القضية الفلسطينية بين "تدويلين"../  علي جرادات

القضية الفلسطينية بين "تدويلين"../ علي جرادات

تنشغل الأوساط السياسية والدبلوماسية، إقليمياً ودولياً، بمطلبي "تدويل" لملفين عربيين:
التدويل الأول تناهضه واشنطن وتوابعها، وتتوعده بـ"الفيتو" الجاهز، بل، وتستميت لإجهاضه كتوجه، ويتعلق بنية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التوجه إلى هيئة الأمم بطلب الاعتراف بعضوية دولة فلسطين، التي كان قد أعلنها المجلس الوطني عام 1988 في الجزائر، واعترفت بها أغلبية دول العالم.
 
   وقد بلغت عدوانية مناهضة أمريكا للتوجه الفلسطيني حدَّ اشتراط مواصلة مساعداتها للسلطة الفلسطينية بالتراجع عن هذا التوجه، بل، حدَّ التهديد بوقف المساهمات الأمريكية في تمويل هيئة الأمم، في حال تصويت جمعيتها العامة لصالح الفلسطينيين، ذلك رغم أن التوجه الفلسطيني لا يعدو كونه توجهاً جزئياً، وغير نهائي، ولا يعلن رفضاً كلياً لا رجعة عنه للرعاية الأمريكية للمفاوضات الثنائية مع إسرائيل، وهي الرعاية التي بحلول نهاية أكتوبر القادم، يكون قد مضى عليها عقدان بالتمام والكمال، لم يسفرا عملياً وجوهرياً عن نتيجة، اللهم إلا عن برهان قاطع على أن أمريكا ليست مجرد راعٍ منحاز لإسرائيل فقط، بل، طرف معادٍ للشعب الفلسطيني وتطلعاته وحقوقه الوطنية أيضاً، ولعب، (ومنذ مؤتمر مدريد في نهاية أكتوبر 1991)، دوراً واضحاً لإملاء الشروط الإسرائيلية على الفلسطينيين، حاجباً هذا الدور بخطاب لفظي عائم حول "قضايا الوضع النهائي للمفاوضات".
 
   وتستشرس واشنطن ضد التوجه الفلسطيني الجزئي نحو التدويل، رغم معرفتها بأنه مجرد خطوة تكتيكية، لم يكن منها بدٌّ في ظل انعدام أية إمكانية لضغط أمريكي حقيقي على صلف نتنياهو وائتلافه الحكومي، الذي يضع الاعتراف بإسرائيل "دولة لليهود"، (أي تصفية القضية الفلسطينية)، شرطاً لمجرد العودة للمفاوضات، ناهيك عن لاءات تعجيزية ما انفك يعلنها، علاوة على رفضه حتى مجرد التجميد الجزئي والمؤقت لعمليات الاستيطان والتهويد، الجارية على قدم وساق، فيما تعلم الإدارة الأمريكية قبل غيرها، أن الحديث عن دولة فلسطينية مع مواصلة الاستيطان والتهويد، لا يعدو كونه حديثاً زائفاً وتضليلياً، يستهدف مواصلة صَلْبِ القضية الفلسطينية في جحيم نار الاحتكار الأمريكي لرعاية مفاوضات ثنائية عبثية، لن تفضي إلى نتيجة، كما برهنت تجربة عقدين من اعتمادها كخيار لتسوية الصراع، وتلبية ولو الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية المشروعة المغتصبة، وفي أقله وفقاً لقرارات الشرعية الدولية التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.     
    
   أما التدويل الثاني، فهو التدويل الهادف إلى احتواء مفاعيل الحراك الشعبي العربي ومحاولة اختطاف نتائجه، وكانت واشنطن باشرت الهندسة له بأشكال مختلفة، بالتعاون مع حلفائها إقليمياً ودولياً، بعد مفاجأتي الإطاحة برأسي نظام الحكم في تونس ومصر، كنظامين استبداديين فاسدين حليفين وتابعين للسياسة الأمريكية، تساوقا لعقود مع سياستها المعادية للشعب العربي الفلسطيني وقضيته وتطلعاته وحقوقه الوطنية المشروعة العادلة، بل، وكان أحد هذين النظامين، (المصري)، بمثابة "كنز استراتيجي"، (بتعبير بنيامين بن اليعيزر)، لإسرائيل، الحليف الإستراتيجي الاستثنائي لواشنطن وسياستها الخارجية في منطقة الشرق الأوسط، النابعة من مصالح ومرتكزات ثابتة، يقع في مقدمتها ضمان تفوق إسرائيل على ما عداها من دول المنطقة وقواها، ذلك على الأقل، ما برهنت عليه الوقائع العملية لمواقف أمريكا من الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية، منذ ورثت عن بريطانيا قيادة القطب الغربي الاستعماري في السياسة الدولية، بعد الحرب العالمية الثانية، هذا ناهيك عن ما برهنت عليه وقائع المواقف الأمريكية من هذا الصراع بعد انهيار القطب السوفييتي، وسيطرة واشنطن كقطب أوحد على السياسة الدولية، وهيمنتها على هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها، وتحويلها إلى مجرد هيئة ملحقة بوزارة الخارجية الأمريكية. 
         
