قراءة صهيونية مغلوطة للثورات العربية/ مخلص برغال

قراءة صهيونية مغلوطة للثورات العربية/ مخلص برغال

عــ48ـرب

ملاحظات على ورقة سياسية قدمهّا بروفسور افرايم عنبار لمركز "بيغن السادات" تحت عنوان: "التقلبات في العالم العربيّ والأمن القومي لإسرائيل"

 

عند دراسة وتقييم مقالة سياسية لا بد من معرفة والأخذ بعين الاعتبار هوية الكاتب السياسية والجهة التي يمثلها، ونحن في هذه الحالة أمام مقالة لبروفسور يوصف بأنه "صهيوني يميني متشدد"، غير أننا لا نرى فارقًا جوهريًا بين صهيوني وآخر، وهو مدير مركز الأبحاث "بيغن السادات" الصهيونيّ الذي صرح مؤخرًا في مداخلة له على هامش احتفال لمنظمة "صهيانة أمريكا" في نيويورك، بأن الجامعة الصهيونية الوحيدة الموجودة في دولة الاحتلال "إسرائيل" هي جامعة بار إيلان الذي يعمل هو بها،  الأمر الذي يدلل على مدى تشدده بالفكر الصهوينيّ العنصريّ لدرجة اعتباره أن باقي الجامعات في دولة الاحتلال هي غير صهيونية.

وقد اختار الكاتب عنوانًا للمقالة يدلل على انحيازه السلبي ضد الثورات العربية، مستكثرًا تسميتها بالثورات العربية، حيث لقبها بـ "التقلبات" رغم أنها تحتوي في مضامينها وتعبيراتها، وفقًا لجميع المعايير لمقوّمات الثورات، أكثر بكثير من الثورة الفرنسية التاريخية المشهورة.

رغم ذلك، لم يكن لدى الكاتب عنبار مناص من ذكر بعض الحقائق والاعتراف بها. ولكنه قلل، بل واستهتر، بإمكانات الشعوب العربية بالنهوض بنفسها وبواقعها وإعادة ترتيب بنائها الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي، بما يعود عليها بالخير والتقدم نحو الرقي في جميع مجالات الحياة، بعد أن أصبحت أمامها الفرصة متاحة لتفجير طاقاتها الكامنة والهائلة في خدمة مشروعها التحرريّ والنهضويّ.

ويبدأ الكاتب عنبار ورقته السياسية بالاعتراف بأن المتضرر الأكبر من هذه الثورات وما تجلبه من حالة جديدة، في المنطقة هو دولة الاحتلال "إسرائيل" وحليفتها الأكبر "الولايات المتحدة الأمريكية"، ويقر ضمنًا أن الأنظمة العربية البائدة هي وكيلة وعميلة لأمريكيا وإسرائيل ولتسيير سياستهم وحماية مصالحهم في المنطقة، ولكنه يعتبر أن هذه الدول قد أصبحت الآن وبعد الثورات العربية ضعيفة وهشة، مما يوضح أن الكاتب ينظر فقط تحت أقدامه ولا يرى الأمور في بعدها المتوسط والبعيد، فالضعف، بل والزوال، هو للأنظمة العربية المستنفعة على حساب شعوبها. أما حقيقة تقييم وضع هذه الدول فهي بأن جماهيرها أزالت بثوراتها أهم عائق أمام نهوضها وتطورها وصعودها نحو الأرقى والأفضل في كافة المجالات، عائق الأنظمة العميلة وعامل الخوف منها.

عنبار، يدعي فيما يدعي أيضًا وبنظرة استعلائية، أن مجتمعاتنا العربية وقواها السياسية تفتقر إلى ثقافة الديمقراطية والالتزام بها. الأمر الذي  يجعل احتمال قدرة هذه الدول على التحوّل إلى دول ديمقراطية غير واقعي! متجاهلًا وجود حراك سياسي اجتماعي ذي طابع تعدديّ تصاعدي في تونس، مصر، واليمن، على سبيل المثال، هذا من جهة. وأنه من الخطأ تقييم الأوضاع القائمة في الدول العربية وفق معايير الديمقراطية الغربية، متناسيًا أن الغرب "بدمقراطياته" المزيفة هو المسؤول الأكبر عن أعظم الحروب والدمار وعدد الضحايا في تاريخ البشرية وأنه ليس تماما النموذج الأنسب بالضرورة لشعوبنا ومجتمعاتنا وثقافتها، هذا من جهة أخرى. وأن الأصح هو أن نقيّم نموذجنا الخاص الأنسب لاحتياجاتنا مع التأكيد على جوهر القيم والمبادئ الديمقراطية.

