في ذكرى النكبة- كي لا ننسى ولا نغفر/ محمد عبد الهادي

في ذكرى النكبة- كي لا ننسى ولا نغفر/ محمد عبد الهادي

عــ48ـرب

تحل في هذه الأيام الذكرى 64 للنكبة الفلسطينية، وفي كل مرة يعاد السؤال المحير والمأساوي وهو لماذا حلت بشعبنا هذه النكبة مع انه كان يعتبر من أوعى الشعوب العربية وتنبه مبكرا لخطر الأستيطان الصهيوني وتصدى له وأشعل ثورة كبرى سنة 1936
ومع ذلك لم يستطع تفادي الكارثة. الم يكن بالإمكان منعها؟!

الم يوجد قادة عقلاء ليقودوا هذا الشعب الى بر الأمان؟

منذ مدة انتهيت من قرآة كتاب "التحدي" لمؤسس الحزب العربي السيد عبد الوهاب دراوشة، يقول في صفحة 133_"عتبت على الدول العربية والفلسطنين لأنهم لم يقبلوا بقرار التقسيم عام 1948".

"فقد اتخذت القيادة الفلسطينية موقفا سلبيا برفضها قرار التقسيم وكانت النتيجة أن تحول الحاج أمين الحسنين الى لاجئ في لبنان وهجر معه حوالي مليون لاجئ فلسطيني من وطنهم.

وكان لوقوف القياده الفلسطينية ضد الإدارة الشرعية الدولية مردود سلبي على مستقبل الشعب الفلسطيني الذي مازال يعاني حتى اليوم اللجوء والتشرد نتيجة هذا القرار الخاطئ"

ويعود على نفس المعنى في صفحة 219 عندما يقول بإصرار القيادة الفلسطينية على رفض التقسيم ومغادرتها البلاد الى لبنان لمحاولة قيادة قوات عربية تقوم بتحرير فلسطين "وفي ظروف مأساوية هجر من الوطن حوالي ¾ مليون لاجئ"

اولا- ليسمح لي ابن بلدي السيد عبد الوهاب دراوشة ان اعارضه تماما في هذا الطرح، لأن معنى هذا الطرح هو تبرئة للحركة الصهيونية من أعظم جريمة اقترفتها في القرن العشرين، وليس فقط تبرئة الحركة الصهيونية وإنما وضع الذنب والمسؤولية على الشعب الفلسطيني- الضحية، لأنه يظهر وكان لجوء اللاجئين تم بسبب الحرب والحرب تبعا لذلك حدثت نتيجة للخطأ السياسي للقيادة الفلسطينية.

لفهم الخيارات التي كانت أمام القوى السياسية الفلسطينية يجب فهم توازن القوى العسكري الذي تبلور في سنة 1948.

لقد بنت القيادة الصهيونية بدعم كامل من بريطانيا، دولة داخل دولة، بنت جيش كامل مدجج بالسلاح ومنضبط، بقيادة جنرالات شاركوا في معارك الحرب العالمية الثانية،
تحت حماية بريطانيا ودعمها وبسرية تامه،بنت جيش وصل تعداده الى 84 الف جندي حسب الدكتور احمد العلمي_في كتابه حرب عام 48، وفي مصادر اخرى الى 100 ألف مع المتطوعين اليهود الأوروبيين، جيش بأمكانه انذاك احتلال الشرق الأوسط كله!!
في الوسط الفلسطيني_ بدأت الكارثة بفشل ثورة 1936.

فالرغم من البطولة والتضحيات العظيمة التي ابداها الشعب الفلسطيني الا ان القوات البريطانيه استطاعت بالنهايه قصم ظهر الثورة عسكريا، بعد ان استدعت قوات اضافية من القواعد المجاورة، وصل تعدادها الى 25000 جندي مجهزين بأحدث الأسلحة-حسب المقدم يوسف رجب الرصيفي في كتابه ثورة 36 في فلسطين_دراسة عسكرية-

فشلت الثورة لانعدام الدعم العسكري والمادي وسط بلاد عربية مازالت مستعمرة واشباه محميات، وقف الشعب الفلسطيني وحيدا امام دولة عظمى وامام قارة اوروبية عظمى، فشلت الثورة واستشهد معظم قادتها وتشتت الباقي وجرى بعدها مصادرة كل الأسلحة حتى الفردية من الناس، ولذلك وجد الشعب الفلسطيني نفسه في سنة 1948 مجردا من أي سلاح او أي تنظيم عسكري وحسب الدكتور احمد العلمي في كتابه -حرب 1948- كان عدد الفلسطينيين المسلحين حوالي 5000 متطوع معظمهم خدم في البوليس ولم يكونوا متدربين على خوض اية حرب، معظمهم مزود ببارودة او مسدس.

