ملاحظات على كيفية تناول الانتفاضة العربية../ عوض عبد الفتاح

ملاحظات على كيفية تناول الانتفاضة العربية../ عوض عبد الفتاح

* أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي

ليس لأحد المقدرة على رسم سيناريو واقعي للاتجاه الذي ستسلكه الانتفاضة العربية الراهنة. وباستثناء أصناف معينة من الناس (نخب وشارع) يعيش الإنسان العربي حالة من التنازع الداخلي حول ما إذا كانت التضحيات الجسام التي قدمها ستؤتي أكلها أم أن هذه المرحلة الغامضة ستطول أكثر مما يجب. الصنف الأول هو ذلك الذي يقدم تشخيصًا تبسيطيًا وانفعاليًا، يتمثل في أن كل ما يحدث هو مؤامرة خارجية. والصنف الثاني هو ذلك الذي يسترخي استرخاءً كاملاً وينظر مغتبطًا اغتباطًا لا يعكره شيء، إلى ما يجري على الساحات العربية خاصة في سوريا حيث الدماء تراق يوميًا بأحجام يعجز العقل عن هضمها. وغالبًا ما يكون الصنف الأخير مدفوعًا بأيدلوجية غيبية متطرفة تُغيب الإنسان تغييبًا كاملاً. أما الصنف الثالث فهو ذلك الذي يستطيع أن يرى الصورة بكافة تفاصيلها وتعقيداتها ومخاضها وعذابات الناس. وفي الوقت ذاته يستطيع أن يرى بطولة الإنسان، الإنسان العربي وعطاءه الأسطوري، ويؤمن بقدرته في نهاية المطاف على تحقيق النقلة النوعية التي سعى إليها على مدار عقود طويلة، إن لم نقل قرونا. وهذا الصنف من العرب يحمل قيمة الحرية بمفهومها المتكامل؛ حرية المواطن وحرية الوطن ويرفض التناقض المفتعل بينهما.

أوقد اندلاع الثورات العربية، وبشكل خاص انتصار الثورة المصرية، شعلة الآمال العريضة، وولد مزاجًا ثوريًا عارمًا لدى الشعوب العربية. كان الشعار واضحًا وبسيطًا "الشعب يريد إسقاط النظام"، الذي التفت حوله الجماهير الثائرة. سقط النظام، فازدادت العواطف اشتعالا وتضخمت الآمال والأحلام، واستعجل الناس رؤية العالم العربي الجديد. ولما جاءت مرحلة تطبيق الشعارات، ومهمة إحداث القطيعة مع النظام السابق وكل ما يمثله من استبداد وفساد، وتبعية ودوس لكرامة المواطن، تفجرت التناقضات الداخلية وتصادمت الاجتهادات المختلفة حول شكل وطبيعة العملية الانتقالية وكل ما يتعلق بمفاهيم العدل والحرية والدولة المدنية.

وبدأت الحماسة تتراجع والعواطف تنطفئ، عندما تحولت الثورة الليبية إلى ثورة مسلحة كردّ على بطش النظام، وبشكل أكثر عندما وقعت تحت رعاية الحلف الأطلسي. وبدأ المزاج ينقلب عند قطاعات واسعة من الناس خاصة في المشرق العربي، إثر تحول سوريا إلى ساحة صراع دموي بين أقطاب دولية وإقليمية، بعد أن بدأت ثورة سلمية نحو سوريا الديمقراطية.

بل بدأ مزاج أوساط عديدة (في المشرق العربي تحديدًا)، ممن كانوا يدينون النظام السوري بسبب تعامله الأمني منذ البداية مع الحراك الشعبي، بالتغيّر نحو تغليب الإدانة للقوى الخارجية الدولية والعربية كالولايات المتحدة الأمريكية وحليفها النظام السعودي التي لا تخفي هدفها، ألا وهو إخراج سوريا من معادلة القوة ضد إسرائيل ومن محور المقاومة والممانعة.

إزاء هذه المرحلة الفاصلة بين مرحلة سقوط أنظمة ومسلمات ومرحلة غير واضحة المعالم يقلق المواطن العربي ثلاثة أمور؛

الأمر الأول؛ هو التساؤلات المشروعة التي يطرحها إزاء نهج الإخوان المسلمين في الحكم على مستوى الداخل وعلى مستوى الخارج، على خلفية تاريخهم، وبسبب براغماتيتهم المفرطة خاصة فيما يتعلق بالتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتبنيهم نموذج التنمية وفق الموديل النيوليبرالي.

