من بلفور الى بوش- محطات على اجندة النكبة الفلسطينية!/ نواف الزرو

بينما تحل اليوم الذكرى التاسعة والثمانون لوعد بلفور النكبوي المشؤوم يعلن سفير "إسرائيل" في الولايات المتحدة داني أيالون يوم 2006/11/1 بمنتهى الوضوح :" إن رسالة بوش في الرابع عشر من نيسان/إبريل 2004 إلى شارون، والتي اعترف فيها بالكتل الإستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل، تشبه في أهميتها التاريخية وعد بلفور. ..علاوة على أنه في رسالة بوش تم ترسيم الحدود التمهيدية لإسرائيل".

وجاءت أقوال أيالون هذه في مقابلة مع صحافيين إسرائيليين لتلخيص فترة عمله سفيراً لإسرائيل في الولايات المتحدة.

وقارن أيالون رسالة بوش بتصريح وزير الخارجية البريطاني أرثور جيمس بلفور، عام 1917، وقال:" كان تصريح بلفور أيضاً ورقة ملزمة صدرت من الوزير البريطاني لحاييم وازمان رئيس الوكالة اليهودية. وفي حينه لم يكن هناك اعتراف دولي، ومر 30 عاماً حتى تم تنفيذ التصريح".

واعرب عن اعتقاده مؤكدا:" أن رسالة بوش تعتبر وثيقة أهم من تصريح بلفور، وبحسبه فإن الرسالة ستكون الأساس للتوصل إلى أي اتفاق في المستقبل. واعتبر الرسالة أحد أهم الإنجازات أثناء فترة أرئيل شارون ".

ونحن بدورنا لا نبالغ بالتثبيت بداية وبالعنوان الكبير ونحن أمام الذكرى التاسعة والثمانين ل"وعد بلفور" المشؤوم ان زخم الهجوم الامريكي -الاسرائيلي المسعور في هذه الايام على شطب حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين من كل الاجندات التفاوضية والسياسية الاقليمية والدولية يبلغ ذروة هستيرية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الصراع على الاطلاق، وذلك عبر محاولات شطب حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين ... فحق العودة هو جوهر الصراع والنكبة والقضية والحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني في فلسطين.

ولعل ذروة الهجوم الامريكي - الاسرائيلي هذه تتجسد في الآونة الاخيرة الى حد كبير بـ "الوعد" الذي كان منحه الرئيس الامريكي بوش في نيسان 2004 لبلدوزر المشروع الاستعماري الصهيوني شارون في حينه ..وكذلك بـ "الترخيص المفتوح" لذلك البلدوزر بان يواصل حرب الابادة السياسية ضد الشعب الفلسطيني...وبالاعتراف بما اسماه بوش "حقائق الامر الواقع التي اقيمت على الارض"...!

ولا نبالغ ان قلنا واكدنا ايضا في السياق ذاته ان ذلك "الوعد" الذي يعد بمثابة استمرار واستكمال لوعد "بلفور" والمشروع الاستيطاني الصهيوني، قد فتح كل الملفات مجددا واثار كل الاسئلة والتساؤلات المتفجرة على كل الاجندات السياسية.

ولا نبالغ ان قلنا كذلك ان "وعد بوش" قد وضع ذاكرة وثقافة حق العودة لنحو خمسة ملايين لاجىء فلسطيني في مواجهة خطاب التسوية ومشاريع التصفية.

وبالتالي فان كنا نكتب اليوم عن ذكرى الوعد البلفوري النكبوي مثلا وعن معطيات المشهد الفلسطيني وآفاقه في ظل خرائط ووثائق الحرب، فإننا لا نكتب تحت وطأة المناسبة والأحداث التي لا نتعامل معها بصورة مجردة في سياق تاريخي هادىء ورتيب، فالذكرى تطحننا كالعادة في كل عام وهي اعمق في نسيج الوعي والتفكير الفلسطيني من ان تكون في يوم محدد ...

فهي على نحو اشمل واعمق قد غدت كابوسا يشمل كل ابناء الشعب الفلسطيني... وقد حرص الفلسطينيون على مواجهته بالتمسك بثقافة العودة والحق الراسخ بالعودة، الذي يعني ابدية العلاقة بين الفلسطيني ووطنه وانسانيته ووجوده "فالنكبة في الفلسطيني والفلسطيني في النكبة" كما اكد الكاتب الفلسطيني علي الخليلي في واحدة من مقالاته.

فمن "بلفور" الى "النكبة" الى مدريد... الى اوسلو ... الى وادي عربة .. الى كامب ديفد-2-... الى خريطة الطريق... ثم الى.."فك الارتباط"... فالوعد البوشي المشؤوم: تتصل وتتواصل كلها كمحطات على اجندة النكبة الفلسطينية المستمرة.

فذلك الوعد البوشي الاخير للبلدوزر الصهيوني - شارون - ينطوي على جملة لا حصر لها من التداعيات والتحديات والاخطار الداهمة التي تتهدد بضياع فلسطين العربية من البحر الى النهر والى ابد الآبدين اذا لم تنتفض الامة والدول والانظمة العربية لتلحق نفسها وحقوقها.

