وشم آخر في ذاكرتنا../ فيصل جلول

لا يسع المتابع لنعي جوزف سماحة في مواقع صحافية متعددة وبتوقيع أقلام باعدت بينها السياسة وأحيانا خنادق القتال لا يسعه إلا أن يسأل: كيف يمكن لرجل واحد أن يثير تأثر وحزن وألم كل الرجال؟ ويلح السؤال عندما ندرك أن تقاليدنا العربية لا تنطوي على فضاء للمفارقات ففي حياتنا السياسية لا منطقة وسطى بين الرأي والرأي المختلف ولا إخلاص للقاعدة الذهبية الموروثة: رأيك خطأ يحتمل الصواب ورأيي صواب يحتمل الخطأ.

إذاً ما الذي فعله جوزف حتى التقى المختلفون بل المتقاتلون حزنا على غيابه؟ الرد على هذا السؤال يستدعي قراءة في وجوه هذا الرجل المتعددة، ومعيني في القراءة أنني عرفت سماحة عن كثب، حيث ربطت بيننا صداقة طويلة منذ أكثر من ربع قرن عملنا خلالها معاً في المنابر الإعلامية المذكورة في سيرته باستثناء جريدة “الوطن” الناطقة باسم الحركة الوطنية اللبنانية و”الأخبار” الصادرة حديثا.

الوجه الإنساني: كان جوزف يقيم اعتبارا أساسيا للجانب الإنساني في شخصية كل من معارفه وأصدقائه. كان يقف إلى جانبهم في لحظات ضعفهم ومآسيهم ويشعر بسعادة لا توصف في لحظات نجاحهم وقوتهم.

يحاذر استخدام العبارات المؤذية وإذ يلوم أو ينتقد أو يحتج فبأسلوب الدعابة الذي يفصح دون أن يجرح ويعبر دون أن يؤذي.لقد أمضينا سنوات طويلة في باريس نلتقي أسبوعيا حول طاولة بلياردو فرنسية في مقهى محبب في الدائرة الخامسة عشرة من العاصمة. التقينا بأمزجتنا المتعكرة وأحكامنا المسبقة ورؤانا المختلفة وكان اللقاء لحظة ممتعة للجميع بفضل ما يبذله هذا الرجل من طاقة إيجابية ومن جهد شخصي متميز يعكس رغبة جامحة في خلق صحبة متعايشة بوئام ولو لساعات قليلة. وأظنه ما كان قادرا على العيش من دون صحبة وما كان من النوع الذي يدير ظهره لأصحابه حتى وان كانوا في موقع سياسي مناهض.وأذكر أنه استقبل في العام 2004 صديقا في منزله معرضا نفسه للخطر من النظام الأمني حينذاك، وإذا غاب في لندن ففي حضرة صحبة معمرة شارك سنين طويلة في شحذها ومدها بأسباب البقاء رغم المسافات الشاسعة التي تفصله عن بعض أعضائها جغرافيا وسياسيا. مفاد القول أن الصداقة عند هذا الرجل كانت عابرة للألوان السياسية والمواقع الطبقية، وها نحن اليوم نلمس جميعا هذا الأثر في ردود الفعل المفجوعة برحيله.

الوجه السياسي: انتمى جوزف إلى قلة من المثقفين والإعلاميين العرب تجمع بين الموقف الملتزم إلى أقصى حدود الالتزام واحترام الرأي المختلف وعدم الاستهانة بوجوده. واستطاع أن ينتزع في مساجلاته احترام خصومه ومخالفيه الرأي. لم يستخدم في مقالاته وسائل وتقنيات تمس بأخلاق من يختلف معهم. لم يختبئ وراء الأحكام المسبقة.لم يعتمد النميمة والكذب والدس. لقد خاصم بشرف فكان مثيرا للإعجاب والاهتمام مائيفسر حجم المفاجأة الحزينة التي خيمت وتخيم هذه الأيام على الوسط السياسي اللبناني جراء رحيله الخاطف.