بالإضافة إلى ذلك، يقر الكاتب عنبار بأن القوى السياسية الإسلامية هي الأكثر تنظيمًا، ولهذا كانت الأكثر جاهزية لاستلام سدة الحكم في هذه الدول، ولكنه يدعي أن حركة الإخوان المسلمين ليس لديها أي التزام تجاه الديمقراطية، وهو كذلك يتجاهل حقيقة أن الإسلام فيه الكثير من القيّم الديمقراطية وقابل للاتساع للاحتياجات الديمقراطية للمجتمعات المعاصرة وكذلك الحركات السياسية الإسلامية وفي مقدمتهم حركة الأخوان المسلمين، كما ولدى هذه القوى الفهم الصحيح لتركيبة الاجتماعية السياسية التعددية التي تحتوى على قوى أخرى لا يمكن تجاهلها.

وإن كان غير مفاجئ، يعترف الكاتب بأن موازين القوى في المنطقة قد اختلت ضد إسرائيل وأمريكا، وأن القوى الجماهيرية العربية هي قوى صاعدة ومعادية للغرب وسياسته، وهو يعبر بذلك عن حالة الإسلافوبيا المتغلغلة في نفوس أنظمة الغرب وجزء من نخبها، ولا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن حتى من يُعتبر في طرحه الفكري متزمتا ومتشددا ويُحمّل مسؤولية إدارة دولة ينحى نحو التخفيف من حدة تطرفه، فـ "بيغين" رئيس وزراء دولة الاحتلال السابق كان قد عبّر عن ذلك بقوله عن نفسه "ما نراه من هنا، لا نراه من هناك" (يقصد، ما يراه من موقع الحكومة لم يكن يراه من موقع المعارضة).

من خلال ورقته السياسية، يتطرق بروفسور عنبار إلى ايران وتركيا كدول مهمة في المنطقة، تتصاعد بقوتها وهي معادية "لإسرائيل" وتساهم في اختلال الموازين ضدها، كما يدعي أن دولة كمصر ستبقى محتاجة إلى الدعم الأمريكي، وعليه فسيمر وقت قصير إلى أن تستعيد أمريكا  مكانتها الآخذة بالتراجع في المنطقة. برأيي هذا ادعاء خاطئ وهو لا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن أمريكا لم تكن بحقيقة الأمر تقوم بدعم مصر أو أي دولة عربية تقدم لها بعض الفتات سنويًا. بل كانت ولا زالت تسعى إلى توريط هذه الدول الديون والتبعية، وكانت ولا زالت تنهب ثوراتها وتعمل على إبقائها في أسفل سلم التطور حتى تحافظ على ابقاء سوق عربي استهلاكي هائل يتمثل بـ 350 مليون عربي ينعشون الاقتصاد الأمريكي سواءً بالسلع المدنية أو العسكرية وأن تغيير في سياسة مصر الاقتصادية وإعادة ترتيب أولوياتها تضمن لها الازدهار الاقتصادي والثقافي ورفع مستوى ادائها ومكانتها السياسية في العالم.

يبدي الكاتب موقفه النقديّ من سياسة أمريكا في المنطقة حيث تعيد تراجعها إلى العوامل التالية:

• ردود فعل مترددة اتجاه الثورات العربية.  • تعاون خياني مع حلفائها كحسني مبارك وعدم الوقوف إلى جانبهم.  • إجراء حوار مع الإخوان المسلمين.  • الانسحاب من أفغانستان والعراق، متناسيًا أن هذه الخطوات في السياسة الأمريكية جاءت اضطراريًا بعد ثمانية اعوام عجاف تورطت فيها أمريكا بالمنطقة وتدهورت اقتصاديا وأن تخبطها الحالي هو نتيجة لذلك.

