق عليهم وتلفيق الملفات الأمنية ضدّهم، فإنّه من الطبيعي أنْ يشارك أحد مندوبيه في جلسة الكنيست التي عُقدت هذا الأسبوع لبحث قضية التلويح بسحب الجنسية الإسرائيلية من كل مواطنٍ عربيّ أجرى اتصالاً مع من يعتبرهم القانون في الدولة العبرية أعداءً.
 
 وقال ممثل الشاباك خلال الجلسة بأنّه يؤيد سحب الجنسية بهدف ردع الآخرين عن القيام بأعمال تمس، بحسب منطقه، بأمن الدولة اليهودية، وهذا التدخل السافر والوقح والصلف في قضايا تناقشها السلطة التشريعية، أيْ الكنيست، هو مؤشر إضافي على أنّ هذا الجهاز يُدير عمليًا الأمور المتعلقة بكيفية مصادرة الحريّات، وهو بذلك لا يختلف بالمرّة عن أجهزة المخابرات العاملة في دول استبدادية وشمولية وديكتاتورية، وفي مقدمتها الدول العربيّة، بل الأخطر من ذلك، أنّ قائده يوفال ديبسكين، يقول دون أنْ يرف له جفن، إنّه سيُلاحق بصورة لا تتماشى مع القانون كل من تُسوّل له نفسه رفض الاعتراف بيهودية الدولة. وبما أنّ هذا الجهاز يخضع مباشرةً لإمرة رئيس الوزراء، فلا غرابة في أنّه يُطبّق عمليًا نظرية بنيامين نتنياهو القائلة إن من يُسميهم العرب في إسرائيل هم قنبلة ديمغرافية موقوتة.
 
ولكن على الرغم من أنّ حكومات إسرائيل المتعاقبة أطلقت العنان لهذا الجهاز الاستبدادي ومنحته صلاحيات بعيدة المدى، فإنّ مؤرخيهم الرسميين وغير الرسميين توصلوا إلى نتيجة مفادها أنّه على الرغم من صرف الأموال القادمة من خزينة الدولة فإنّ المحاولات الحثيثة لترويض وتدجين عرب الداخل فشلت فشلاً ذريعًا، ومحاولات الشاباك المكثفة خلال الستينيات من القرن الماضي لنزع فلسطينية العرب في مناطق الـ48 وتحويلهم إلى "عرب إسرائيل" كان مصيرها مزبلة التاريخ، كما أكد المؤرخ الإسرائيلي الصهيوني، د. هيلل كوهين، في كتابه (العرب الصالحون أوْ العرب الجيّدون)، بكلمات أخرى، جهود المخابرات غير المسبوقة لزرع ثقافة الخوف والهلع في صفوف فلسطينيي الداخل لم ترتق إلى المستوى ولم تُحقق أهدافها، وواصل العرب في الداخل تمسكهم بعروبتهم وبفلسطينيتهم.
 
 ومن نوافل القول إنّهم دفعوا وما زالوا يدفعون ثمن تشبثهم بأمتّهم العربيّة وبشعبهم الفلسطيني، وتمكن العرب في أراضي الـ48، أيْ الذين يحملون الهويات الزرقاء والجوازات الإسرائيلية من تحطيم أسطورة مخابرات الدولة العبرية بأنّها قادرة على فعل كل شيء. وبالمناسبة فإنّ قرار إسرائيل منح من تبقى من الفلسطينيين المواطنة الإسرائيلية لم يكن نابعًا من كرم الأخلاق الصهيوني، بل كان نتاج شرط الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة إسرائيل مقابل منح الأقليّات المواطنة الإسرائيلية، كما أنّه من الأهمية بمكان التشديد في هذا السياق على أنّ الجنسية الإسرائيلية فُرضت على عرب الـ48 فرضًا، ولم تستشرهم السلطات في ما إذا كانوا يوافقون على حملها.
 
مضافًا إلى ذلك، فإنّ الخوف كحالة عاطفية وغريزية أصبح رفيقاً حاضراً بسطوة في حياتنا اليومية، وباتت الأرض التي نقيم عليها كوكب الخوف الملتهب بظواهر مثيرة للفزع، بعد أن أخذت أشكالاً اجتماعية وسياسية معقدة تتمظهر، على سبيل الأمثلة، في مجتمع فاشي تسيطر عليه المباحث والمخابرات.
 
 وتفاديًا للخطر المحدق من تنامي الفاشية الإسرائيلية يتحتم بشكل منهجي ومدروس رفع قضية عرب الـ48 إلى المؤسسات الدولية المعنية، ومنها الحقوقية والدبلوماسية لتدويلها وفضح النوايا الإسرائيلية الهادفة لفرض نظام أبارتهايدي غير مكتفية بسياسة التمييز العنصري والقهر القومي الذي تمارسه ضد فلسطيني الداخل منذ عام النكبة، ولا ضير بدراسة مطالبة جامعة الدول العربيّة بقبول عضوية ممثلٍ من الداخل لإضفاء الشرعية الرسمية لعروبة الفلسطينيين في إسرائيل، لأنّ قضية يهودية الدولة العبرية تهم بالدرجة الأولى الفلسطينيين في إسرائيل وهم أول ضحاياها، ولا يجوز لأية جهة كانت أن تتبرع بالنيابة عنهم في التفاوض مع إسرائيل حول الاعتراف بهذا الطابع أو إقراره من خلال الاعتراف به.
 
وعليه، فلا يستغربن أحد أنْ تزداد قوة المخابرات في الدولة العبرية، وهذا التطور يُحتّم علينا التحرر من الخوف، وتحديث المناورة في الحيّز الضيّق لما يُسمى بالديمقراطية الإسرائيلية، وعدم منح الشرعية لنزع الشرعية عنّا، فالشاباك ليس هيئة إلهية، وإننّا إذ نُحذّر من خطورته، نشدد في نفس الوقت على أننّا إذا تمكنا في ظل الحكم العسكري من تحطيم مخططاته المبيتة ضدّنا، فلا يوجد أيّ سبب لعدم دحر أساليبه غير الديمقراطية.