المفارقة ومدى استبطانها / حسن عبد الحليم

المفارقة ومدى استبطانها / حسن عبد الحليم

عــ48ـرب

ثمّة مفارقة مركّبة بين كوننا حركة وطنية فلسطينية أصيلة، وبين وجودنا في الكنيست الإسرائيلي، وهي نابعة بالأساس من المفارقة الكبرى التي انتجتها نكبة فلسطين وإسقاطاتها وإقامة كيان سياسي في فلسطين بعد اقتلاع وتهجير أهله. وهذه المفارقة هي محصلة التناقضات التي تشدنا في الاتجاهات المتضاربة وتفرض علينا السير على حبل رفيع يمثل توازنا بين المُراد والمتاح في حدّه الأقصى.

إن سلوك وممارسة كل سياسي يعتبران انعكاسا مباشرا لمدى استبطانه لتلك المفارقة أي بمدى شعوره بشدة المفارقة، وهذا مرتبط بالأساس بالمكانة التي تحتلها نكبة فلسطين في وجدانه. وفي هذا السياق  أستذكر مقالة لكاتب إسرائيلي، كتبها قبل سنوات يقارن فيها بين سلوك د. عزمي بشارة في الكنيست، وبين نائب عربي آخر. ويقول الكاتب أنه راقب عزمي بشارة خلال تواجده في الكنيست مرارا، وسجّل انطباعات أهمها أن بشارة بدا له غيرمنسجم مع الجو العام إلى درجة  الشعور بالاغتراب، ولاحظ  الكاتب أن بشارة كان يقضي أوقاته في الكنيست على مضض وتظهر عليه علامات الضجر وعدم الارتياح.

وأشار إلى أن بشارة لم تربطه أية علاقات مع النواب اليهود خارج إطار العمل، وأنه حالما ينهي عمله يسارع إلى مغادرة المبنى دون تلكؤ ودون أن ينظر خلفه.  وفي المقابل يلاحظ الكاتب أن النائب الآخر منسجم تماما مع الأجواء العامة للكنيست، ويمضي وقتا طويلا في مقصف الكنيست، ولديه علاقات صداقة مع الكثيرين بمن فيهم نوّاب اليمين، يتبادل معهم الأحاديث والطرائف، ويوحي سلوكه بأنه متصالح مع المكان ويشعر بالراحة فيه. ويخلص الكاتب إلى أنه بالرغم من أن الإثنين يبدوان لليهودي العادي شبيهان، إلا أن مسافة شاسعة لا يمكن إدراكها تفصل بينهما.

هذه المسافة التي تحدّث عنها  الكاتب أعلاه هي تعبير عن الفرق في استبطان المفارقة، وهي في الوقت ذاته المسافة غير المدركة لدى دعاة مقاطعة التصويت.  فدعاة المقاطعة لا يرون تلك المسافة التي خلص إليها الكاتب، ولا يفرقون بين من يمنح شرعية للكيان السياسي العنصري، ومن يعمل على نزع الشرعية عنه ويعمل على فضحه ويحاربه بأدواته، بين من يطرح قضايا الناس حقا ويتعامل مع قضايانا على مستوى وطني، وبين من يرتضي بدور الوسيط للمؤسسة ويكرّس ثقافة "الواسطة".   

وبما أننا أتينا على ذكر د. عزمي بشارة، ودعاة المقاطعة، تحضرني مقولة رددها بشارة، لكن ينبغي التذكير بظروفها. منذ انتخابات عام 2003 بث سياسيون في أحزاب صهيونية، ومسؤولون في جهاز الاستخبارات العام ، مقولة، رددتها أبواقهم، فانطلت على الكثيرين من البسطاء، هذه المقولة مفادها أن "أعضاء الكنيست العرب منشغلون فقط في القضية الفلسطينية"،  فرد  بشارة بالقول  إن القضية الفلسطينية هي قضيتنا، ونتفاعل معها ونعبّر عن موقف سياسي، والموقف السياسي لا يُشغل، نحن منشغلون في قضايا الناس اليومية، هل سمعتم عن أحد منشغل بموقف؟  نحن مع الناس ومع همومهم، لكن مصادر همومنا سياسية وهذا ما نعمل عليه وما يشغلنا.

  من سخرية القدر، أن  تكون الكنيست رافعة لحزب الوطنية الفلسطينية، وأن يكون مدى تأثيره مرتبط بحجم تمثيله، لكنها حقيقة في واقع استثنائي، فنحن كاقلية باقية، مرتبطون اقتصاديا وخدماتيا بمؤسسات كيان سياسي قام على سلب وطنننا وتهجير شعبنا، ولم يأل هذا الكيان جهدا لتفتيتنا وطمس هويتنا الوطنية والقومية، وإشغال المجتمع الفلسطيني في معارك جانبية ليغطيّ غبارها على القضية الوطنية العامة وعلى المصادر الحقيقية للقهر.

نشأ التجمع الوطني في حقبة جزر وطني، ولعب دورا مركزيا في إعادة توجيه البوصلة الوطنية، وترتيب سلم الأولويات، وطرح برنامجا سياسيا ضمن الحد الأقصى المتاح، أربك منظري الصهيونية، والخصوم السياسيين في آن واحد، وانتشر خطابه على نحو واسع لم يترجم إلى تمثيل مناسب، لكنه وخلال سنوات استطاع رغم كل العثرات التي وضعت في طريقه من غرس شجرة فلسطينية وارفة الظل عميقة الجذور باسقة الفروع شامخة.

هذه الشجرة، بحاجة دائمة لرعاية وعناية ابناء الحركة الوطنية التي يعتبر التجمع قلبها النابض، فعلى كل متراخ  ومتلكئ ومتردد وغير مبال أن يعي أن  المعركة التي نحن بصددها الآن هي ليست الحفاظ على التجمع فحسب، بل الارتقاء به وزيادة تمثيله وتحويله إلى قوة جماهيرية أكثر انتشارا وحضورا وتأثيرا وسطوة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018