"دولة إسرائيل في أزمة، وفي حالة تدهور كبير لقوة ردعها المـتأثر أيضًا من  قوة ردع أمريكا في المنطقة، سواءً نتيجة لحراك الثورات العربية أو بسبب تصاعد قوة كل من تركيا وإيران"، هذا لسان حال الكاتب. مضيفًا إقراره بأن المخابرات الإسرائيلية بكافة أذرعها فشلت فشلا ذريعا في كشف وتوقع التطورات الهائلة التي حصلت مؤخرًا في المنطقة العربية.

من جهة أخرى، هو يراهن على بعض التحالفات في المنطقة مع دولة الاحتلال مثل السعودية والأكراد والسنة العراقيين ضد ايران، رغم أنه يقر بأن دولة الاحتلال لم يكن عندها يومًا مشروعًا للاندماج مع دول المنطقة، وبهذا تعبير آخر عن الاستعلائية ويتضمن أيضًا تناقضات غير مفسرة.

أما العزاء الوحيد لدولة الاحتلال من هذه الحالة الثورية في عالمنا العربي هو أن ما يحدث يعزز مكانتها لدى الغرب كحليفة وحيدة حقيقة ومضمونة لهم ولحماية مصالحهم الاستعمارية. ويشير الكاتب إلى أن الخطر الذي يداهم استمرارية وجود كيان الاحتلال هو بأن يفرض عليها على أثر التغيير الذي يحدث بالمنطقة – حروب غير تقليدية كحروب الاستنزاف؛ وحرب العصابات أو المجموعات الصغيرة كثيرة العدد لاستنزافها وإضعافها وشل تفوقها العسكريّ الكلاسيكيّ من طائرات ودبابات وغواصات وغيرها.

الكاتب عنبار، لا يرى أي خطر قريب من طرف الفلسطينيين، معتبرًا أن الفلسطينيين هم سلطة أوسلو، متجاهلًا حقيقة أن شعبنا الفلسطيني فيه طاقات هائلة، وقد أثبت أكثر من مرة في تاريخه المعاصر قدرته على المواجهة؛ وتقديمه الكثير من التضحيات؛ وامتلاكه للنفس الطويل.

يختتم الكاتب مقالته بتحديده نقاط ما هو المطلوب إسرائيليًا لمواجهة هذا الواقع الجديد والمتصاعد، بداية يؤكد رؤيته العنصرية الاستعلائية من خلال وضعه معايير صهيونية خاصة للديمقراطية، حيث يعتبر أن الاعتراف بدولة إسرائيل هو الشرط الذي إذا غاب عن أي دولة فهي لا يمكن أن تكون ديمقراطية، ومن جهة أخرى يعتبر أن المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع محصن وقوي وقادر على تحمل الصعاب الأمر الذي يتنافى مع الحقائق التي أثبتتها التجارب. ويلجأ الكاتب للهروب إلى الأمام في طرحه لما هو مطلوب إسرائيليًا، فيطالب برفع الميزانية العسكرية سواءً في عدد الوحدات في الجيش أو بتمويل مشاريع تطوير ونشر بطاريات صواريخ رادعة وصواريخ مضادة للصواريخ ويطالب بتأمين حدود آمنة تتمثل في السيطرة على أوسع مساحة من الأرض وبإقامة تحالفات مع السعودية والأكراد وسنة العراق ضد إيران. ولا يقدم حلًا واضحًا للخطر القادم من إيران النووية، فيطرح احتمالات تتمثل بخيارين، إما اللجوء إلى أساليب التخريب في الأراضي الإيرانية لإفشال المشروع النوويّ، أو اللجوء إلى حرب، ولكنه يقولها بخجل.

*الكاتب من مدينة اللد، أسير محرّر قضى في سجون الاحتلال 28 عاما، وتلقى تعليمه الجامعي في السجون وحصل شهادة الماجستير في العلوم السياسية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018