ذكريات طازجة: عندما دعاني آصف شوكت../ ميشيل كيلو

ذكريات طازجة: عندما دعاني آصف شوكت../ ميشيل كيلو

"السفير"

أود أن أروي في هذه المقالة قصة وقعت عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد بشهرين اثنين، أي في نهاية شهر آب من عام 2000، تلقي بعض الضوء على خلفيات يجب أن يعرفها الجمهور، وتفسر بعض ما حدث في سوريا، وكيف تنكر النظام لكل ما تعهد به في السر والعلن، ولماذا كانت ثورة الشعب السوري حتمية في ظل ما مارسته القيادة من تضليل وخداع، وكم ضربت هذه القيادة عرض الحائط برغبات شعبها في التغيير والإصلاح.

... وكنت قد كتبت سلسلة مقالات نشرتها جريدة النهار أيام 23 و24 و25 و26 آب من الشهر المذكور، تحت عنوان جامع هو: "سوريا، مشكلات تنتظر حلولا"، شخصت فيها واقع سوريا التي تركها الأسد الأب لابنه، واقترحت حلولا لها، أثارت في حينه ضجة طاولت جميع الأوساط، وقرئت على أوسع نطاق، واعتبرت نوعا من برنامج إصلاح عميق وهيكلي للدولة والمجتمع والسلطة، كما قلت يومها بالحرف الواحد. وقد تحدث آخر عناوين السلسلة عن "حل صيني لأزمة سوفياتية"، وحذر من تحريك الرافعة الاقتصادية للإبقاء على الوضع السياسي القائم، أو لتعزيزه، مثلما هو الحال في الصين. وللعلم، فقد أبلغني زعيم فلسطيني بعد حين أن النظام أرسل خبراء إلى الصين كي يتعلموا كيفية تحريك الاقتصاد من أجل المحافظة على نظام سياسي ينتج الأزمات ويعيش عليها، ومزح معي وهو يسألني: إن كنت قد رأيت المبعوثين قبل أن أرسلهم إلى الصين لطلب العلم!

بعد أيام من نشر المقالات، اتصل بي صديق قديم هو الشاعر والكاتب سهيل ابراهيم، وكان يومها مسؤول مكتب مجلة "الكفاح العربي" في دمشق، التي كنت أكتب مقالة أسبوعية فيها، وقال لي إن اللواء "آصف شوكت" يريد أن يراني. سألته إن كان في الأمر اعتقال ما، فقال: مستحيل، لا أعتقد ذلك. خلال الحديث بيننا، فهمت منه أنه يريد مناقشة الأحوال في البلد معي، لأن المقالات أعجبته، ولأنه يوافق على جزء كبير مما جاء فيها من تشخيص وحلول، ويعتقد أن الرئيس بشار الأسد أعجب بها أيضا، وأنه يشاطرني الرأي في 85% مما جاء فيها.

لم أتحمس للذهاب، ووضعت اشتراطات على اللقاء منها أن نجتمع في مكان عام، وأن يكون هناك شهود على ما سيقال. بعد أيام اتصل بي صديق عزيز وقديم آخر هو المناضل الراحل محمود سلامة، وقال لي إن آصف شوكت يريد أن يراني وأن تكون له معي جلسة حوار ودية ومفتوحة وآمنة، وإنه على استعداد للقائي حيث أريد. عندئذ، قررت الذهاب إليه في مكتبه، وحددنا موعدا في اتصال هاتفي أجراه هو معي.

استقبلني الرجل أمام باب المبنى الذي كان يعمل فيه ويدير منه المخابرات العسكرية المرعبة. ثم جعلني أتقدمه إلى غرفة بسيطة لفت نظري كثرة ما فيها من مجسمات وأعمال فنية تحمل وجه الأسد الأب، إلى جانب صور الرئيس الراحل وهو يحمل طفلا صغيرا بين يديه علمت أنه أحد أطفاله من زوجته ابنة الرئيس السيدة بشرى الأسد. جلست على كرسي وجلس هو على كرسي مقابل، بينما ظل كرسيه وراء مكتبه فارغا.

عندئذ، بدأ الحديث حول البلاد وأوضاعها، التي كانت صحافة السلطة تشن هجوما لاذعا عليها وتنتقدها وتشهّر بمسببيها من فاسدين وحزبيين كذبة وانتهازيين، بل إن جريدة الثورة نشرت يومذاك على صدر صفحتها الأولى، خلال أسبوع، صوراً بالطول الكامل لبشار الأسد وتحتها صرخة استغاثة من كلمة واحدة هي "وابشاراه".