   بهذين الموقفين الأمريكيين من "التدويلين" آنفي الذكر، ينكشف العداء الأمريكي للقضية الفلسطينية مرتين، مرة بشكل مباشر، ومرة بشكل غير مباشر، ذلك أن درء تداعيات الحراك الشعبي العربي على إسرائيل، يشكِّل واحداً من مرتكزات كيفية الهندسة الأمريكية لتدويل هذا الملف أو ذاك من ملفات هذا الحراك. وبهذا يتضح أن التمايز في الموقف الأمريكي من "التدويلين"، إنما هو تمايز ظاهري، يعكس موقفاً أمريكياً مصلحياً استعمالياً انتقائيا في التعامل مع هيئة الأمم وقراراتها، ويشير إلى الأهداف الحقيقية للتدخلات الأمريكية في مجريات الحراك الشعبي العربي، بذريعتي دعم التحولات الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.
 
   إن الموقف الأمريكي من "التدويلين"، على ما فيه من تمايز ظاهري، إنما يسعى لتحقيق أهداف سياسية تلبي المصالح الأمريكية، وبضمنها هدف مواصلة الاستفراد الأمريكي بملف القضية الفلسطينية، وذلك عبر آليتين:
 
الأولى مباشرة، وتتمثل في العمل على مواصلة تجريد القضية الفلسطينية مما تعطيها إياه قرارات الشرعية الدولية التي تعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، وهذا ما يفسِّر شراسة المناهضة الأمريكية لتوجه الفلسطينيين الجزئي والتكتيكي للأمم المتحدة، ذلك خشية تطوره إلى خيار يعيد نقل ملف القضية الفلسطينية بكامله إلى هيئة الأمم، كإطار ومرجعية لمعالجة الصراع، ما يعني إنهاء الاحتكار الأمريكي لرعايته، أي إنهاء تبني شروط الرؤية الإسرائيلية وروايتها للصراع وكيفية معالجته.
 
والثانية غير مباشرة، وتتمثل في العمل عبر التدويل الاستعمالي المنتقى، مستوىً وكيفية، لملفات الحراك الشعبي العربي، على حرمان القضية الفلسطينية من التأثيرات الإيجابية لهذا الحراك، الذي انعكس أولياً، (رغم أنه ما زال في مرحلة انتقالية صراعية)، في خطوتين فلسطينيتين إيجابيتين، حتى وإن اكتنفتهما معيقات داخلية وتدخلات خارجية، تعيق تطبيقهما على أرض الواقع حتى الآن، وتحول دون تطويرهما إلى خيارين سياسيين استراتيجيين، وهما: خطوة الاتفاق المبدئي للمصالحة الوطنية، وخطوة التوجه الجزئي إلى الأمم المتحدة.
 
   قصارى القول، يشير الموقف الأمريكي من "التدويلين" إلى سياسة أمريكية ثابتة العداء لقضايا العرب عموماً، ولـ"قضيتهم الأولى"، القضية الفلسطينية، خصوصاً، ما يكشف عن مقدار ونوعية ما في التحالف الأمريكي الإسرائيلي من إستراتيجية استثنائية راسخة، فرضها، ولا يزال، وجود مصالح عليا إستراتيجية مشتركة، تنعكس في نظامين سياسيين، لا يمكن خارج المجابهة السياسية معهما التوصل إلى تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، تلبي الحد الأدنى من الحقوق العربية والفلسطينية المغتصبة، وذلك بمعزل عن تبدُّل الأفراد والأحزاب والائتلافات الحكومية في إدارة هذين النظامين.                                                      

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018