مصر: ثورة وانتفاضة ومشروع../ علي جرادات

مصر: ثورة وانتفاضة ومشروع../ علي جرادات


60 عاماً مرت على ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة عبد الناصر، وما انفك الجدل حولها، (شكلاً ومضمونا)، دائراً. وكان من الطبيعي أن يفضي اندلاع الانتفاضة الشعبية المصرية في 25 يناير 2011 إلى تجديد هذا الجدل، وإلى إعطائه أبعاداً إضافية، فحواها: هل تشكل انتفاضة 25 يناير قطعاً مع مبادئ ثورة 23 يوليو أم امتداداً لها وتصحيحاً لانقطاع سياق تطورها بالارتداد عليها في عهدي نظام السادات ومبارك؟

هنا، ولأن تقييم الثورة، أية ثورة، بما فيها ثورة 23 يوليو المصرية، لا يتم، ويجب ألا يتم، وفقاً لمقاييس المزاج والرؤى الذاتية، بل تبعاً لمعايير موضوعية تلحظ ما أحدثته هذه الثورة أو تلك من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية، تنقل هذه الدولة أو تلك من نظام سياسي بقوى اجتماعية معينة، إلى نظام سياسي جديد بقوى اجتماعية جديدة ذات سياسة وثقافة وأخلاقيات جديدة، فإن من الإنصاف القول: لئن شكلت محاولة النهضة والتحديث بقيادة محمد علي الحدث الأهم في تاريخ مصر الحديث، فقد شكلت ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة عبد الناصر حتى رحيله عام 1970 الحدث الأهم في تاريخها المعاصر، هذا  بحسبان تداعيات هذه الثورة وإنجازاتها الواقعية، وطنياً وقومياً وإقليمياً ودولياً، حيث أطاحت نظاماً ملكياً إقطاعياً فاسداً وقاعدته الاجتماعية، (كبار ملاك الأرض)، ونفذت برنامج إصلاح زراعياً لمصلحة صغار الفلاحين؛ وألغت معاهدات كبلت مصر وأجازت الوجود الأجنبي وتدخلاته؛ وأقامت قطاعاً عاماً أثمر مجانية التعليم والعلاج وكهربة الريف وبناء الجامعات والمعاهد التعليمية العليا والمدارس والمراكز الثقافية؛ وقامت ببناء السد العالي وتقدمت في التصنيع وشيدت مجمع الصلب والحديد في حلوان؛ وتجرأت على تأميم قناة السويس، وتحديث الجيش، ودعم حركات التحرر العربية في الجزائر واليمن وغيرهما؛ واتخذت منذ البداية موقفاً قومياً جاداً في الصراع مع إسرائيل، وتحملت تبعاته، بدءاً بالمجموعات الفدائية التي قادها مصطفى حافظ على حدود غزة، مروراً بحرب السويس والمقاومة الشعبية عام 1956، عدا إغلاق مضائق تيران والممرات البحرية أمام إسرائيل، ولم تثنها هزيمة العام 1967 عن خوض حرب الاستنزاف، (أقسى حروب إسرائيل باعتراف قادتها)، التي قادها واستشهد خلالها القائد العسكري اللامع عبد المنعم رياض، أو عن البدء بالتحضير لحرب العام 1973 بخطة غرانيت وفقاً لشهادة المرحوم الفريق سعد الدين الشاذلي؛ بل، وتجرأت قبل كل هذا على مشاركة عبد الكريم قاسم في إسقاط "حلف بغداد"، وعلى المساهمة مع نهرو وتيتو ونكروما وسوكارنو في بناء منظومة عدم الانحياز لدول ما يسمى "العالم الثالث"؛ هذا ناهيك عما أفضى إليه كل ذلك من حراك اجتماعي أفضى إلى خلق طبقة وسطى من أبناء الفلاحين والعمال الذين أتيح لهم التعلم مجاناً، وإلى بلورة نخبة سياسية جديدة حررت الحقل السياسي من احتكار أبناء الباشاوات والأفندية، وإلى حصول نهضة علمية وأخرى ثقافية شملت الفنون بألوانها، في المسرح والسينما والأدب والغناء...الخ، فضلاً عن إشاعة التأليف والنشر والترجمة. ماذا يعني هذا الكلام؟ 
  
