استفتاء شعب رام الله!؟../ أمير مخول

استفتاء شعب رام الله!؟../ أمير مخول

صّرح السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية رئيس منظمة التحرير ورئيس دولة فلسطين، أنه سيحيل أي اتفاق ينتج عن المفاوضات حول الحل الدائم مع إسرائيل إلى استفتاء فلسطيني عام! ويثير هذا التوجّه عدة أسئلة ومنها: لماذا استفتاء؟ استفتاء لمن؟ واستفتاء على ماذا؟ وهل هذا مقبول على الشعب؟

إن القضيّة هي قضيّة فلسطين، وصاحب الشأن الأول والمباشر هو الشعب الفلسطيني، كل الشعب الفلسطيني: فلسطينيو الـ 48 واللاجئون في مخيمات اللجوء والشتات، وفلسطينيو القدس والضفة والغربية وقطاع غزة.
إن أهل البلاد الشرعيين اللاجئين منهم والباقين في الوطن، لا يُجرون استفتاءً حول حقهم بالبلاد وبالوطن، لكن لننعم النظر في مشروع الاستفتاء.

إن عودة اللاجئين الى وطنهم فلسطين واستعادة أملاكهم والتعويض، حق أساسي فردي وجماعي لا يتقادم ولا يحق لأحد الانتقاص منه؟. وهذا يشمل الأملاك الفردية والجماعية والعامة والأوقاف، ويحميه القانون الدولي. وإذا احترمنا فعلا كونه حقاً فردياً وجماعياً، فلا يحق لأحد طرحه للاستفتاء العام، لأن الاستفتاء هنا يعطي فرصة للانتقاص منه حتى إلغائه.

إن اللاجئين لا تتوفر لديهم إمكانيات الاقتراع على استفتاء فلسطيني، ولذلك فهناك صيغة إلتفافيّة تكررها الرئاسة الفلسطينية ومفادها إجراء الاستفتاء بين اللاجئين "حيث أمكن"، وهذا التحفظ "حيث أمكن" يلغي حق اللاجئين بالمشاركة حتى بإبداء رأيهم بتقرير مصيرهم ومصير شعبهم.

وبخصوص المقدسيّين، فإن اتفاقيات أوسلو التي تلتزم بها السلطة الفلسطينية أو "دولة فلسطين" تحول دون أن تعمل السلطة الفلسطينية بشكل رسمي في القدس، ولا توجد عمليا أيه ملامح سيادة حتى وإن كانت جزئية أو منقوصة، تمكّن السلطة من إشراك المقدسيين بشكل فعلي في "الاستفتاء" على "حلّ" يهدد مصيرهم ويصادر مدينتهم التاريخية والمقدسة.

في فلسطين 48، فإن السلطة الفلسطينية و م.ت.ف بناء على اتفاقيات أوسلو، وعمليا قبل ذلك منذ ظهور مشروع "الحل المرحلي" وحل الدولتين لاحقاً، اتفقت م.ت.ف وفيما بعد السلطة في اعتبار فلسطيني الـ 48 مسألة إسرائيلية داخلية وخارج حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وخارج مؤسسات الشعب الفلسطيني المرجعية (المجلس الوطني الفلسطيني و م.ت.ف) فإنها أيضا تستثنيهم من مجرد حق المشاركة في اقتراع يسعى لتقرير مصير الشعب الفلسطيني الذي يشمل مصيرهم.

وفي غزّة حيث لا سيادة ولا سلطان للسلطة الفلسطينية فقد استنزفها الانقسام البائس فهي غير قادرة على إدارة عملية اقتراع لإستفتاء شعبي.
وتبقى الضفة الغربية أو بالأحرى أجزاء منها ما يسمى مناطق A و B .

في مثل هذا الاستفتاء ستحصل قيادة م ت ف و "دولة فلسطين" على غالبية ساحقة ومبايعة كُبرى، لكن بتغييب الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني صاحب القضية والقرار عن القضية والقرار.

إن عملية المفاوضات ضمن المخطط الأمريكي إنّما تعيد إنتاج توازن القوى على حساب الحق. وفي الوضع الراهن ليس من حق القيادة ولا من مصلحة الشعب الفلسطيني بناء مقاسات الحل الدائم على أساس توازن القوى. ويجدر أن لا يغيب عن بالنا للحظة أنه ما دام الغبن التاريخي قائما فليس هدف الشعب الفلسطيني إنهاء الصراع وإنما استعادة الحق وإحقاقه. وما يضمن استعادة الحق هو قوة الشعب وإرادته وكفاحه ومراكمة القوة. لأن القوة لا تحترم الإ القوة في حين أن المفاوضات التي يجري الإعداد لها لن تحقق الحق الفلسطيني. كما وأنّ أي إنجاز حققه شعبنا سواء في الشتات أم الضفة والقدس والقطاع أم فلسطين 48، ما كان إلاّ بالكفاح والتضحياّت. إن تاريخ شعبنا الفلسطيني ليؤكد أن الاستفتاء الحقيقي الفعلي الذي أكده هذا الشعب هو أن لا طريق لاسترداد الحق الاّ بالكفاح والكفاح هو الطريق.

