اختراع "اللاجئين اليهود"../ د. فايز رشيد

اختراع "اللاجئين اليهود"../ د. فايز رشيد

على شاكلة اختراع "الشعب اليهودي" وفقاً للكاتب اليهودي شلومو ساند في مؤلفه الذي يحمل ذات الاسم، ووفقاً للمفاهيم الخداعية الزائفة "شعب الله المختار" و"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و"الحق التاريخي لليهود في أرض فلسطين" واختراع "أرض إسرائيل"، والتي وصفها المفكر الفرنسي روجيه غارودي بــ"الأساطير المضللة للسياسات الإسرائيلية" ووفقاً لاختراع "صناعة الهولوكوست" للكاتب اليهودي نورمان فلنكشتاين، طلعت علينا إسرائيل والحركة الصهيونية بمصطلح جديد هو: "اللاجئون اليهود"، فقد عقد مؤتمر في القدس المحتلة (2-3 سبتمبر الحالي) نظمته وزارة الخارجية الإسرائيلية والمؤتمر اليهودي العالمي بدعم من الحكومة الإسرائيلية الحالية بزعامة نتنياهو، بهدف اختلاق قضية ما يسمى بــ"اللاجئين اليهود من الدول العربية" لتكون هذه القضية موازية لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وحقهم المشروع في العودة إلى مدنهم وقراهم.

المؤتمر المذكور عقد تحت شعار "العدالة للاجئين اليهود من الدول العربية". معروف أن هذه القضية تتفاعل في الأوساط الإسرائيلية منذ سنوات عديدة إلا أن حكومة نتنياهو في منتصف عام 2009 بدأت في طرحها رسمياً. لقد أورد نتنياهو هذه القضية وركزّ عليها في كتابه "مكان تحت الشمس" لذا فإن طرح هذه القضية من قبل حكومته الحالية لم يكن مفاجئا. بعد المؤتمر تبنى مجلس الأمن القومي التابع للحكومة الحالية: وضع وثيقة سياسية جديدة حول هذا الأمر. توصي الحكومة القائمة والحكومات القادمة بطرح قضية "اللاجئين اليهود" على المستويين الداخلي والخارجي، داخلياً بإثارة هذه القضية بشكل دائم، وقد تم إعطاء الأوامر للسفارات الإسرائيلية في الخارج لطرحها في البلدان التي تتواجد فيها هذه السفارات. خارجياً، بعهد أسبوعين من الآن ستعقد الجهتان اللتان نظمتا المؤتمر ندوة أخرى عالمية في نيوريوك على هامش أعمال الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف لفت نظر الرأي العام العالمي لهذه القضية.

الوثيقة الرسمية الإسرائيلية تعتبر أن اليهود في البلدان العربية هجرّوا قسراً من بلدانهم، ولم يسمح لهم يأخذ ممتلكاتهم أو بيعها، وتقدّر عددهم بـ856 ألفاً منهم 600 ألف هاجروا إلى فلسطين، والباقون انتشروا في أمريكا وكنذا وأوروبا. من وجهة نظر مجلس الأمن القومي الإسرائيلي: فإن اللاجئين اليهود امتلكوا آنذاك 700 مليون دولار تقدّر حالياً بــ6 مليارات دولار. المجلس يعتبر أن عدد اللاجئين الفلسطينيين هو 600-700 ألف،أملاكهم قدرت آنذاك بــ450 مليون دولار، أي ما يوازي الآن 4 مليار دولار. لذلك فإن التعويض على الطرفين، يجب أن يتم وفقاً لنسبة 3:2 لصالح اليهود من قبل صندوق دولي للتعويض يجري إنشاؤه. كل ذلك على قاعدة رفض إسرائيل المطلق لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم. أيضاً على قاعدة قانون يتوجب أن تتبناه الأمم المتحدة، بعد أن سنّه الكونجرس الأمريكي ويطلب من الأونروا تقديم تقرير سنوي عن الأحياء من اللاجئين الفلسطينيين من الذين هاجروا طوعاً من فلسطين في عام 1948(فالوثيقة لا تعترف مطلقاً بأنه جرى تهجير قسري لهم)، دون الأبناء والأحفاد لأولئك، فهؤلاء من وجهة نظر إسرائيل والكونجرس لا تنطبق عليهم شروط اللاجئين. الكونجرس ربط تقديم المساعدة الأمريكية للأونروا بإعداد التقرير!

