لنا الغدُ../ الأسير راوي سلطاني*

لنا الغدُ../ الأسير راوي سلطاني*

* سجن الجلبوع

منذ اعتقالي عام 2009 وأنا أتابع باهتمام تصاعد التأثير الشبابي في مجتمعاتنا العربية، والدور الذي يلعبه الشباب في الحياة العامة، وبشكل خاص قدرة هذا الشباب على النضال الشعبي والوطني والاجتماعي وِفق روحه وحضوره.

وقد تابعت من زنزانتي كيف أشعلت إرادة هذا الجيل شرارة ربيع عربي أزاح أنظمة مرتكزة على الاستبداد منذ عشرات السنين. وبغض النظر عن النقاش الدائر حول مدى ازدهار هذا الربيع، إلا أن هذه الشرارة أضاءت الظلمة العربية، وزرعت الأمل في قلوب الملايين.

وحتى اليوم ما زالت هذه الانطلاقة تلقي بأثرها على العمل الشبابي في كل مكان. وبما أننا كشباب فلسطيني جزء وامتداد للشباب العربي فعلينا نحن أيضا استلهام العبر من هذه الانطلاقة، ووضع قواعد سياسية واجتماعية جديدة. كما علينا المضي قدماً نحو تحقيق المزيد من الإنجازات واستخلاص المزيد من الدروس، حاملين معنا في الوقت نفسه الإرث النضالي العظيم الذي راكمه شعبنا، والذي نستلهم منه أن أي إنجاز لم يكن ليحصل إلا بالكفاح والنضال والتضحية.

أحد الدروس المهمة هو أن قدرة الشباب وإرادته وتصميمه على تغيير وقلب الواقع البائس هو شرط مهم للتغيير. وعلى صعيد تجربتنا المحلية يمكننا أن نرى أن هنالك فرقا شاسعا بين الحضور الشبابي وبين مشاركة الشباب الفعلية في صنع القرار، وأن مشاركة الشباب في إطار ما لا يجعله بالضرورة إطاراً شبابيا، ومحاولة دمج الشباب داخل الأنظمة القائمة دون ملاءمة هذه الأنظمة لمتطلبات الحراك الجديد لا يعني تحقيق طموح الشباب والشابات.

إن الطموح الكبير يحتاج إلى طاقات وإرادة كبيرة وكذلك إلى وعي عميق. وهذا يتطلب توجهاً يستقطب كل الطاقات ويوفر إمكانيات المشاركة الحقيقية الفعاله لكل الفئات. وأولاً لدور وتأثير المرأة، وخصوصاً الشابات والصبايا، ويستطيع مجتمعنا أن يفخر بنسائه المناضلات كما يفخر برجاله المناضلين. وإحدى نقاط قوة الكفاح الشعبي التي تجلت مؤخراً سواء في محاكمة الشباب الشفاعمريين والهبة الشعبية لحمايتهم أو في الهبة الشعبية للدفاع عن النقب وعن الوطن، هي الحضور الشبابي غير المسبوق والحضور النسائي غير المسبوق. وهذا نموذج متطور للعمل الوطني وللتغيير الاجتماعي المندمجين معاً. وهذا من شأنه أن يضع حداً لأية توجهات فيها إقصاء أو استثناء للمرأة في عملنا المستقبلي كمؤسسات وكجماهير.

اما الدرس الآخر الملفت للانتباه فهو القدرة الهائلة وغير المسبوقة للإبداع في استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي في التغيير الثوري، وكيف أصبحت هذه الوسائل أشبه بلغة تخاطب جديدة بين الشباب، بل أشبه بلغة الحراك الشبابي. ووجد ذلك تعبيراً عنه بتوفر آفاق التواصل بين أبناء شعبنا في الوطن والشتات حول تحقيق مجمل الحلم الفلسطيني، وإعادة التواصل الذي قطعه المشروع الصهيوني الاستعماري بين أبناء الشعب الواحد، وهذه إحدى التحديات والمهام المستقبلية الجوهرية التي تفتح آفاقها اليوم.

ونظراً لإجادة الشباب استخدام هذه الوسائل بشكل هادف في توحيد القضية الفلسطينية، واختراق حدود التشتيت القسري تسعى أجهزة الأمن الإسرائيلية إلى ترهيب هذا الجيل، ومنعه من التقدم نحو تحقيق حلمه بالحرية، وإيهامه بأن أي حراك بهذا الخصوص هو تجاوز أمني يعاقب عليه القانون، وليس حقاً من حقوق الشعب الفلسطيني. إلا أن وعي الشباب لمسؤولياته الوطنية ولقضاياه وحقوقه، ووعيه لأهمية العمل والإرادة، وجرأته واستعداده للمواجهة ودفع الثمن تُفشل مرة بعد مرة أهداف الترهيب، وترفع حالة التحدي بين أوسع الأوساط الشبابية بإرادة ومعنويات عالية.

إن ما نطالب به هو مشروع حق وعدالة وكرامة إنسانية لشعبنا في كافة أماكن تواجده. وانطلاقاً من هذا الحق نطالب مؤسساتنا الوطنية بتوفير الفرصة الوطنية الفعلية لهذا الشباب بالمضي قدماً، والاندماج في مواقع اتخاذ القرار ليكون جزأً منها وليس على هامشها. الآن من شأن ذلك أن يصب في صالح العمل الوطني واستعادة حقوق شعبنا المسلوبة، وأن يكون ضمانة لمستقبل الحركة الوطنية.

وحين أتابع في زنزانة الأسر المعارك الكفاحية وبالذات معركة النقب، أشعر بمزيد من الافتخار بأني جزء من هذا الشباب. وإذ يحرمني السجن من المشاركة الفعلية إلا أن قلبي دائماً معه. وإني على يقين أن هذا الحراك هو ثورة حقيقية على الظلم والظالمين، وإن الشباب الفلسطيني في أراضي 48 الذي قرر تصعيد المواجهة وأساليب المواجهة متحدياً البطش والثمن الغالي، هو شباب منتصر لا محالة، وهم أبناء وبنات لشعب منتصر.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية