خرائط جديدة لـ"سايكس بيكو"../ علي جرادات

خرائط جديدة لـ"سايكس بيكو"../ علي جرادات

بعد انتصار الدول الاستعمارية الغربية في الحرب العالمية الأولى عام 1914، وخلافاً لوعودها للعرب بدعم محاولتهم الاستقلال القومي عن الإمبراطورية العثمانية، قامت باستعمار الوطن العربي وتقسيمه إلى دول عدة، وضعت بعضها تحت الانتداب، وأعطت بقيتها استقلالاً شكلياً تحكمه معاهدات تجيز الوجود الاستعماري وتدخلاته، بينما أعطت وعداً، (بلفور 1917)، بـ"إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين"، تم تنفيذه عام 1948 بإقامة دولة إسرائيل التي احتلت عام 1967 ما تبقى من الأرض الفلسطينية، علاوة على أراضٍ عربية مجاورة، ما زالت تحتل بعضها، (الجولان السوري وشريط لبناني)، بينما أعادت سيناء لمصر، إنما دون سيادة سياسية أو سيطرة أمنية كاملة وفقاً لمعاهدة كامب ديفيد عام 1979.

   لقد تم كل هذا العبث بالوطن العربي وحق العرب في تشكيل دولة قومية وفقاً لتقاسم النفوذ الاستعماري بين الدول الاستعمارية الغربية في اتفاقيتي (سايكس بيكو 1916)، و(سان ريمو 1920) اللتين لم تراعيا أي اعتبار للحقائق التاريخية والجغرافية والاقتصادية والثقافية في الوطن العربي، ما قاد إلى إفشال محاولة العرب في العقد الثاني من القرن العشرين تشكيل دولة عربية واحدة، (الدولة الأمة)، بل، وإلى إفشال محاولة تشكيل دولة عربية واحدة في سورية الكبرى، علماً أنه بمفاعيل الثورة الصناعية لأزْيَدِ من ثلاثة قرون جاء القرن التاسع عشر قرْنَ تشكُّل "الدولة الأمة" بامتياز، حيث اتجهت أحداث التاريخ ومسيرته نحو تجميع الأمة المنتشرة في دول عدة في دولة واحدة، ونحو انقسام الإمبراطوريات متعددة القوميات إلى دول قومية، فتوحد بذلك مصطلح "nation"، وبات يعني الوطن والأمة معاً. 

  واليوم، وبعد مرور قرن على تقسيم الوطن العربي، وبعد ستة عقود على موجة الاستقلال الوطني وتشكيل الدول القُطْرية العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من أن أحداث التاريخ تتجه منذ عقود نحو تشكيل التكتلات الإقليمية، لم يعد الكلام عن تفكيك الدول القُطْرية العربية وتقسيمها جغرافياً وديموغرافياً وسياسياً على أسس طائفية ومذهبية وجهوية...الخ، حديثاً عن مخططات نظرية قائمة أو متوهَّمة، بل صار كلاماً عن وقائع عملية تدور على الأرض، وبالتالي فإن التحذير من عواقب هذا التفكيك لم يعد تعبيراً عن فوبيا سياسية من مؤامرة متَخَيَّلة، إنما تعبيراً عن خطر إستراتيجي حقيقي يحيق بالدولة المركزية في أكثر من قطر عربي، كخطر خلقته عوامل داخلية وخارجية متداخلة على نحو معقد وشائك، ويتساوي في مخاطره وتداعياته وانعكاساته ونتائجه القريبة والبعيدة المدى، (إن لم يكن أكثر)، مع ما ترتب على تقسيمات اتفاقيتيْ (سايكس بيكو) و(سان ريمو) اللتين يجري إعادة رسم خرائطهما، فجنوب السودان انفصل عن شماله وأنشأ دولة مستقلة عن دولة مركزية يتهددها المزيد من التقسيم؛ والحكم الذاتي للأكراد العراقيين يتحول عمليا، وإن دون ترسيم حتى الآن، إلى دولة مستقلة عن دولة مركزية تتقاسمها الطوائف والمذاهب بتوجيه سياسي من الاحتلال الأمريكي قبل انسحابه، بما يجعلها قابلة للمزيد من التقسيم المذهبي تحت مسمى الفدرالية؛ وفي اليمن لم يستطع الحراك الشعبي تحقيق هدفه الوطني في إزاحة شبح إعادة تقسيم الدولة اليمنية إلى دولتين مستقلتين، (جنوب وشمال)؛ وفي سورية صار محتملاً بدرجة كبيرة أن يسفر الصراع فيها وعليها عن تفشيل الدولة فيها وتفكيكها وتقسيمها إلى مجموعة دول، بل، وبدأت الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية ذات المشيمة مع الدوائر الأمريكية والغربية تتحدث عن تقسيمها إلى أربع دول، واحدة للسنة وثانية للعلويين وثالثة للأكراد ورابعة للدروز، علما أنها بذلك إنما تستعيد سيناريوهات استعمارية فرنسية قديمة ثار عليها الشعب السوري، وأفشلها، وحال دون تنفيذها.