ان الموقف الفلسطيني الرافض للتقسيم هو موقف منطقي، مفهوم تماما، وطبيعي ايضا، من يقبل بأستقلال مستوطنين اجانب جاءوا منذ فترة 30-40 سنة واصبحوا "قومية" تطالب بحق تقرير المصير وتقاسم البلاد؟!
لم يحدث امر كهذا في التاريخ الانساني ولذلك رفض الشعب الفلسطيني بكافة فئاته قرار التقسيم، حتى قيادة عصبة التحرر الوطني رفضت التقسيم في البداية، لكن فيما بعد صدرت توصيات من الكومنترن - على ما يبدو- بالموافقة عندها اصبحت الأغلبية مع قرار التقسيم.
ان موقف الكومنترن كان متأثرا بالرأي العام العالمي المتعاطف مع اليهود اثر المجازر التي ارتكبت ضدهم من قبل النازيين ومعتقدا بالأوهام التي دسها له الشيوعيون اليهود في فلسطين ان الدولة العبرية ربما ستكون اول دولة اشتراكية في الشرق
يجب توضيح حقيقتين اساسيتين في تلك الأيام ما قبل الكارثة لفهم تصرف الفلسطينيين.

اولا- لم يكن احد يعرف او يقدر قوة الحركة الصهيونية العسكرية التي قاربت 100 الف جندي مجهز بأحدث الأسلحة ومزود بشكله واسعه من الجواسيس انتشرت في كل القرى والمدن العربية،مستعربين، تزوجوا من عربيات كما تكشف ذلك فيما بعد . فلا القوى التقدمية - عصبة التحرر الوطني- في ذلك الوقت كانت تعرف ولا القوى المحافظة ولا العربية .

ثانيا- لم يكن احد يعرف حقيقة الموقف الصهيوني من التقسيم، ظاهرا- كان الموقف الصهيوني قابلا بقرار التقسيم، متظاهرا بالسلام. ولكن حقيقة الموقف الصهيوني كان بالضبط ضد التقسيم لأنهم ارادوا مساحة اكبر ولكن الأهم ارادوا دولة يهودية صرفة وما حصلوا عليه هو دوله نصف سكانها عرب وهم يعرفون انه لا يمكن تغير الوضع الديمغرافي ولا يمكن احداث تطهير عرقي بدون حرب. لذلك كانت الحرب هدف اساسي للحركة الصهيونية وهي بنت وطورت قوتها العسكرية استعدادا لذلك،لكن لماذا عليها ان تعلن الحرب؟ وهي تعلم ان الفلسطنيين سيرفضون التقسيم ويعلنون الحرب، وبذلك تحصل على اكبر تأييد عالمي ممكن وتغطي على نواياها الرهيبه.

يجب ان يكون واضحا ان نزوح اللاجئين الفلسطينيين لم يكن نتيجة حرب_ كما يحدث في الحروب عامة ويعود كل الى داره بعد انتهائها_ وانما الحرب قامت من اجل التطهير العرقي لطرد سكان البلاد الأصليين لخلق دولة يهودية.

هذه الجريمة الكبرى التي ارتكبتها الحركة الصهيونية بالتآمر والأشتراك مع بريطانيا.

لقد عرفت بريطانيا نوايا الحركة الصهيونية في الحرب والتهجير ودعمتها ليس فقط لخلق دولة يهودية وانما لخلق نزاع وعداء طويل الأمد بين الدولة العبرية والعالم العربي لاستغلال هذا الصراع للحفاظ على مصالحها كما حدث في حرب السويس وحرب 1967

ومره اخرى لم يكن احد...لا عصبة التحرر الوطني ولا القوى المحافظة على علم وفهم بنوايا الحركة الصهيونية، ولا على علم بمخاطر التهجير.
ان مراجعة الصحف الفلسطينية قبل النكبة ومن ضمنها الاتحاد لا تذكر ابدا هذه المخاطر ولا تحذر منه، كما انه لم تجري اية محاولة جدية شعبية للتصدي للتهجير في المدن الكبيرة حيفا ويافا وعكا. لقد اخذ الشعب على حين غرة.

لقد حاول رفاق عصبة التحرر الوطني مواجهة التهجير في الناصرة وتوجه الرفيق توفيق طوبى الى عسقلان لمنع التهجير ولكن عبثا، اذ طردوا بعد ذلك الى منطقة غزة .