الأمر الثاني؛ هو "الحماس" الغريب الذي تظهره قوى عربية معادية للمقاومة أصلاً وللديمقراطية، وأكثرها تخلفًا وقمعًا وارتباطًا بالمصالح الاستعمارية الغربية كالعائلة المالكة في السعودية، وكذلك القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى بصورة منهجية إلى احتواء الثورات العربية وحرفها عن مسارها، بحيث تُحوّل مهمتها من إسقاط الاستبداد والتبعية وبناء الوطن الحرّ بواسطة المواطن الحرّ، إلى مهمة خدمة معسكر "الاعتدال" في مواجهة قوى المقاومة العربية.

الأمر الثالث؛ هو خفوت قضية فلسطين من الثورات العربية بل خفوت التركيز على التناقض بين مصالح الأنظمة الغربية ومصالح القوى العربية، وهذا يتجلى في علاقات التفاهم الآخذة بالتطوّر بين الإدارة الأمريكية والقيادات الجديدة في مصر على سبيل المثال، وكذلك مع المجلس الوطني السوري الذي يُهيمن عليه الإخوان المسلمون وليبراليو أمريكا. ومع أن هذه التساؤلات والمخاوف مشروعة إلا أن المسألة لا يجوز أن تؤخذ كأمر مفروغ منه، أو كأن مساعي الغرب وأنظمة عربية متحالفة معه ستتحقق أطماعها. لأن الجزم بهذا الأمر هو استخفاف بالإرادة العربية الشعبية وبقواها الثورية الصاعدة، ويؤدي إلى تثبيط العزائم وكأن هذه القوى الاستعمارية والأنظمة المتحالفة معها، قادرة على أن تواصل التحكم بالعرب. وينبغي الحذر من الكتابات، ومن الفضائيات الرسمية وغير الرسمية التي لا تحترم العقل ولا تحترم مهنيتها في تناول وضع كثير التعقيد والتباين.

فهناك مثلاً من انحدر الى وصف الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي بالخيانة والعمالة، هكذا ببساطة. طبعًا هناك حاجة بل واجب القوى الثورية، أن لا تكف عن النقد وعن التحذير من مغبة أي سلوك أو قرار أو سياسة تعتمد سواء على مستوى الداخل أو على مستوى الخارج، من شأنها المسّ بمسار التطور الديمقراطي والتنموي، أو بسيادة مصر وموقعها الوطني والقومي في مواجهة المحاولات الأمريكية الإبقاء على سياسات مصر الخارجية كما كان الحال في عهد مبارك. ولكن أيضًا يجب الانتباه إلى أن الثورة لا تزال في بداياتها، وإلى أن الإخوان المسلمين يجرون تغييرات في تصوراتهم خاصة فيما يتعلق بالدولة المدنية، وإن كان هذا الأمر لا يزال في بداياته. ولكن يجوز بل واجب نقد نموذجهم الاقتصادي ألا وهو النموذج النيوليبرالي الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي (النيوليبرالي) والذي بالضرورة سيكون مرتبطًا بالولايات المتحدة وما يعنيه من تبعية. إن من شأن النقد الصارم، ولكن الحضاري، لأداء الرئاسة المصرية أن يردع ارتكاب انحرافات إستراتيجية. ليس هذا فحسب، بل ينتظر من القوى الثورية على تنوعها أن تبني نفسها وترتبط بالشعب لتطرح نفسها بديلاً في المستقبل إذا لم تتحقق أهداف الثورة.

إن الإنسان المصري أو السوري أو العربي عمومًا بحاجة إلى تغذيته الدائمة بالأمل وبالتالي شخذ عزيمته وتشجيعه على العمل والإبداع ورؤية النور في نهاية النفق.

يحتاج المواطن العربي، في ظروف الانتفاضات الى احترام عقله، وإلى تجنيبه فضائيات التضليل وقلب الحقائق، وقولبته وفق النظرة الأحادية. أي إما أن تكون مع النظام بشكل مطلق وإما أن تكون مع المعارضة بشكل مطلق دون رؤية أمراضها وأخطائها بل إنجرار بعض فئاتها الى ممارسات وحشية شبيهة بوحشية أجهزة النظام.

إن من أهم ما أحدثته الانتفاضات العربية في هذه المرحلة هو إطلاق أوسع عملية تثقيف فكري وسياسي وثقافي حول مفاهيم الحكم الرشيد، الدولة المدنية، الديمقراطية، التنمية والعدالة. إنها عملية تنشئة واسعة للأجيال الجديدة الصاعدة التي ستمضي بمشروع نهضتها الجديدة.