فوعد بوش لشارون وضع فلسطين عمليا بين وعدين تاريخيين يتلاقيان على الاجهاز الكامل الشامل والمطلق على فلسطين لصالح المشروع الصهيوني و"الدولة اليهودية النقية".

ولذلك يمكننا ان نثبت هنا ان"وعد بوش" انما يكمل ويتمم "وعد بلفور" من حيث منطلقاته ومضامينه واهدافه وتداعياته، ويمكننا بالتالي في الخلاصة المكثفة المترتبة على ذلك ان نضع خطوطا مشددة تحت اهم استخلاص في هذا السياق وهو ان الصراع في فلسطين يعود في هذه الايام في ظل "وعد بوش" وفي ظل المستعمرات والجدران العنصرية الى بدهياته الاولى والى مربعه الاول، رغما عن الجميع.. ورغما عن كل المخططات والمؤامرات والحروب الاستعمارية والضغوط الابتزازية.. يعود بوصفه صراعاً بين مشروعين كبيرين استراتيجيين يتصادمان تصادما جذريا وجوديا الغائيا لا تعايش ولا تسويات دائمة بينهما....!

ونقول في هذا السياق: اذا كان "وعد بلفور" المشؤوم قد أسس على نحو مبيت ومبرمج وتآمري لاقامة الدولة الصهيونية و"منح ما لا يملك لمن لا يستحق" فان "وعد بوش" يكمله عمليا في الجوهر والمضمون والتداعيات على الارض الفلسطينية.

واذا كان "وعد بلفور" آنذاك قد اسس لنكبة فلسطينية كبيرة ومستمرة ومتفاقمة فان "وعد بوش" لشارون ليس فقط يكرس ويعمق النكبة والمعاناة والظلم والطغيان التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني وانما ينتج نكبة فلسطينية اخرى، ويلحق بالفلسطينيين المزيد من المعاناة والالم والعذاب.

واذا كان "وعد بلفور" قد ادى في المحصلة الى ضياع 78% من فلسطين لصالح الدولة الصهيونية هكذا ظلما وافتراء وارهابا، فان "وعد بوش" انما يجهز على ما تبقى من فلسطين ويصادرها هكذا ظلما وافتراء وارهابا وطغيانا لصالح تلك الدولة.

واذا كان "وعد بلفور" قد حمل في احشائه تطهيرا عرقيا والغاء شاملا للوجود العربي وللحقوق التاريخية العربية الفلسطينية في فلسطين لصالح "الوطن القومي لليهود"، فان "وعد بوش" يحمل في احشائه ايضا المرحلة التالية المتممة لحرب التطهير العرقي والالغاء السياسي التي تشنها الدولة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي يقود هذا الوعد في تطبيقاته النهائية وفق خطة "فك الارتباط" الشارونية الى الاجهاز على الحقوق التاريخية والحضارية والسياسية الوطنية والانسانية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق العودة لملايين اللاجئين..

ولكن...؟!!
لم يكن "وعد بلفور" ليرى النور ويطبق على ارض الواقع في فلسطين لو تحملت الامة والدول والانظمة العربية حينئذ مسؤولياتها القومية والتاريخية؟

ولم تكن فلسطين لتضيع وتغتصب وتهوّد لو تصدى العرب للمشروع الصهيوني كما يجب، ولم تكن فلسطين لتتحول الى "وطن قومي لليهود" لو ارتقى العرب الى مستوى "الوعد والحدث"؟!!

وما بين "بلفور وبوش" نقول:
لم يكن "وعد بوش" ليرى النور لو لملم العرب انفسهم وارتقوا الى مستوى الحدث والاخطار الداهمة الاتية عليهم من الجهات الاربع؟!!

ولم يكن بلدوزر الارهاب الاستيطاني الصهيوني ليواصل عمله وتقطيعه وتهويده للجسم الفلسطيني لو عمل العرب على تعطيله في الوقت المناسب واتخذوا مواقف حقيقية وجادة..؟!!

لقد غدت فلسطين العربية تترنح عمليا ما بين "الوعد البلفوري" الممتد الى "الرؤية« و"الحلم" ثم الى "الخريطة" ... ثم الى "فك الارتباط"و"الجدران العنصرية"... ثم الى "الوعد البوشي التاريخي الذي لا يقل كارثية بالنسبة للشعب الفلسطيني والحقوق العربية في فلسطين عن ذلك "الوعد البلفوري" المشؤوم..؟!!

وما بين "الوعد البلفوري و"الرؤية والحلم والخريطة" و"الوعد البوشي" تجري عملية اغتيال الوطن الفلسطيني والحقوق الفلسطينية المشروعة الراسخة، ومقومات الاستقلال الفلسطيني.

وما بين الوعد والضمانات الامريكية "لاسرائيل"من جهة، وبين التطمينات الامريكية التضليلية المخادعة للعرب تجري من جهة ثانية عملية تحييد الدور والفعل العربي الحقيقي، لتواصل "اسرائيل" استفرادها بالفلسطينيين وانتزاعها للقضية الفلسطينية من عمقها وتواصلها العربي...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018