الوجه المهني: يشاع في الغرب أن الصحافي يصبح رئيسا للتحرير بعد أن يطعن زملاء منافسين ويدوس على جثثهم.لا اعرف بدقة حجم هذه الظاهرة في الصحافة العربية رغم معرفتي بسقوط بعض الزملاء المرموقين والتمثيل بجثثهم. الثابت أن سماحة لم يقتل أحدا للوصول إلى رئاسة التحرير.ففي جريدة “السفير” وصل برغبة صاحبها ورئيس تحريرها الذي نتمنى له طول العمر والبقاء. وفي جريدة “الأخبار” لم يخض السباق مع أحد على منصب كان مفصلا منذ البداية وفي الأصل على مقاسه. وفي السياق كنت شاهدا على مشروع إطاحة رئيس للتحرير في مطبوعة عملنا فيها معاً على أن يخلفه سماحة الذي رفض أن يلعب هذا “الدور القذر” ولم يتورع عن كشف حقيقة ما يدبر لرئيس التحرير المستهدف.وهنا أيضا يبدو أثر الأخلاق المهنية التي تمتع بها الراحل حاضرا بقوة في ردود الفعل المكلومة جراء غيابه المفاجئ.

الوجه الطبقي: كنا خلال سنواتنا الأولى في باريس مطالع الثمانينات نتحدث مطولا عن مسائل شخصية كثيرة من بينها موقعنا الطبقي.

وكان يرى محقا أن أشخاصا ينتمون إلى عائلات متواضعة الحال من الصعب عليهم أن يحققوا معجزات كثيرة على الصعيد الاجتماعي فهم مجبرون دائما على بذل جهود جبارة لتقليص المسافة التي تفصلهم عن آخرين ينطلقون إلى الحياة في كنف أسر وفرت لأبنائها البنية التحتية الضرورية في السباق على تحسين شروط الحياة والفوز بأفضل عناصرها.

ومازلت أذكر روايته عن صديق له أصابه الثراء واصطحبه ذات يوم إلى متجر فاخر للألبسة على أن يهديه ما يرغب لكن جوزف رفض بتهذيبه المعهود معللا بقوله إن الثياب الباهظة الثمن لا تغير شروط الحياة فلا بد أن تكون متناسبة مع سكن فاخر وسيارة فاخرة ونمط حياة فاخر و إلا فإنها ستبدو كمظهر مزور لا يبعث على السعادة بل سيبدو علامة سلبية فارقة.

لا أدري إن كان جوزف سماحة قد حافظ على كامل التزامه الماركسي منذ عشريناته وحتى أواخر خمسيناته، لكن ما اعرفه هو أن مشاعره العربية ما كانت يوما محل شك أو تساؤل إلى حد دعم “ديكتاتور” خلال حربه ضد الإمبريالية الأمريكية والعدو الصهيوني. فالصراع مع هذا الثنائي الشرير يبرر عند جوزف تجاوز كل الفواصل والبحث عن كل الجوامع في مجابهة كان يرى وظل يرى أنها وجودية بامتياز.

لقد انعكس التزام سماحة الايديولوجي الماركسي معطوفا على عروبة رحبة ونقدية في نصوصه التي تخاطب بيئة واسعة متعطشة للنهوض والتغيير والنيل من “خضوع عربي طال وما ينبغي أن يستمر”. ولعل تلك واحدة من جمله لسائق تاكسي مغربي كنا زبائنه في باريس شعر بالفرح لكوننا عربا وكادت عينا جوزف تغرورقان بالدموع لفرح الرجل.

ومع ذلك يظل القول في جوزف سماحة وعنه قاصرا عن الوفاء بما يستحق صديقا وزميلا وشريك معارك سياسية ورفيق هجرة وغربة. ويبقى أن غيابه الجسدي لن يقوى على طي صفحته في نفوسنا ونفوس الذين عرفوه مباشرة أو عبر نصوصه. سيظل جوزف في حيواتنا جميعا وفي المشهد الإعلامي والسياسي اللبناني والعربي وشماً عصياً على الإهمال والنسيان.


"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018