يعني أن ثورة 23 يوليو 1952 لم تكن خطيئة كما صورتها، ولا تزال، جهات ناصبتها العداء منذ البداية، سواء تلك الجهات الاجتماعية التي تضررت من إطاحة نظام إقطاعي ملكي فاسد يمثل مصالحها، أو تلك الجهات التقليدية المعادية للتغيير بعد فشلها في صبغ هذه الثورة بصبغة أيديولوجية تجريدية تحرفها عن مهامها الواقعية، أو تلك الجهات السياسية ذات الميول الفكرية الغربية التي ظلت تحن إلى ما تسربل به النظام الملكي المطاح من ليبرالية شكلية زينت التزامه بمعاهدات تجيز الوجود الأجنبي وتدخلاته، أو تلك الجهات السياسية العدمية التي ضخمت الربع الفارغ من كأس نظام ما بعد الثورة، عبر التركيز على مثلبة عدم فتح الباب أمام تعددية حزبية كان من شأن إشاعتها الحد من تفشي البيروقراطية وولادة مراكز القوى، كمثلبة مكنت نظام السادات، فنظام مبارك، من الارتداد على الثورة وانجازاتها الاجتماعية والقومية والوطنية الاستقلالية، وتحويل نظامها بعد غياب قائدها إلى آلية جهنمية للتبعية والفساد والإفساد والثراء الفاحش والقمع والإفقار والبطالة والحط من الكرامة وتدجين الجيش وتهميشه وتقوية أجهزة الأمن الداخلي ودمجها بالجهاز البيروقراطي الحكومي، وقد كانت سياسة السادات بالانفتاح الاقتصادي وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد فاتحة لكل هذه الارتدادات التي جاءت في مصلحة تسمين طبقات ريعية طفيلية وكمبرادورية متحالفة مع بيروقراطية منتفعة، دمرت القطاع العام وباعته للمغامرين بأبخس الأثمان، وأدرجت مصر في دواليب الليبرالية الجديدة واملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، عبر الخصخصة واستقدام الاستثمارات الغربية ورأس المال الاحتكاري المعولم، وتشريع الرشوات، ونهب المال العام، والاستيلاء على الأصول الوطنية السيادية كالأراضي ومناجم المعادن وغيرها من الموارد.

   إذاً، ضد الارتداد الذي بدأه نظام السادات، وعمقه نظام مبارك، على مبادئ ثورة 23 يوليو وانجازاتها الاجتماعية والسياسية الوطنية والقومية حتى رحيل قائدها، انفجرت انتفاضة 25 يناير التي تسعى لاستعادة مبادئ ثورة 23 يوليو، إنما بتجديدها والإضافة عليها، وتجاوز مثلبتها الأساس، (تقنين الديمقراطية السياسية)، أما محاولات الفصل بين ما حملته ثورة 23 يوليو من مشروع وطني وقومي وما حققته من انجازات سياسية واجتماعية وبين مطالب انتفاضة 25 يناير من منظور من فجرها والجماهير التي التفت حولها، فلا تعدو كونها محاولات اعتباطية، تغذيها رؤى فكرية سياسية فئوية، انفصلت عن الواقع، فأصبحت نمطاً أيديولوجياً يسعى أصحابه إلى اختزال مطالب انتفاضة 25 يناير في مطلب الديمقراطية بمعناها السياسي الليبرالي، وإلى التفرد بنتائجها والسيطرة على الدولة المصرية وتغيير هويتها، بينما لا يقع هذا لا في أولويات ملايين الشباب المصريين الذين فجروا الانتفاضة بمطالب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والوطنية والقومية، ولا في أولويات من التف حول هذه المطالب من طبقات شعبية يطحنها الفقر وتعيش وطأة التهميش والبطالة والأمية، ولا في أولويات 15 مليوناً من المصريين يفتك بهم العيش في العشوائيات، عدا ملايين أخرى تسكن المقابر، ولا في أولويات طبقة وسطى متنورة ترفض إعادة احتكار الحقل السياسي، ولا في أولويات كل وطني وقومي مصري يتوق لفكاك مصر من نير التبعية للولايات المتحدة، ويناضل من أجل استعادة دورها القومي في القضايا العربية، والقضية الفلسطينية بالذات، وبكلمات: انتفاضة 25 يناير 2011 جاءت لاستعادة ما تم هدمه من بناء ثورة 23 يوليو 1952، ولإضافة التحول الديمقراطي السياسي عليه، وليس من أجل تفصيل الديمقراطية على مقاس جماعة سياسية أيديولوجية، فهنا ثمة ثورة وانتفاضة لتحقيق مشروع سياسي اجتماعي ثقافي مديد، يخطئ، (وسيفشل)، كل من يظن أن بمقدوره تفصيل برنامج هذا المشروع الوطني والقومي العام على مقاس برنامجه الفئوي الخاص.                              
  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018