بوست مقاومة: درس لما قبل وما بعد وقف إطلاق النار / ربيع هنداوي

بوست مقاومة: درس لما قبل وما بعد وقف إطلاق النار / ربيع هنداوي

عــ48ـرب

لم تفهم إسرائيل الدرس: "لا يمكن السباحة في النهر نفسه مرتين" كما قال هيراقليطس، وخاضت حربا أخرى لتعويض ما خرق من حصار مؤخرا، إنها حرب أعلن منذ بدايتها أنها لا تهدف إلى ترتيب جديد في غزة ونظامها، بل للعودة إلى الوراء، إلى غزة أوسلو الخارجة من الانتفاضة، والتي تطلب الطحين أولا ولا مانع بعدها من المقاومة على هامش القضية أو هامش الفكرة،  المهم أن ترى تناقضا في عكس الأولويات، وتحديدا وعلى اللازمة الإسرائيلية: التجويع السياسي سوف يسيس الرغيف ويوفر الفرصة لانطلاق "ربيع غزي" يسعى لإسقاط مفهوم المقاومة من جدول أعمال النظام. إنه السعي لثورة تنطلق من النظام، على النظام، وفي سبيل بقاء النظام، إنها إسرائيل التي تريد أن تحجز لها موقفا متناقضا في نقطة زمانية واحدة، فهي تحاصر في سبيل نزع صفة "المطالب بالحق" عن الحاكم في غزة، وتختم حصارها بعدوانين متتالين، كان من المفترض أن يقوم الحصار بهدف العدوان الأول كما العدوان الثاني.

في ظل التناقضات الإسرائيلية ومواقفها المتخبطة، احتاج الفلسطيني لأفكار من عصور ما قبل التنوير والنهضة حتى يبحث عن حل للمتاهة التي تتيح له القضاء على ما يجعله متشائما مقابل الظروف التي منعت التفاؤل عن الآخر- الإسرائيلي، وتضخمت الصعوبة عند حضور الربيع العربي على الساحة الفلسطينية، والمعبر عنه في التقاطع بين الثقافة الديمقراطية وبين الديمقراطية كنظام حكم، بين الدفاع عن واجب التظاهر وبين الدفاع عن الحق في انتخاب الحاكم، وفي حالة غياب الدولة بل وللدقة في حالة غياب حاجة المطالبة بنظام ديمقراطي، كان على الفلسطيني أن يبحث عن الثقافة الديمقراطية في الشارع لا في السلطة، وبالتالي كان عليه أن يخوض نقاشا في أصل الديمقراطية: في مفهوم السلطة ومفهوم الحرية، وآثارها في حياة الفلسطينيين السياسية في ظل غياب الدولة، وفي كيفية رسم الحدود لكل من السلطتين في الضفة وغزة، على نمط السلطة القديمة على حد تعبير ستيوارت، والتي تأخذ فيها الحرية معنى الأمن، وذلك منذ اللحظة الأولى للانقسام حتى العدوان الحالي على غزة.

بدت حركة "حماس" غير مؤهلة للسيطرة بعد سقوط "الفتحاوي الأخير" من بناية المخابرات في غزة المدينة، وظهرت بشكل الحركة "التكفيرية" التي ستفرض نظام حياة يتدخل في كافة تفاصيل الحياة للفلسطيني في غزة، واستغلت السلطة في رام الله "الانقلاب"، وبدأت بحملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية "، وسرعان ما انتهجتها شرعنةً لتثبيت مشروع المفاوضات واعتبار كل مختلف مع السلطة انقلابيا، وكل من ينتقد يسعى لانقلاب آخر في العاصمة الجديدة لفلسطين: رام الله. 

في تلك المرحلة، بدا شعار "الشعب يريد إنهاء الانقسام" مريحا في ظل نظام القطبين، وبات الرومانسي الفلسطيني يدعو له كتعبير عن تذكرة دخول الربيع العربي لفلسطين، وباتت المنظمات التي وجدت نفسها على هامش الخارطة تفتتح به مؤتمراتها على أمل العودة إلى الخارطة السياسية.

لقد بدا الربيع العربي مقلقا من قلب فلسطين، وبدت أحجية لحية ماركس حاضرة بقوة: فماذا يوجد هناك؟ والإجابة: كل شيء، فكل شيء هو الموقف، والنظام الذي نود إسقاطه في العالم العربي يتمثل بالسلطتين في فلسطين، فكل شيء، نفس الشيء، وكعادتها المواقف العامة لا تحفر في العقول ولا تحترمها، بل تتخيلها كما تريد.

في فترة الشدة الفلسطينية، بدت نظرية "إذا كان كل العالم مخطئا، فكل العالم محق"، خيارا لعبور مرحلة البلبلة، بالذات عندما بدأ الانقسام ينخر في منطقنا، وذلك بعد أن تم إلقاء التاريخ والاستراتيجية جانبا، وأصبح الفارق بين من فاوض ومن قاوم متعلقًا بكيفية إدارة النقاش وليس بثبات الموقف، وغاب التأنيب عندما تساوى الذين لا يعول عليهم - كما سماهم  عزمي بشارة- والذين استطاعوا محاورة الاحتلال، ولكن لم يستطيعوا محاورة من يختلفون معهم من أبناء شعبهم تحت الاحتلال، مع الذين عملوا وأخطأوا، فلم يجد الرافض للاحتلال غير قبول اللعبة، كي يستطيع الرقص على الأرض الآخذة بالميلان.

وجاء العدوان الأخير قاصفا للمخيلة، والنقاشات الدائرة حول "العقد الاجتماعي الفلسطيني" وكيفية بناء تعددية فلسطينية تحت احتلال، وكانت المقارنة: فالتعددية والثقافة الديمقراطية تطورت بعد الحروب/الثورات عادة، أما خلالها فكان الإعلان الأنسب هو حالة الطوارئ، والتي أقصي بها كل من يختلف مع صاحب السلطة، حتى جاءت غزة بنموذج مختلف: إن حركات المقاومة تستطيع حتى في زمن الحرب التنازل عن إعلان الطوارئ، وتبني لها حيزا ديمقراطيا على هامش الحرب، وتستطيع تحصين موقع للمرأة الفلسطينية في مقاومة الحرب، والقبول بحق الفلسطيني الآخر في البدء بالحرب على نمط التداول السلمي للمقاومة.

وأخيرا، نالت فلسطين ما يليق بها: المقاومة أصبحت تذكرة دخول للعبة الديمقراطية دون العراك على السلطة في غزة، والسلطة في رام الله أصبحت عنوانا للمفاوضات، لدرجة أنها أصبحت عبئا حتى على من صنعها، مرة أخرى: على الفكرة أن تبقى صامدة حتى بعد وقف إطلاق النار.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018