قال اللواء شوكت في بداية الحديث: إن الرئيس قرأ المقالات وأعجب بها كثيرا، لكنه لا يقرني على ما قلته حول دوام 185 مهندسا في غرفة واحدة ضمن وزارة المواصلات، لأنه من غير المعقول أن يجلس كل هؤلاء في غرفة واحدة، فقلت له: إنني ذكرت الرقم لأقول إن تسعة وتسعين بالمئة من موظفي الدولة لا يعملون، لأنه لا عمل لهم ولا مكان لديهم يجلسون فيه، وإن حال الدولة والموظفين صار عبثياً، ولم أذكره كي أحشر قرابة مئتي شخص في غرفة صغيرة أعرف أنها لا تتسع لهم. انتقل الرجل عندئذ إلى الهجوم وقال: أنتم في المعارضة أخطأتم لأنكم لم تفهموا ما أراده الرئيس حافظ الأسد، الذي كان مع الضعيف ضد القوي، والفقير ضد الغني. سألته وأنا أبتسم: هل تعتبرون أنفسكم ضعافا وفقراء؟. أنتم لم تتركوا قوة أو ثروة لأحد، فهل كان الرئيس ضدكم أيضا؟. ابتسم ورد بثقة: هناك فاسدون ومنحطون سياسيا وأخلاقيا أفادوا من الفوضى الحزبية وانشغال القيادة بالمؤامرات الخارجية، لذلك يريد الرئيس بشار إصلاح أحوال البلاد والعباد، ليصير النظام مع الفقير لا الغني، والضعيف لا القوي.

وصلنا إلى الإصلاح المنشود، فقلت: هناك نمطان من الإصلاح: واحد تقني يطاول سطح المشكلات ولا ينفذ إلى أعماقها، وآخر هيكلي يقوم على إعادة نظر جذرية في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية القائمة، فأي إصلاح تريدون؟ سأل: كيف نقوم بإصلاح وأنتم تطالبون بإسقاط النظام؟. قلت: إن قمتم بإصلاح فلن تكون هناك ضرورة لإسقاط النظام وسيسحب هذا الشعار من التداول، وأضفت: هل تريد أن نتفق على موعد غير بعيد نبدأ فيه كلا الأمرين معا وبالتلازم: أنتم من جانبكم تشرعون بالإصلاح، ونحن من جانبنا نقلع عن الدعوة إلى إسقاط النظام. ما الذي يمنع، إن كنتم تريدون إصلاحا تقبله المعارضة، أن نجلس إلى طاولة واحدة لنشخص سوية مشكلات البلاد، ونقرر سبل معالجتها باعتبارنا طرفين وطنيين يتعاونان في إطار تسوية تاريخية تقوم على اعترافكم بشرعيتنا كمعارضة واعترافنا بشرعيتكم كنظام، عندئذ سنكون نحن وأنتم وطنيين يتصدون لمشكلات بلادهم الكثيرة والخطيرة، ولن نبقى معارضة وموالاة. وحين يمر وقت كاف على تعاوننا، ونكون قد حللنا بعض المشكلات، وخاصة منها مشكلات الشباب وخاصة منها بطالة الأجيال الجديدة وافتقارها إلى أي دور عام، نتحدث عن مسألة السلطة، التي نوافق على بقائها في أيديكم طيلة فترة تعاوننا على الإصلاح. قال: هذا والله عظيم، ثم نهض إلى هاتف خاطب من خلاله الرئيس بشار الأسد، وأخبره بما تحدثنا به، وعندما أعاد السماعة إلى موضعها، كنت قد سمعت أنا أيضا ما قاله الصوت على جانب الخط الآخر: أمهلونا عاما واحدا فقط، وسترون كم سيكون الإصلاح حقيقيا وجديا وشاملا. قلت له: كي نشجعكم على الشروع في الإصلاح، لن نحتاج إلى عام كامل كي نقلع عن المطالبة بإسقاط النظام، لكننا لن نتوقف إطلاقا وتحت أي ظرف عن المطالبة بالديموقراطية والحرية والعدالة والمساواة وحكم القانون.

طلب لنا كأسا من الشاي، ثم عاد إلى كرسيه وراء مكتبه. فجأة مال على إحدى صور حافظ الأسد وقال وكأنه يناجيه: كم سنفتقد مستقبلا القائد الخالد. تلك كانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا المصطلح، والمرة الأولى التي أسمع فيها مسؤولا كبيرا يتحسر على زعيم غائب، بينما المألوف أن يقتصر الحديث على القائد الحاضر ومآثره وذكائه وفرادته بين خلق الله. عندما أخبرت رياض الترك بما جرى قال: سننتظر سنة ونصف، وفهم مثلي أن آصف شوكت كان ينتقد مؤهلات بشار الأسد ويتخوف منه.