وعلى صلة بما يدور في سورية، صارت وحدة الدولة اللبنانية الطائفية أصلاً، (والتي شرختها حرب أهلية طويلة ومدمرة حتى أعاد اتفاق الطائف الهش رتقها)، شكلاً بلا مضمون، ما يجعل أمر تقسيمها مسألة وقت إذا ما نجح مخطط تقسيم سورية؛ وإعادة الدولة الليبية بعد إطاحة نظام القذافي العجيب إلى تقسيمات ما قبل الاستقلال باتت قيد التداول العملي تحت مسمى اللامركزية، بل، وثمة جهات جهوية تتبناها علناً وصراحة؛ ولست أدري إن كان النجاح الانتخابي الذي حققه الاتجاه الوطني المتمسك بوحدة الدولة الجزائرية وعروبتها كافياً للاطمئنان، خصوصاً مع ما تشهده، فضلاً عن الدول المجاورة لها، من تنامٍ بكتيري للحركات الطائفية والمذهبية الدموية الجاهلة والمتطرفة التي يعد تقسيم الكيانات الوطنية والقومية أحد أهم أهداف تشكيلها واستخدامها؛ وربما تواجه الدولة المصرية في المستقبل القريب مثل هذا الخطر، إنما بسيناريو حذِرْ يراعي عراقتها ورسوخها وثقلها قياساً بغيرها، ولعل إثارة قضيتي الأقباط وسيناء مجرد مؤشر على ما يجري التخطيط له في هذا الاتجاه؛ أما دول ممالك ومشيخات وإمارات الخليج العربي، فأمرها مختلف ليس بسبب منعة داخلية تجعلها عصية على التقسيم، بل لأن من شأن أي تغيير غير محسوب في أنظمتها وخرائطها أو خرائط وأنظمة دول محاذية لها، (اليمن مثلاً)، أن يعرِّض السيطرة الأمريكية خصوصاً، والغربية عموماً، على كنوزها النفطية وثرواتها الهائلة للخطر، بل، إن تفكيك غيرها من الدول القطرية العربية وتقسيمها، إنما يستهدف أساساً، علاوة على تعزيز تفوق إسرائيل على ما عداها من دول المنطقة، ضمان استمرار النهب لهذه الكنوز والثروات في مرحلة دولية وإقليمية عاصفة، وإلا ما معنى سرعة وقسوة العمل على قمع انتفاضة الشعب البحريني السلمية وإخمادها، بل، والعمل على وأدها في مهدها بمشاركة قوات "درع الخليج"، ودون أن تنبس "حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان"، الولايات المتحدة، أو أي من حلفائها وتوابعها، بكلمة واحدة، وما معنى أن يأتي تدخُّل الولايات المتحدة وحلفائها وتوابعها في انتفاضة الشعب اليمني منسجماً تماماً، ومتناغماً كلياً، وداعماً بالمطلق، لمبادرة دول مجلس التعاون الخليجي الرامية إلى تجويف مطالب هذه الانتفاضة والالتفاف عليها وتخفيض سقفها وصياغتها على نحو يضمن عدم انتقال لهيبها وتداعياتها إلى دول الخليج بثرواتها الهائلة والمنهوبة؟

   إزاء ما يجري من إعادة رسم لخرائط تقسيمات "سايكس بيكو" و"سان ريمو"، سوف يلجأ كثيرون، ومن ألوان فكرية وسياسية متنوعة، إلى تحميل الحراك الشعبي، بعد وصفه بالمؤامرة، مسؤولية هذا المشهد، متناسين، سيان بوعي أو بجهالة، حقيقة أن هذا الحراك إنما انفجر بفعل تناقضات داخلية اعتملت لعقود، لكن عوامل عفوية انطلاقه، ودموية الأنظمة الاستبدادية في قمعه، واستخدامية بعض "المعارضات" السلطوية له، جعلت مصيره مفتوحاً على كل الاحتمالات، ذلك لأن هذه العوامل الداخلية، بتداخلها المعقد والشائك، قد سهلت الطريق أمام محاولات تدخلات خارجية تقودها الولايات المتحدة وتوابعها وحلفائها، وأولاهم إسرائيل، لحرف مسار هذا الحراك الشعبي عن هدفه الديمقراطي السياسي والاجتماعي الحقيقي، بل، واستغلال ارتباكاته والتباساته الداخلية، ليس فقط للجم ارتقاء مطالبه إلى المناداة بإنهاء تبعية أنظمة الاستبداد، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، للولايات المتحدة وحلفائها، وخضوعها لإسرائيل، ولكن أيضاً، لتعميق أواصر هذه التبعية وهذا الخضوع، كهدف يشكل تفكيك الدول القطرية العربية وتقسيمها ديناميكية مضمونة وناجعة لإحرازه وخدمته وتكريسه لآماد طويلة، ما يحتم على حركة "الإخوان" قبل وأكثر من غيرها، بعد توليها للسلطة، بفضل هذا الحراك الشعبي وباسمه في غير قطر عربي، هضم دروس ما يجري واستيعاب مخاطره الإستراتيجية على الأمة، كيلا يسجل التاريخ عليها المساهمة، بوعي أو بجهالة، في تسهيل الطريق أمام إعادة رسم خرائط "سايكس بيكو".                            

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018