الاستفتاء الإسرائيلي والموقف منه

أعلن رئيس حكومة إسرائيل نتانياهو عزمه على إحالة أي اتفاق مع الفلسطينيين يتعلق بالحدود أو "الوضع الدائم" الى استفتاء شعبي إسرائيلي. وإذ أن الحكومة الإسرائيلية مخوّلة باتخاذ أي قرار سيادي بشأن الحدود وغيرها بمصادقة الكنيست، وليس مفروغاً منه أن الاستفتاء الذي أعلنه نتانياهو قابل للتنفيذ حسب القانون الإسرائيلي، إذ يحدّ من صلاحيات الكنيست والحكومة، لكن ما يشغل البال هنا هو موقف الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل وموقف الأحزاب والحركات السياسية.

وفي حال خرجت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية الأمريكية باتفاق، فإن السلطة الفلسطينية والجامعة العربية الشريكة للمسار الأمريكي للمفاوضات ستدعوان بل ستدفعان بفلسطيني الـ 48 الى أوسع مشاركة في الاستفتاء الإسرائيلي وسيغدقون التمويل والحملات الإعلامية والضغوطات وذلك تحت شعارات أصبحت معروفة وهي التصدّي لليمين الإسرائيلي وضمان "الحد الأدنى من الحقوق" و"إنقاذ ما يمكن إنقاذه".

باعتقادي أن دور فلسطيني الـ 48 هو مقاطعة أي استفتاء إسرائيلي بهذا الصدد، ومناهضته وإعلان رفض نتائجه مهما كانت، ورفض شرعية مثل هكذا إجراء. ولهذا الموقف جانبان أخلاقي وسياسي معاً.

هل نقبل نحن الجماهير الفلسطينية في الداخل بإحالة قضية شعبنا وحقوق شعبنا الى استفتاء إسرائيلي؟ فلو قبلنا بذلك أو شاركنا في الاستفتاء الإسرائيلي نكون عملياً وضمنياً قد قبلنا بنتائجه مهما كانت، فعندها نكون قد شاركنا فيه سواء صوّتنا "نعم" أم "لا". بعد أن قبلنا بقواعد لعبة المستَعمِر. لكن في حال رفضنا إخضاع حقوق شعبنا وعدالة قضيته الى استفتاء إسرائيلي فهذا يتطلب مناهضته والسعي لإسقاطه كمشروع وليس اللعب ضمنه. كما أن المشاركة في الاستفتاء تعني ضمنياً التسليم بانتقاص الحق الفلسطيني وبالذات حق العودة. فهل نشارك في استفتاء لصالح "اتفاق" ينتقص من حق اللاجئين بالعودة الى الوطن والى بيوتهم وممتلكاتهم واستعادة أملاكهم والتعويض. وهل نملك الحق الأدبي في ذلك؟

هل نصوّت لصالح "تبادل أراض" بين اسرائيل و "فلسطين" في حين أن هذه الأراضي فلسطينية وتلك فلسطينية؟
هل نصوّت على قرار يتيح إبقاء المشروع الاستعماري الاستيطاني على حاله في الضفة الغربية والقدس تحت مسميات "الكتل الاستيطانية" و "أحياء القدس" ؟
هل نشارك في الاستفتاء كما لو كنّا "إسرائيليين" وخارج القضية الفلسطينية وخارج تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني؟
هل نصوّت لصالح مقايضة حق فلسطيني بحق فلسطيني آخر لصالح بقاء المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني في فلسطين دون تفكيكه؟
هل نصوّت لصالح اتفاق يمنح إسرائيل تطبيعاً عربيا وشهادة تبييض لجرائمها التاريخية والغبن التاريخي بحق شعبنا الفلسطيني والعربي؟
هل نصوّت لصالح عجز النظام العربي الرسمي وإساءة استخدامه للمعاناة الفلسطينية ولصالح المشروع الأمريكي الإسرائيلي؟
هل نصوّت لصالح إسرائيل وضد حملات المقاطعة وفرض العقوبات عليها، وضد التوجه لمحكمة الجنايات الدولية؟

إذا شاركنا في الاستفتاء الإسرائيلي ومهما كانت النتائج نكون قد خسرنا أخلاقية الموقف، وتنازلنا ذاتياً عن استحقاقات عدالة قضية شعبنا.. نكون قد تنازلنا عن حق شعبنا بفلسطين وأولاً حق اللاجئين في فلسطين وعليها عائدين.

إن ما يحسم جوهريا الموقف ضد إسرائيل وكما علّمنا تاريخ شعبنا، هو أساسا ليس المفاوضات ولا حالة الضعف واللا فعل الفلسطيني أو العربي، وانما قوّة الشعب العربي والفلسطيني لمواجهتها وتدفيعها ثمن عدوانها، هكذا حدث في جنوب لبنان في العام 2000 وهكذا انسحبت من غزّة وهكذا تراجعت عن مصادرة الأراضي بعد يوم الأرض.. فان قوة النضال الفلسطيني والشعب العربي هو ما يحقق الحق الفلسطيني، في حين الضعف الفلسطيني والعربي يجعلان استفتاء إسرائيل ذا قيمة ويبقيان الاستعمار متماسكا.

إن إسرائيل كنظام استعماري ليست خارج التاريخ، وليست فوق التاريخ ولا يوجد استعمار لا يمكن دحره. والشرط الأول هو توفر إرادة الشعب المكافحة والاعتماد عليها فهذه قوة لا تنضب، وتجميد العملية التفاوضية من قبل الطرف الفلسطيني تعني العودة الى إرادة الشعب المنتصرة.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018