تصوروا الخطة الهادفة إلى تبديد حقوق اللاجئين الفلسطينيين الذين هجرّتهم إسرائيل قسراً وبعد مذابح عديدة،ارتكبتها بحقهم، من مدنهم وقراهم في فلسطين، ولم تعترف بقرار الأمم المتحدة الذي أتاح لهم حق العودة، والذي ربط الاعتراف الدولي بإسرائيل في الأمم المتحدة بقبولها للقرار. الخطة الإسرائيلية تهدف إلى إثارة قضية ما يسمى بـــ"اللاجئين اليهود" دولياً، وبمساعادة الولايات المتحدة والدول الحليفة لها، قادرة على إثارتها دولياً وتبنيها في الأمم المتحدة، مع العلم أن الموساد الإسرائيلي قام بتفجيرات في الكنس والأحياء اليهودية في المدن العربية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، من أجل حث اليهود على الهجرة إلى إسرائيل. كذلك عقدت إسرائيل اتفاقيات سرية مع بعض النظم العربية آنذاك مثلاً: نوري السعيد في العراق، ومؤخرا النميري في السودان (قبل بضع سنوات) للعمل على تهجير اليهود الفالاشا إلى إسرائيل. كمثل على التفجيرات نورد: (حادث تفجير الكنيس مسعودة في العراق عام 1950، التفجيرات في مصر). هذا ما لا  نقوله نحن فقط، بل مصادر وكتابات إسرائيلية منها اسرائيل شاحاك. لجنة يهود العراق في إسرائيل رفضت الربط الإسرائيلي بين قضية اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم، وأصدرت بياناً ( شكرت ) فيه إسرائيل على اعترافها بهم كلاجئين بعد 60 عاماً –أي في هذه المرحلة-شريطة أن يتم الاعتراف بالاشكنار أيضاً كلاجئين "لكي لا ترسل إسرائيل لهم وحدهم فِرًقْ عوز المختصة بمطادرة اللاجئين". إنها مسرحية إسرائيلية في غاية الهزلية، لكنها ربما بعد سنوات عديدة تنقلب إلى قضية يتبناها المجتمع الدولي!.

وثيقة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تزعم أيضاً: أن قرار التقسيم الصادر في عام 1947 طلب إحصاء أعداد اللاجئين. إسرائيل فقط (تصوروا!) انتهت من هذا الإحصاء عملياً في عام 1968. بالطبع لم تكن قضية "اللاجئين اليهود" مطروحة لا في الأمم المتحدة ولا في إسرائيل في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات ولا الستينيات. باختصار جرت صياغة مفهوم "اللاجئين اليهود" اولاً وابتدأت الحركة الصهيونية وإسرائيل واللوبي الصهيوني في أمريكا والمؤتمر اليهودي العالمي في التفكير بطريقة يتم التخلص فيها من قضية اللاجئين الفلسطينيين، وحقهم في العودة المثبت في قرار الأمم المتحدة رقم 181 الذي نص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى مدنهم وقراهم وديارهم. لم يذكر القرار قضية ما يسمى بــ"اللاجئين اليهود" لا من قريب أو من بعيد، لأن هذه القضية ليست موجودة في الأساس. بعد التفكير تمخضت عقول تلك الأطراف عن ولادة قضية "اللاجئين اليهود".

الوثيقة الإسرائيلية تقترح أيضاً: أن تقوم إسرائيل بإلقاء المسؤولية في قضية "اللجوء المزودج" على الجامعة العربية والدول العربية أيضاً، فهذه مسؤولة مباشرة عن اللجوء اليهودي. زعماؤها شجعوا ولم يمنعوا العنف ضد اليهود ودفعوا نحو طردهم وهم لم يسمحوا لليهود بالخروج مع أملاكهم، وأجبروهم على الهجرة بدون حمل شيء،"وهكذا تسببت الدول العربية بخراب جاليات عريقة تعود إلى 2500 سنة". بالطبع إسرائيل اعتمدت على تزوير كل الحقائق التي تدّعيها، تختلق حقائق جديدة وتزورها بطريقة شايلويكية ابتزازية.

نتمنى لو أن الدول العربية تقطع الطريق على إسرائيل، وتصدر قراراً بعودة اليهود الذين كانوا فيها، إليها، شريطة تخليهم عن جنسياتهم الإسرائيلية. في نفس الوقت تطالب المجتمع الدولي وإسرائيل بتطبيق ذات القرار بالنسبة لعودة اللاجئين الفلسطينيين. إسرائيل تخترع هذه القضية أيضاً في ذات الوقت الذي سيثار فيه موضوع: قبول فلسطين في الأمم المتحدة كدولة غير عضو (مراقبة) وبذلك ستقوم بالتشويش المقصود على هذه القضية. نتمنى على الجامعة العربية والمنظمات الحقوقية والقانونية العربية، وكل من هو معني فلسطينياً وعربياً وإنسانياً ودولياً: بإثارة زيف شعار "اللاجئين اليهود"، وبذل الجهود لتوضيح استحالة الربط بين قضية موجودة فعلياً وإنسانياً وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين العادلة والمعترف بها من الأمم المتحدة، وبين قضية مختلقة جملة وتفصيلاً وهي قضية "اللاجئين اليهود" المزعوماً، من خلال النشاطات السياسية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018