«أبرتهايد» في إسرائيل/ جوني منصور

«أبرتهايد» في إسرائيل/ جوني منصور

عــ48ـرب

مرة أخرى كشف استطلاع للرأي العام في اسرائيل نشرته صحيفة هآرتس مطلع الاسبوع الحالي أن نسبة العنصرية والتفرقة والتمييز آخذة بالزيادة في الشارع الاسرائيلي العام.

لا يوجد في هذا الاستطلاع أي جديد بالنسبة لنا، سوى عملية زيادة نسبة المتطرفين في اسرائيل.
ولكن جدير بنا أن ننتبه إلى أربع نقاط تطرق إليها الاستطلاع بين عشرات المواضيع الأخرى، وهي:
أن 69% من المستطلعين ضد منح الفلسطينيين حق التصويت حال ضم الضفة الغربية إلى اسرائيل.
وأن 59% يفكرون أنه يجب تفضيل اليهود على العرب في قطاعات مختلفة من العمل.
وأن 58% يعتقدون أن اسرائيل تدير نظام حكم ابارتهايد.
وأن 47% يوافقون على طرد العرب من اسرائيل إلى السلطة الفلسطينية.
ما هي الدلالات والانعكاسات التي تظهرها هذه المعطيات؟ وسؤال آخر يتوجب علينا التفكير به: ما هو رد فعلنا تجاه هذه المعطيات؟

لا شك في أن توجه اسرائيل نحو العنصرية بل لدرجة الابارتهايد قضية أشير إليها من فترة طويلة، وهناك مؤسسات بحثية اسرائيلية ودولية وحكومات ومؤسسات رسمية وأحزاب اشارت إلى هذا المنحى. لكن هذا التوجه آخذ بالزيادة سنة بعد أخرى. وكذلك الأمر بالنسبة لتفكير الاسرائيليين بالنسبة لحل الصراع من خلال فهمنا وقراءتنا للمعطيات أعلاه، ان معظم الاسرائيليين لا يفكرون مطلقا في حل للصراع، بل يفكرون في تنفيذ ترانسفير للفلسطينيين وتكريس الاحتلال بكل الطرق والأشكال، كان أخرها الاعتراف بجامعة المستوطنات "اريئيل"، اي ما نطلق عليه "أكدمة الاحتلال والاستيطان"، اي جعله واقعا مقبولا في الشارع الاسرائيلي، وفرضه كواقع دائم لا رجعة فيه. في حين ان كل خطوة تقوم بها حكومة نتنياهو تسير نحو توسيع دائرة الاستيطان، دون اي رد فعل عربي حازم(فالعالم العربي مشغول في نيرانه وبراكينه)، ودون اي رد فعل رسمي أو دولي لباقي الدول في العالم، حتى الأمم المتحدة بشخص امينها بان كي مون صرحت عن قلقها فقط.

ولكن تشخيص سريع للحالة التي تسيطر على الاسرائيليين يتبين لنا أن جهاز التربية والتعليم في اسرائيل يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا التوجه، إذ كيف يمكن أن تكون هذه النسبة إلى هذه الدرجة مرتفعة في أوساط الاسرائليين وأن شريحة واسعة من المستطلعين هم من الشباب؟ الجواب في أن مناهج التعليم وكتب التدريس ومؤسسات التربية سواء المدنية أو الرسمية الحكومية والخاصة تتحمل مسؤولية هذا التوجه. بل هي التي تقوده. في الوقت الذي تصرخ فيه اسرائيل مطالبة الفلسطينيين والعرب بتغيير مناهجهم وخاصة أزالة وإسقاط كل ما يمس اسرائيل واليهود، وتنضم إليها جوقة من الصارخين من امريكا وكندا واوروبا. بينما لا تقوم اسرائيل بالمثل، فما تزال مناهج التدريس في اسرائيل تتنكر للتاريخ العربي والفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في دولة له على أرضه، بل أكثر من ذلك لا تقدم مناهج التعليم في اسرائيل لطلابها أي معلومة عن الشعب الفلسطيني، وأكثر من ذلك لا تمنح الطالب أي فكرة عن وجود هذا الشعب. وتتعامل مع الفلسطينيين كأنهم غرباء ودخلاء في أرضهم ووطنهم.

وتتعامى كليا عن وجوده. فيخرج الطالب اليهودي  مشحونًا بفكر متطرف ويميني وعنصري يرى في العربي الفلسطيني غريبا وغريما ويجب التخلص منه. إذًا، التربية الاسرائيلية المدرسية والمنزلية والعامة لا تتعامل مع الفلسطيني بكونه شعب وحضارة، بل تحاول كل المؤسسات الاسرائيلية العمل بتناغم فيما بينها على إقصاء الشعب الفلسطيني من المناهج ومن الاعلام، والتعامل معه كإرهابي ومجرم ودخيل. وهذا ما نلحظه بدوائر أوسع من مناهج التعليم، من بينها الإعلام الاسرائيلي المجند كليا لخدمة المشروع الصهيوني الاقتلاعي.