الوضع السوري

إن الحالة السورية، هي أكثر إيلامًا وأشدها خطرًا على مستقبل المشرق العربي. إن موقع سوريا الجيوستراتيجي حوّلها، وبسبب أخطاء النظام القاتلة، الى ساحة أصبح يتقرر مصيرها بأيد خارجية. نحن أمام نظام عربي حافظ على الحدّ الأدنى من مقومات الموقف الوطني في العقد الأخير في ظل الهجمة الاستعمارية المتجددة على العراق ولبنان، ولكنه أخفق إخفاقًا كارثيًا في فهم اللحظة التاريخية – لحظة الثورات العربية. وكان ولا زال مطلوبًا عربيًا وفلسطينيًا، أن تحافظ سوريا على موقعها بل الى تطوير هذا الموقع نحو المقاومة الفعلية. ومن جهة ثانية نحن أمام شعب أطلق ثورته من مدينة درعا بوحي من ثورات تونس ومصر العظيمتين وتعبيرًا عن مخزون متراكم من عدم الرضى والإحباط. أراد هذا الشعب الإصلاح وامتنع بداية عن رفع شعار إسقاط النظام. كان الموقف الوطني للنظام يتماشى مع الموقف الوطني للشعب السوري. ردّ النظام بالعنف. تدهورت الأمور وبدأ العنف يغذي العنف المضاد واتخذ ويتخذ هذا العنف أشكالاً قلما شهدها التاريخ العربي الحديث. شكل هذا التدهور فرصة ذهبية لأعداء سوريا من امبرياليين ومن سعوديين الذين كانوا ينتظرون الفرصة لإسقاط النظام والثأر منه.

ركبت على الموجة أوساط سورية انتهازية في الخارج ومرتمية في أحضان الغرب الاستعماري. فأساءت للثورة وللشعب السوري أكثر مما أساء النظام له. وللأسف فإن هناك من يصرّ على عدم رؤية الشعب الذي يقدم التضحيات، بل يرى فقط طرفيه؛ النظام، والمعارضة في الخارج والعصابات الجهادية التكفيرية التي استغلت الفرصة ودخلت إما بتنسيق مع قوى خارجية أو بمبادرتها.

إن المشهد السوري تحول إلى أشبه بالتراجيديا، على مستوى المعاناة الإنسانية اليومية وعلى المستوى السياسي الثقافي. أي أن السوريين يذبحون يوميًا بالجملة، ومن ناحية ثانية يجري تحوّل تدريجي ومتسارع في المزاج الثقافي العام؛ من مزاج علماني – مدني وموقف وطني مساند للمقاومة ولمحور المقاومة، وإلى موقف مطبّع مع التوجهات الأمريكية ومفهومها للديمقراطية الذي يجب أن يكون متصالحًا مع إسرائيل. ليس كل الشعب السوري، بل لدى أوساط واسعة منه. وقد يكون المرء مخطئًا في تقدير حجم هذا التغيّر السلبي، لكن مع ذلك فإن هذا يدعو الى القلق الشديد.

ما أودّ قوله أن سوريا أصبحت ولو مؤقتًا خارج معادلة القوّة في معركة المواجهة مع الهيمنة الامبريالية والصهيونية على المنطقة وهذا أيضًا لا يعني أنها نتيجة حتمية. وقد يبقى حزب الله وحده في مواجهة إسرائيل، الذي كان آل سعود بدأوا بمحاصرة نموذجه المقاوم ومنعه من التمدد إلى مناطق عربية أخرى، مثل اندلاع الثورات العربية. لقد جرى التحريض عليه مذهبيًا. وأعتقد أن الحزب مدرك لانحسار شعبيته في العالم العربي، بسبب هذه الحملة السعودية الدنيئة، وبسبب إخفاقه في اعتماد موقف متوازن إزاء الحالة السورية.

لا بديل عن تسوية سياسية

ليس القول بالتسوية السياسية، شرعنة ممارسة النظام وإعفاءه من المسؤولية الرئيسية عما آلت إليه سوريا. ولكن انتصار أي طرف على الآخر قد يكون له نتائج كارثية أشد مما يحدث حاليًا.

لقد ترسخت مقادير كبيرة من الكراهية على المستوى الشعبي، وتغلغلت الطائفية وروح الثأر، ساهم فيها شبيحة النظام وشبيحة المعارضة. وإذا حسمت الأمور بالطريقة العسكرية فإن سوريا ستظل مجروحة ومكسورة لأمد طويل وستكون منقسمة أفقيًا وعاموديًا، على مستوى النخب وعلى مستوى الشارع. وهذا نابع من طبيعة التركيبة الديموغرافية والإثنية والمذهبية للمجتمع السوري.

في هذه الحالة، ستفقد سوريا موقعها الممانع، وسيتعثر لأمد طويل مسار تحولها الى دولة ديمقراطية مدنية. وستطول معاناة شعبنا في البلد العربي.

إن التوصل الى تفاهم بين الطرفين يؤدي الى التغيير الجذري المنشود، هو مطلب وطني وقومي ملحّ، يحفظ نسيج سوريا الاجتماعي ويضع هذا البلد على طريق آمن. هل هذا ممكن، هناك علامات سؤال كبيرة. نصلي لأن يحدث ذلك.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018