حكاية الصبي المرسال الخسيس/ بلال ضاهر

حكاية الصبي المرسال الخسيس/ بلال ضاهر

يحكى أن شخصا نفخ نفسه، وأصبح يراها كبيرة. هو ليس كبيرا، لكنه يجلس مع كبار. وهؤلاء وافقوا على مجالسته بعد أن قدم لهم خدمات 'الصبي المرسال' بين السارق والمسروق. ولم يكن السارق سيوافق على تسليمه الرسالة إلى عدوه، المسروق، وكانت هذه رسالة شفهية أحيانا، لولا الثقة الكبيرة بـ'الصبي المرسال”.

مرت سنوات قليلة وبدأ نجمه يسطع، رغم أنه لم يكن ينتمي إلى قبيلة أو عائلة، لكنه كان حلاق القرية ويملك بعض المعرفة في معالجة الناس. وفي إحدى الليالي جاءه في المنام هاجس، راح يلح عليه أن 'لا أحد في القرية أحسن منك. يجب أن تصبح أحد رواد الديوان الدائمين. رغم أن الديوان يسيطر عليه أبناء عائلة السارقين”.

استيقظ صاحبنا من نومه وقد اختلطت عليه مشاعره، لكن سرعان ما بدأ يتحمس للفكرة التي جاءته في المنام. 'نعم صحيح. لا أحد أحسن مني. ولا حتى ذاك ابن العائلة المسروقة، الذي يدافع عن عائلته وحقها أمام عائلة السارقين وفي وسط ديوانها. هو ليس أحسن مني، حتى لو كان متعلما ومثقفا. صحيح أنه مثقف، لكني خبير بمعالجة الناس أيضا، وحتى أني أقدم النصائح للقابلات”.

وفعلا، نجح صاحبنا، وأصبح أحد الرواد الدائمين في الديوان، وكان يقول 'أنا نائب... نائب في الديوان'. ورغم ارتفاع مكانته في القرية، إلا أنه بقي وفيا للسارقين وظلّ يحب عمله الخسيس كـ'صبي مرسال'، خاصة أن هذا العمل الخسيس قرّبه من أناس، من عائلة السارقين، لا هم لهم ولا عمل سوى تناقل أخبار الناس وما يحدث في القرية. وكانت مكانة هؤلاء مرموقة نوعا ما بنظر عائلة السارقين، وقد استغل صاحبنا تقربه منهم لكي يحظى بمودة، وربما بعض مصروف الجيب، من جانب وجهاء عائلة السارقين.

الغريب في الأمر أنه بعد أن ذاع صيت صاحبنا وانكشفت ألاعيبه، لم يتوقف وجهاء عائلة المسروقين عن استقباله. وفسر هذا الأمر أحد كبار وجهاء عائلة المسروقين، وكان يعتبر داهية، بالقول: 'معليش. هل رأيتم خسيسا أصبح مليئا بالمروءة؟ لنعتبره الجزمة التي سندوس بها بيوت السارقين”.

في إثر هذا التفسير، وإلى جانب عناق السارقين له، بقي صاحبنا 'نائبا' في ديوان السارقين لسنوات طويلة، لكنه بقي لقيطا، لا عائلة تأويه ولا قبيلة تحميه، رغم أنه لم يكن بحاجة لحماية، إذ لا أحد يتعرض له. لكن عندما اتفق أبناء عائلة المسروقين الذين يرتادون ديوان السارقين على التوحد كجسم واحد والمطالبة بحقوقهم، وضموا صاحبنا إليهم، لم يتراجع صاحبنا عن خساسته ووضاعته، واستمر بدق الأسافين وزرع الفتن بين المسروقين.

لكن همّ صاحبنا الأساسي كان الإساءة لذلك المثقف ابن عائلة المسروقين. واستمر صاحبنا في وضاعته هذه حتى بعد أن غادر المثقف القرية وذهب إلى المدينة مبتعدا عن شر السارقين. لكن هذا المثقف لم ينسَ عائلته ولا نضالها واستمر بدعمها. بينما كان صاحبنا يشي بابن بلده المتعلم المثقف لأولئك، من عائلة السارقين، الذين لا هم ولا عمل لهم سوى تناقل أخبار الناس. كان المتعلم المثقف عقدة صاحبنا. وكانت ميزة صاحبنا الرئيسية الغدر والطعن في الظهر وتفكيك وحدة المسروقين. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018