خرجت من اللقاء، ونصحت أصدقائي بالصبر على الرئيس وبتشجيعه، كي لا يتكرر ما سبق أن حدث عام 1979، عندما أصدر النظام خطة إصلاحية من ثلاثة وثلاثين بندا لعبنا يومها دورا كبيرا في إحباطها. كنت أعتقد أننا يجب أن نعطي العهد الجديد فرصة، وأن نسهم في تسهيل أمور الإصلاح عليه، لأن إصلاح النظم الشمولية كان المرحلة الاولى في انهيارها، لذلك كتبت بعد اللقاء بقليل مقالة نشرتها "السفير" جعلت عنوانها "مراحل تفكك النظام الشمولي"، قلت فيها إن هذه تنهار عبر مراحل ثلاث، أولاها استعارة أشكال تنظيم وطرق عمل ومؤسسات من النظم غير الشمولية تحل بمعونتها المشكلات التي أنتجتها أيديولوجيا الشمولية المغلقة بتصورها الذي يترتب عليه واقع محدد، مغلق وركودي، بينما تكون المرحلة الثانية التخلي عن الايديولوجيا كمرجعية واحدية ومعصومة، والثالثة التخلي عن النظام والأيديولوجيا في آن معا، فلا بأس علينا إن نحن شجعنا كثيرا إصلاحا يمكن أن يكون أول خطوة على طريق انهيار نظامنا الشمولي، الذي كنا مؤمنين بأنه يجد نفسه في مأزق لا مخرج منه بالوسائل التي يعتمدها لمعالجته.

لم يحدث أي إصلاح بعد مضي السنة الموعودة، بينما كانت المعارضة قد انتقلت تماما من برنامج إسقاط النظام إلى برنامج يقوم على إعطاء الأولوية لحل مشكلات البلاد، طرفه الآخر النظام القائم، الذي كنا قد بدأنا نضغط عليه وننتقد سياساته التمييزية وفساده والعديد من رموزه، التي كان آصف شوكت قد وعد بالتخلص منها بمساعدة من المعارضة، مع الوعد بأن يكون الإصلاح مشروعا وطنيا وليس تدبيرا سلطويا أو حزبيا، وبأن ينظر بصدق إلى عمق الأزمة وشمولها وما بلغته أوضاع البلاد بسببها.

بعد شهرين من وعد الأسد الشاب بتنفيذ إصلاح يتم في إطار برنامج وطني عام، يبدأ بطي صفحة الاستئثار البعثي بالبلاد والعباد، ويفتح صفحة جديدة تتسع لقوى المعارضة السياسية، التي لم تكن تتطلع إلى المشاركة في السلطة أو دخول "الجبهة الوطنية التقدمية"، بل أرادت دورا قانونيا وحرا في الحياة السياسية، حياة المجتمع الذي كان حراك "لجان إحياء المجتمع المدني" يريد إحياء دوره وحضوره في الشأن العام على أسس جديدة، غير ضيقة أو تقليدية، قال الرئيس الإصلاحي خلال مناورة أجرتها القوات المسلحة أثناء كلمة ألقاها في ختامها: "هؤلاء - يعني نحن - أقزام وسنسحقهم". بعد حين تم إغلاق المنتديات واعتقال نشطاء بارزين فيها وإصدار أحكام ضدهم تراوحت بين خمسة وعشرة أعوام، باستثناء الحكم الذي صدر ضد رياض الترك وبلغ عاما ونصف العام.

تلك كانت علامة على الاتجاه الذي قرر الأسد أخذ نظامه إليه، بعد فرصة حقيقية كان من شأنها أخذه بعيدا عنه، لأنه الاتجاه الذي أنتج أزمات متعاقبة يئس الأسد الأب نفسه من السيطرة عليها. هكذا، فوّت الإصلاحي المزعوم على سوريا فرصة تاريخية متاحة ومؤكدة، ودفع الأمور نحو احتدام متفاقم اجتماعيا وسياسيا، تفجر هنا وهناك بعد إقرار نهج "اقتصاد السوق الاجتماعي"، الذي دمر قاعدة نظامه الريفية، التي ظلت حامله السياسي طيلة قرابة أربعين عاما، وعندما أدار ظهره للعرب وتحالف مع إيران، وحمّل سوريا عبء الوقوف معها ضد معظم دول العالم على وجه التقريب، ووضع على كاهلها وزر مشكلاتها الكثيرة التي لا تخص السوريين أو تخدم مصالحهم، ما جعل من التزامه بالوقوف إلى جانبها من جهة، ومن وقوفه ضد القطاعات الشعبية الواسعة من شعبه ومع لصوص وفاسدين ومهربين وتجار مخدرات وباعة آثار... من جهة أخرى، إهانة للشعب وسببا في انقطاع شعرة معاوية مع قطاعات واسعة منه في الريف والمدينة، وفي استعادة وتوسيع النهج الأمني المتشدد، ودخول سوريا في أجواء فرز وضعت غالبية شعبها في جانب وأقلية مالكة وحاكمة متناقصة الأعداد متعاظمة الثروات والبطر في جانب آخر.

