إسرائيل تخسر الحرب قبل بدايتها../ د. ثابت أبو راس

إسرائيل تخسر الحرب قبل بدايتها../ د. ثابت أبو راس

العدوان الجديد على غزة يجري في ظل تحولات جديدة في المنطقة. هذه التحولات تشمل لاعبين جددا مع أجندات وأيديولوجيات جديدة. هؤلاء اللاعبون لا يستطيعون أن يكونوا محايدين كما رأينا في السابق. رأينا التحرك المصري السريع والذي تمثل بزيارة رئيس الحكومة المصرية الجديدة هشام قنديل إلى غزة حيث تبعه وزراء خارجية عرب آخرون ووزير الخارجية التركي وعلى رأسهم نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية. غزة أصبحت أحد أهم المراكز والحراك السياسي في منطقة الشرق الاوسط. التحرك التركي القطري، واجتماعات القاهرة والتي يقودها الرئيس المصري د. محمد مرسي، من جهة أخرى نرى زيارة السكرتير العام للامم المتحدة بانكي مون الحالية إلى المنطقة ووزير الخارجية الألماني ووزيرة الخارجية الأمريكية لتؤكد أن المبادرة السياسية التي كانت دائما بيد إسرائيل هذه المرة هي بيد آخرين وخاصة الدول العربية وحماس.

مع أن الدول الأوروبية الأساسية والإدارة الأمريكية تدعم إسرائيل في قصفها لقطاع غزة لكنها تعرف محدوديات هذا الدعم بسبب مصالحها المتمثلة في فتح علاقات جديدة مع الإسلام السياسي في المنطقة، والأخذ بعين الاعتبار القلاقل السياسية في كل من دول الجوار: سوريا، لبنان والأردن. لكن لا يمكن فهم الزيارة المفاجئة لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون إلا بإحساس الإدارة الأمريكية بالتوتر المتصاعد، على ما يبدو، بين إسرائيل ومصر.

اسرائيل نجحت في إقناع العالم أنها لا تستطيع السكون أمام قوة خارجية تطلق الصواريخ على مدنها مثل أن فرنسا وبريطانيا لا تستطيع السكوت على صواريخ عشوائية تطلق على باريس ولندن وغيرها. لكن هذه المشابهة ليست دقيقة ففرنسا وبريطانيا لا تحاصر جاراتها كما تفعل إسرائيل مع قطاع غزة.

الجديد في هذه الحرب أن الأجواء الإسرائيلية مخترقة على يد الصواريخ الفلسطينية ولأول مرة منذ العام  1948. سبق ذلك اختراق طيارة بدون طيار تابعة لحزب الله اللبناني للأجواء الإسرائيلية قبل حوالي الشهر. الصواريخ الفلسطينية وصلت مركز البلاد والقدس. الإعلام الإسرائيلي والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية تستطيع التصفيق لمنظومة الدفاع ضد الصواريخ الجديدة "القبة الحديدية" لكن هذا لن يدوم طويلا، وخاصة أن هذه المنظومة مع كل نجاحاتها لا تستطيع منع وصول بعض الصواريخ إلى مركز البلاد. هذه الصواريخ لها أثرها النفسي، الاقتصادي والاجتماعي السلبي الكبير. بسياساتها العدوانية "حكومة بيبرمان" حولت تل أبيب، "ريشون لتسيون" والقدس إلى "سديروت"، "نتيفوت" وعسقلان حيث أصبح أربعة مليون مواطن إسرائيلي تحت مرمى الصواريخ الفلسطينية.

لقد أعلنت إسرائيل أهدافا "متواضعة " للحرب وغامضة إلى حد ما. فلم تعد تتحدث عن "القضاء على الإرهاب أو "الإطاحة بنظام حماس" وإنما اكتفت بتثبيت "قوة الردع الإسرائيلية وإيقاف ضرب الصواريخ من قطاع غزة إلى داخل الحيز الإسرائيلي".

الحصار على غزة كان وما زال هو المشكلة الأساسية. حيث تسيطر إسرائيل على البحر والجو وعلى جزء من البر وكل المعابر. إسرائيل ما زالت تقرر المواطنة للمواطن الغزي. تقرر الدخول والخروج من وإلى غزة. الكهرباء، التلفون والماء تحت سيطرتها. الحكومة الإسرائيلية تقرر المواد الغذائية في السوق المحلي وعدد السعرات التي يتعاطاها المواطن الغزي.
وكأن كل ذلك لا يكفي لوصف الحالة الغزية كواقع احتلال، خنق وحصار.

في المجتمع الاسرائيلي كانت وما زالت ثقافة الضحية، أو أن اليهودي هو ضحية الإرهاب الفلسطيني، هي إحدى مكونات هذا المجتمع. هذه الثقافة مدعومة بنظرة فوقية أن إسرائيل هي "فيلا في غابة" وليست "قلعة صليبية في عالم إسلامي"،  كل هذا يرتكز على ثقافة الخوف والتخويف من الآخر إن كان ذلك حماس، حزب الله، إيران أو اللاسامية العالمية.

مع أن الماتشو الإسرائيلي بقيادة وزير الحرب ايهود باراك طالب "بتركيع حماس وجلبهم للصراخ" من أجل إيقاف الهجوم على غزة. لكن تجري الرياح بما لا تشتهي القيادة الإسرائيلية. من عملية "شتاء ساخن" إلى "قوس قزح" من عملية "أيام التوبة" إلى  "الرصاص المصبوب" وإلى الحرب الحالية "عامود السحاب ". كلها حروب لم تستطع إسرائيل كسر شوكة الفلسطينيين الغزيين فيها. الحكومة الإسرائيلية لديها القوة لتقرر متى تدخل الحرب لكنها لا تستطيع أن تقرر توقيت الخروج منها. الظروف تغيرت إقليميا وفلسطينيا وليست لصالح إسرائيل. هناك بوادر أولية لتذويت بعض القيادات الإسرائيلية العسكرية منها، وعلى رأسها الجنرال غيورا آيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي السابق، لهذا الواقع الجديد، الذي يطالب اليوم بالاعتراف بحماس وبسيادته على غزة وإجراء حوار معه. هل سنرى "صحوة" إسرائيلية حقيقة أم أن هذه المواقف ستكون جزءا آخر من محاولات جديدة لشرذمة الشعب الفلسطيني وتشديد الخناق على غزة؟ الواضح أن حماس كسبت الكثير في هذه الحرب وإسرائيل خسرتها قبل دخولها وخسرت معها السلطة الفلسطينية ورئيسها أبو مازن الذي لم يتبق له إلا فرصة أخيرة لإنقاذ سلطته من خلال قبول فلسطين كعضو مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018