فلسطينيتنا، بين فكّي الطائفية!../ عمار أبو قنديل

فلسطينيتنا، بين فكّي الطائفية!../ عمار أبو قنديل

في ظلّ واقعٍ وحشيّ غير إنسانيّ مليء بالصراعات والاقتتال والحروب والدمار، تحت وطأة الصراعات والحروب الرجعيّة والتناحرات والتجاذبات الطائفيّة والسياسيّة والّتي جلبت لنا الويلات، تحت سلطة مؤسّسة كولنياليّة تسعى يوميًّا إلى تقسيمنا إلى جماعات بهدف الشرذمة وتفتيت ما تبقى من المفتّت، نشأت في أذهاننا عوالم تعجّ بالتناقضات تخلق عند الفرد أزمة فكريّة، وصعوبة في اتّخاذ المواقف. وبالرغم من التعقيدات المذكورة ترى التهافت السريع في اتّخاذ المواقف الحاسمة من جهة وتعليق المشانق من جهة أخرى، تارة سلاحها التخوين وتارة التكفير.

مسوّغات هذة الأزمات تبلورت في أساسها بفضل غلبة الهويّة الأقرب إلى الذات المتمثّلة بالقبيلة والطائفة والمذهب على الهويّات الجامعة، هويّات ضيّقة قد تتحوّل إلى هويّات قاتلة، وغياب ثقافة التعدّديّة الفكريّة وثقافة التوافق السياسيّ، وبالتالي غياب القبول بالتعدّديّة الاجتماعيّة والثقافيّة في المجتمعات عامّة، وارتباط المجتمعات سلبيًّا بالموروثات التاريخيّة، مما يجعلها حبيسة التاريخ ومرهونة به، بل تحتكم إلى وقائع حدثت منذ عشرات القرون في خلافاتها الاجتماعيّة والسياسيّة القائمة.

 أمّا في الداخل الفلسطيني فهناك تراجع واضح للخطاب الوطنيّ العقلانيّ، وغياب تنظيم شعبي جامع ومستقرّ، هناك شعور بعدم الثقة بين شرائح المجتمع بكل ما يخصّ لجنة المتابعة الّتي هي، شئنا أم أبينا، ممثّلة الجماهير العربيّة. عدم الاستقرار يدفع هذا الجسم إلى التقصير في دوره وبالتالي تخلخل شرعيّته. هناك شروخ اتّسعت ورمال متحرّكة تبتلع الثقة بين ممثّلي الأحزاب والحركات وبين الجماهير في الداخل، هذه المساحات والفجوات هيّأت مناخًا خصبًا لتجاذبات فكريّة تستغلها مؤسسة الاحتلال من جهة، والطائفيون من جهة أخرى لتأجيج النزاعات القائمة على الاختلافات، والتي سرعان ما تتحوّل إلى تراشق كلاميّ وتصل حتّى العنف بأشكالة المختلفة.

في الأسبوع الأخير فقط دار نقاش جدليّ صاخب حول "المثليّة" بعد تفوّهات التمنّي بالمرض الّتي أطلقها الشيخ كمال خطيب، ممّا تبع ذلك جدل واسع، وبدلًا من أن تتمّ مناقشته بشكل عقلانيّ وحضاريّ سرعان ما تحوّل الأمر إلى تراشق وسباب ولعن، وبالتالي إلى تحريض أرعن، علمًا أنّ النقاش الأساسيّ كان "ضدّ التحريض" حيث تمّ تحييده بعد ذلك إلى نقاش "مع أو ضدّ المثليّة" ومن ثمّ انزلق النقاش إلى "مع أم ضدّ الدين". فبدلًا من تصويب النقاش بهدف الخروج بنتيجة تحتوي جميع الآراء حصل تجاذب فكريّ ضيّق، مجموعة تتوّقع وتطلب من مجموعة أخرى أن تتقبّل فكرة "المثليّة" عَنْوَةً، ومن جهة أخرى مجموعة تتّهم الأخرى بالانحلال والدياثة، وبأنّها تسعى لنشر الرذيلة. هذه الاصطفافات غير المسؤولة تخلق حقنًا خطيرًا في ظروف معيّنة قد تصل حتّى العنف الجسديّ.

مثال آخر، منذ البارحة يدور نقاش آخر حول عمليّة القتل الّتي حصلت في منطقة الجولان من شبّان قاموا بقتل مصابين سوريّين تمّ نقلهم من الجانب السوريّ إلى داخل فلسطين المحتلّة عبر سيّارات إسعاف إسرائيلية، لا توجد معلومات أكيدة عن هويّة المصابين، لكنّ الحدث كان كفيلًا بخلق نقاش محتدم. قسم يُدين القتل، وقسم يهلّل له، لكن كالمعتاد تمّ حصر الجدل وتقسيم المختلفين بين "المتأنسن والوحشي".