عندئذ، بدا لكل ذي عينين أن الوضع صار متفجرا، وحدثت بالفعل انفجارت غضب تراكمت في أماكن كثيرة خلال وقت واحد، أكدت لمن يريد أن يفهم وجود دلالات على أن المجتمع لن يسكت على ما لحق به من ضيم. وحين جلس الناس أمام التلفاز طيلة شهرين تقريبا وشاهدوا بأم أعينهم كيف قهر التونسيون والمصريون العزل نظامهم الأمني، وما هو مختزن من طاقات وقدرات في نفوس المظلومين، نزلوا إلى الشارع مطالبين بحقوق كان يفترض أن يحققها الإصلاح لهم، لولا استهتار وسوء تقدير ورعونة من وعدهم قبل توليه السلطة بالنزاهة ومكافحة الفساد، وغرق بعد توليها في الفساد والأوساط الفاسدة، وانحط بالسياسة، التي كان والده يتقن فنونها، إلى مجرد ممارسة للعنف، رغم أنها لا تعني شيئا غير إخراجه من المجال العام، من علاقة السلطة بالمجتمع، وإحلال القانون وحكمه مكانه.

واليوم، وقد أدى رفض الإصلاح للمرة الثانية بعد انفجار المجتمع، بذريعة أن التنازل أمام الشعب علامة ضعف لا يجوز إظهارها من خلال قبول مطالبه، وانحدر القتل والدمار المنظم من فوق ليغطي كل مكان في بلادنا، ولم تبق جماعة أو فرد خارج متناولهما، تمس الحاجة إلى تذكر اتفاق كان يمكن أن ينقذنا من المصير الأسود الذي نعيشه، كان من السهل تطبيقه وبلوغ شاطئ الآمان، تدريجيا وبصورة مدروسة وتوافقية، لو لم يتوهم بشار الأسد أن بوسعه الضحك على شعبه وقيادته كما يقاد العبيد، ولو أدرك أن الدنيا تغيرت خلال سنوات البعث الأربعين، وأن من الحكمة التفاعل بإيجابية معها بدل الركون إلى حماقة مواجهتها بالعنف والاستهتار.

والآن، وقد وصلنا إلى هنا، حيث تطرح القيادة معادلة: "الأسد أو نحرق البلد، والأسد أو لا أحد". هل يجوز أن يستمر اهل السلطة في إغماض أعينهم عن الواقع المخيف الذي بلغناه بسبب سياسات رجل أثبت أنه لم يتعلم السياسة؟. وهل يجوز أن يكون مصيرهم معرضا لأعظم المخاطر بسبب خياراته، وأن يتولوا الدفاع عن أخطائه، التي نشرت الخراب في كل مكان، وقضت على فرص استمرار النظام الحالي كنظام يتمتع بأي قدر من الشرعية والوطنية؟. هل يجوز أن لا يتوقف هؤلاء أمام ضمائرهم ويراجعوا أنفسهم ويستخلصوا النتائج مما يجري، مع أن لهم مكانهم المضمون في دولة الحرية ومجتمعها، ولن يكونوا ضيوفا أو طارئين في وطنهم، وإنما سيشاركون في إعادة تأسسيه، فلا مفر من أن يتحملوا قسطهم من المسؤولية عن سلامته وبقائه دولة موحدة ينعم مواطنوها جميعهم بالأمن والحرية والعدالة والاحترام؟

بقدر ما يبتعد أهل النظام عن الأسد، ويسهموا في وقف نهجه والتصالح مع ضحاياه، بقدر ما ستخرج بلادنا بسرعة وثقة من الموت الذي دفعها إليه، وتكون مؤهلة لتضميد جراحها ورأب الصدوع التي أحدثها العنف فيها، والذهاب من هنا إلى بديل يرضي الجميع لأنه للجميع. إن مصير سوريا يتوقف على خيارات أبنائها، الذين وضعوا دوما الولاء لها فوق الولاء لأي شخص أو مصلحة!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018