ودوائر السياسة في اسرائيل تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا السياق أيضا،  وخاصة حكومة نتنياهو الحالية والمنتهية ولايتها، إذ كرست العنصرية، وأهملت الشرائح المجتمعية العربية، حيث لم يبادر رئيس الحكومة أو أي وزير في حكومته إلى معالجة جذرية لقضايا العرب الفلسطينيين في اسرائيل، بل لم تطرح الحكومة الاسرائيلية اي موضوع / قضية تخص المجتمع العربي على جدول أعمالها. لم يكن ولن يكون العرب في تفكيرها.

إن سياسات اسرائيل التهميشية والإقصائية للعرب وتبني سياسات الفصل العنصري بكافة أشكاله، وتركيز موارد وثروات البلاد بيد قوى رأسمالية يهودية فقط، وتفضيل اليهود على العرب من منطلق بعيد كل البعد عن أسس المواطنة السليمة، وعدم طرح أي مشروع جدي لحل الصراع بل لتكريسه وتأبيده، كلها عوامل مساعدة بوضوح على توجيه المجتمع الاسرائيلي للسير في طريق العنصرية لدرجة تحول اسرائيل إلى دولة ابارتهايد.

إن سياسات وتوجهات اسرائيل العنصرية ليست جديدة، فتاريخيا تأسست على هذا الفكر والتطبيق، ولم تُحدث أي تغيير فيه(فكر آباء الصهيونية وعلى سبيل المثال وليس الحصر "زئيف جابوتنسكي" في ورقته الجدار الحديدي). في واقع الأمر أن سياساتها خطيرة على العرب في اسرائيل، وعلى مستقبلهم، ويتوجب على القيادات السياسية العربية الالتفاف حول إجماع وطني واحد، وخاصة وأن مسألة طرح قائمة انتخابية واحدة هي مطلب الساعة. مطلب الساعة لمواجهة هذا التطرف الخطير في الشارع الاسرائيلي عموما، والعمل على بناء مستقبلي افضل للمجتمع العربي الفلسطيني في اسرائيل.

أما دوليا، فلا نرى أن دولا كثيرة مدركة تمام الإدراك ماهية الحالة السياسية الحاصلة في اسرائيل لدرجة أن تقوم وتضغط على الحكومة الاسرائيلية لتغيير اجندتها. فالمجتمع في اسرائيل مؤيد لتوجهات الحكومة الحالية، وسيحقق نتنياهو فوزا في الانتخابات البرلمانية القريبة، وستتاح أمامه فرصة اخرى ولأربع سنوات لتكريس المزيد من مشاريعه الاستيطانية والعنصرية. وعلى ضوء استطلاع الرأي هذا، قد تميل الحكومة إلى تشديد قبضتها على عنق المواطنين العرب فيها، وعلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لدرجة التخلص النهائي من السلطة الفلسطينية والاعلان عن تحقيق المشروع الصهيوني بدولة اسرائيل من البحر إلى النهر تحت غطاء دولي.

وبناء على هذه الحالة ما هي الخطط التي يجب التفكير بها بالنسبة للفلسطينيين في الداخل، وكيف يمكن جعل الحالة الفلسطينية في الداخل مسألة عربية وعالمية/دولية؟ قد يكون الأمر تدويل الحالة لتحريك  العالم أجمع وتفعيله بالنسبة لما يجري في اسرائيل، ولتوفير حماية للفلسطينيين في الداخل وفي أراضي السلطة الفلسطينية حال تفكيكها. وسط هذه الأجواء لم يعد هناك اي وجود للسلطة الفلسطينية سوى اسمي وظاهري.

ومن غير المتوقع ان تفرز الانتخابات البرلمانية القادمة في اسرائيل اي تغيير جدي في تشكيلة البرلمان، وفي تشكيلة الائتلاف الحكومي. أحزاب جديدة كحزي "يش عتيد"(يوجد مستقبل) لمؤسسة يائير لابيد أعلن عن أجندته اليمينية والمؤيدة ليهودية اسرائيل وفصل الفلسطينيين عن اسرائيل. وهذا يضاف إلى باقي الأحزاب الصهيونية المؤيدة ليهودية اسرائيل، ومن بينها حزب العمل الذي لا يختلف كثيرا عن الليكود، والأحزاب الدينية التي تريدها دولة شريعة اي دولة دينية، عندما يحين الوقت.

معنى ذلك، أن البرلمان الاسرائيلي لن يكون مبشر خير مستقبلي لحل الصراع أو التقدم في مسيرة حله. فالشارع العام الاسرائيلي  مشحون بالعنصرية والتمييز ضد العرب، إلى درجة الابارتهايد، ومشبع بفكرة الترانسفير، وأن البرلمان سيكون خاليا من أمكانية دخول يسار اسرائيلي قوي وفعال لإحداث تغيير.

لهذا، لا يؤمل من البرلمان(الكنيست ) القادم اي بوادر جديدة تُحدث تغييرا في اسرائيل، وكأن ما يجري في العالم المحيط باسرائيل لا يخص اسرائيل، ولا يؤثر عليها. هذا ما تريده حكومة اسرائيل ألا يؤثر عليها ما يجري في العالم العربي المحيط، بل لتقول للعالم أن نظامها ثابت ومستقر. قد ينجح هذا التوجه في القريب، ولكن على المدى البعيد، ليس الأمر بهذا الشكل. وهنا السؤال: هل من المأمول مستقبلا أن يحدث تغيير في اسرائيل؟ قد يكون هذا في باب التمني وليس في باب الفعل القريب.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018