هذا التقسيم يُفرغ النقاش من مضمونه وسرعان ما يصطفّ الجميع وتدافع كل مجموعة عن نفسها، متناسين القضيّة الأساس. علينا أن نضع المسائل في ميزان العقل، الكفّة الأولى أنّه لا مبرّر أخلاقيّ أو وطنيّ لأيّ تعاون أو تفاهم بين أيّ طرف وبين إسرائيل، الكفّة الثانية أنّه لا يوجد أيّ مبرّر أخلاقيّ ولا عرف من أعراف القانون الدوليّ يسمح بقتل مصاب وذلك من دون أهميّة لهويّته.

إنّ أساس الاصطفافات هي الولاءات، ويمكن تحويل أيّ حدث إلى حالة تخدم سياق الولاء، حتى وإن كان ذلك غير منطقيّ أو قد يوقعنا في تناقضات واضحة، لكنّ أصحابها يتمرّسون بها بكلّ فظاظة ووقاحة خدمةً للولاءات الخاصّة بهم. هذه التناقضات تفرز امتحانات يوميّة لإنسانيّتنا، السؤال: أيّ كفة نُرجّح الفطرة الإنسانية أم الولاء؟ يوميًّا نرسُب في هذه الامتحانات عندما نتقبّل تجاوزات لصالح ولاءات قريبة، عندما نصفّق لابن العائلة وابن الطائفة وابن البلد والحارة وصولًا إلى تجاوزات نتقبّلها في سياق الصراعات الأوسع على حساب المصلحة العامّة والاستقرار. الطامّة الكبرى هي أنّنا نُسلّم عقولنا سريعًا للولاءات ونتحوّل إلى قطيع مدافع شرس.

قال أفلاطون: "نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكّر، ومتعصّبون إذا لم نرد أن نفكّر، وعبيد إذا لم نجرؤ على أن نفكّر"".

هذه التجاذبات والاستقطابات وحالة الترهل الأخلاقي والسياسي دفعت بنا إلى حافة الهاوية فبتنا نشاهد مسيرات ومظاهرات تخص طائفة دون الأخرى، بتنا نتقبل التمني بالموت فقط لأنها موجها ضد شريحة تختلف عنا، بتنا نرى مجموعة تنتفض فقط عندما يطال الأذى أحدًا من مجموعتها، بتنا نرى الأعلام الدينية وتُمنع الأعلام الوطنية، بتنا نتصرف كطوائف لا أُمم.

علينا أن نعي جيدًا أن المجتمعات البشرية لا تعيش في نسق اجتماعي وسياسي ثابت وواحد، بل من سمات التركيبة الديموغرافية لسكان الدول التنوع والتعدد، التعددية الثقافية والتنوع المذهبي والعرقي والطائفي في البلد الواحد.

نحن نعيش في فسيفساء متشابكة معقدة، وعلينا إدارة نقاشاتنا وحواراتنا بحذر وعقلانية. إن الأحداث الأخيرة في الطابغة وكيفية تناول الجدل حول العنف الموجه ضد "المثليين" إضافة الى ما حدث مؤخرًا في الجولان من قتل بدم بارد عليها أن تدق نواقيس الخطر عند الأحزاب والحركة الوطنية، نحن أمام إنزلاق نحو خطاب طائفي إقصائي يجب علينا اجتثاثه سريعًا وتصويب النقاش وإبقائه تحت سقف جامع ذي بوصلة وطنية واضحة المعالم.

كما وأرى أن لجنة متابعة قوية جامعة من شأنها أن تشكل طوق نجاة لهذه الصراعات الفكرية حيث تشكل مساحة كافية لسماع كل الآراء وتقبلها من دون اصطفاف وتجاذب حاقن قد يجلب الويلات إلينا، لجنة متابعة تشكل حاضنة للجميع، تجمعنا تحت راية عربية فلسطينية يعتليها العلم الفلسطيني ويتقدمها النشيد الوطني، لجنة متابعة تشكل بديلًا وطنيًا وتكون بمثابة برلمان عربي يملأ الفراغات الناتجة عن الأزمات الفكرية والاختلافات التي ينتجها الاحتلال والطائفيون بيننا، علينا أن نوقن جيدًا أننا نعيش تحت احتلال يسعى يوميًا لتفكيكنا وإضعافنا وتحييد بوصلتنا، ودفعنا نحو اقتتال واحتقان داخلي، علينا أن نتصرف كشعب واع متحضر يدير نقاشاته واختلافاته في فضاء من التقبل والتسامح والوحدة، مفشلين في ذلك كل مساعي الشرذمة والتفتيت، عدا عن ذلك سنكون في أزمة لا نحسد عليها، وكما قال المفكر الدكتور عزمي بشارة: "الناس لا يولدون أمة، الأمة تُبنى"، فلنبنها!

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019