ومع ذلك يعتقد السيد عبد الوهاب دراوشة وبعض الناس وخاصة الشيوعيين انه كان بالامكان تفادي الكارثه لو "تعقلت" القيادة الفلسطينية وقبلت بالتقسيم.
للرد على هذا التساؤل يجب التأمل في ما اقدم عليه بن غريون خلال حرب السويس. وقتها كان اتفاق ثلاثي: بريطاني فرنسي اسرائيلي لبدئ الهجوم على مصر. احتاج بن غريون الى سبب وجيه ليبدأ الحرب. وشائت الصدف الا تحدث هجمات جدية للفدائيين الفلسطنيين من غزة فقام عندها بتدبير هجوم على حافلة مدنية اسرائيلية في منطقة النقب، احدى الناجيات ذكرت ان المهاجمين كانوا يهودا وتم اسكاتها ولفلفت القضية.

بالعودة الى فترة 1948..تواجدت حركة صهيونية مسلحة من جيش قوامه 100،000 جندي ومتطوع وعندها هدف استراتيجي للتطهير العرقي بواسطة الحرب مقابل 5000 متطوع بدون تسليح تقريبا.

فلو افترضنا ان الفلسطنيين "تعقلوا"... وقبلوا بالتقسيم لقامت الحركة الصهيونية بتدبير استفزاز ما، او حتى بأرتكاب مجزرة في أي مستوطنة يهودية واعلان الحرب.

ما اريد ان اقوله انه في ظروف الخلل الرهيب في التوازن العسكري . انذاك لم يكن القبول بالتقسيم ان يغير أي شيء.

يقول السيد عبد الوهاب دراوشة صفحة 220_ "ان تدخل الجيوش العربية وجيش الانقاذ اسهم في زيادة الكارثة الفلسطينية وفي كل هذه المأساة".
وكما يذكر ان الاحزاب الشيوعية العربية – وربما بتوصية من الكومنترن - اصدرت بيانها التعيس انذاك - الذي دعى الى منع دخول الجيوش العربية الى فلسطين.

في محاورة مع قائد اركان الجيش المصري- سعد الدين الشادلي في برنامج شاهد على العصر- وهو شارك في حرب 48 مع القوى المصرية - سئل انذاك- لماذا فشلت الجيوش العربية من منع الكارثة ولم تحقق شيئا؟!

فأجاب- "صحيح اننا لم نستطيع منع الكارثة ولكن بالتأكيد منعنا كارثة اكبر بكثير كانت ستحدث لو لم نتدخل."
ربما كان التهجير اوسع واخطر بكثير ويشمل كل فلسطين؟!

من كان يعرف اين كانت ستكون حدود الدولة العبرية - لو لم تواجه بالجيوش العربية ولو على قلتها وعلاتها - ربما كانت حدود الدولة العبرية حوران؟!... شرق الأردن؟! الليطاني؟!! من يعرف؟!

لم يكن للشعب الفلسطيني عام 48 اي خيار يمنع وقوع الكارثة. لا رفض قرار التقسيم ولا القبول به، لقد نزلت الكارثة كالقدر المحتوم،... كان من المستحيل على شعب صغير وبالرغم من التضحيات العظام- الصمود امام تحالف رهيب من قوى استعمارية: صهيونية بريطانية اوروبية امريكية.
كانت قوى الشر هذه اقوى بكثير من قدرات الشعب الفلسطيني وقدرات العالم العربي كله...

لم يحدث التهجير نتيجة معارك بالمفهوم التقليدي ولكن نتيجة مواجهة جيش كامل العدة ضد مواطنين عزل كانوا تحت حماية بريطانيا ولم يكن لديهم أي تكتلات عسكرية سوى بعض الأفراد كل سلاحهم - باروده.

لقد ثبت تاريخيا انه لم يصدر من أي زعيم عربي او اذاعه عربية أي نداء للفلسطنيين بالهجرة. لقد كانت هذه حرب نفسية قاموا بها المستعربون الذين اندسوا في المجتمع الفلسطيني.
هرب من هرب بعد مجازر الهجانا والأتسل.
ومن تبقى حمل بالسيارات وقذف الى الخارج.
ومن اصر على البقاء ارتكبت بحقه مجازر جديدة.
لقد ضربت تجمعات العرب العزل في حيفا بالمدفعية.
وحمل وطرد اهل يافا وعسقلان بالقوة...
وارتكبت مجازر فظيعة في اللد والطنطورة واماكن عديدة.
وقد افرغت كل المساحة المعدة للدولة اليهودية من سكانها العرب بالكامل.

لا نسيان ولا غفران ابدا
ان جريمة تهجير الشعب الفلسطيني هي في رقبة الحركة الصهيونية وبريطانيا وكل الغرب.
ومع ذلك لا يموت حق وراءه مطالب. وقدرنا ان نكون جزء من امة عربية عظمى..عظمى بتاريخها وتعدادها وامتدادها الجغرافي وقدرتها على المواجهة اذا اتحدت وتوفرت الارادة.
فمن انتماءنا القومي هذا وعشقنا السرمدي لهذا الوطن نستمد الأمل والأصرار على المواجهة والانتصار.