الوشائج الحقيقية بين التراث والقومية العربية../ د. عمر سعيد

الوشائج الحقيقية بين التراث والقومية العربية../ د. عمر سعيد

تشكيلة المقالات والردود التي قدمها مطبخ الإسلامية لغريمه التجمعي على مائدة العدد الأخير من صحيفة "صوت الحق والحرية"، جاءت متنوعة ومحيرة للذائقين، حيث تراوحت بطعمها بين المر والحامض والحلو، لذلك فهي وإن كانت بمجملها لا تسمن، لكن بعضها بالأكيد يمثل بداية طيبة قد تغني عن بعض جوع ساحتنا لحوار مسؤول وعقلاني.

وما دمنا متفقين، كل وفق منظوره، حول ضرورة الالتزام بقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المنافع"، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يحتم على جميع الفرقاء العمل الفوري والصريح باتجاه محاصرة أجواء التوتر وتفريغ شحناته العدائية الهدامة، كي لا ندفع ببيتنا المشترك لمناطق غير محسوبة، فنصبح على ما فعلنا نادمين.

دعوة لممارسة حوارات فكرية نقدية منفتحة وليس مطالبة بحالة صمت تصالحي

وإذا كان لا بد من زيادة في التوضيح، أقول إن دعوتي هذه لا تعني مطالبة الطرفين للدخول بحالة صمت تصالحي، بل هي دعوة لممارسة حوارات فكرية نقدية منفتحة ومنضبطة، تحترم الآخر، وتتناول بجدية جوهر الخطاب الديني والوطني العلماني، كاستحقاق ضروري لتأمين مناخات مؤازرة للإثراء المتبادل، والمساهمة في اعتصار واختمار التجربة الفريدة لمسيرتنا النهضوية والكفاحية.

إن مراكمة هذه الإجراءات المعرفية المتعقلة واستدخال معانيها والتقاط رسائلها، تمثل شرطا حاسما في حماية أجيالنا الصاعدة من لوثة الضياع، وضرورة قصوى في عملية بلورة المتخيل المشترك لهوية ومستقبل مجتمعنا. من هنا تحديدا تأتي أهمية المناقشة التي سأعرضها في هذه المداخلة حول فهمنا لموضوعة القومية ومعنى التراث، وهي بجوهرها موجهة إلى كوادر وجمهور الحركات الإسلامية والوطنية على حد سواء.

من قبل قال أحد الحكماء: "إن أوثق وسيلة للحط من فكرة سياسية جديدة والإضرار بها، هي بالإفراط في تضخيمها والسير بها إلى حد السخافة، وذلك باسم الدفاع عنها". هذا حالنا وهذه حقيقة غفلتنا الكبرى التي لا تكاد ترى أن التعصب الفئوي الأعمى والتشدد الفكري، بالإضافة إلى خلط وتخريب دلالات وحدود المصطلح والشعار، بقصد الاستثمار السياسي، قد شكلت أهم مصادر الخطر على لحمتنا الوطنية ووعينا الجمعي. وبطبيعة الحال لم يسلم روادها أنفسهم من تبعاتها وأذاها الشامل. فلطالما خذل النشطاء العلمانيون والإسلاميون مشروعهم الأهم عندما انبروا برعونة الثملين لإحراق الأخضر واليابس دفاعا عن "مقدس" وهمي صنعوه بأيديهم أو ورثوه عن آبائهم الحزبيين، ثم ما أن يدور دولاب الزمن دورته الكاملة حتى تختفي آثارهم وينقطع صوتهم ويلفهم الندم والحسرة... ولكن بعد خراب البصرة.

"الإسلام هو الحل" أزاح "الإصلاح هو الحل"

هذا ما علمتنا إيّاه التجربة وشهدناه عند القومي والشيوعي والإسلامي المتشدد الذي لا ينفك يرقص على إيقاع الشعار وبريقه دونما تفكر وتدبر لمعناه. ولأنني هنا بصدد مناقشة الإسلامية حصرا، ومن باب توضيح مقصدي أدعو القراء الكرام للتأمل مثلا بشعار "الإسلام هو الحل" الذي ابتكره خالد الزعفراني، أحد قادة الإخوان المسلمين في مصر في أواخر السبعينيات، حيث انتشر في المحافل الشعبية كالنار في الهشيم، بل وأزاح للخلف شعار المؤسس حسن البنا "الإصلاح هو الحل"، ليتحول إلى الشعار الأبرز في التأليب على الخصوم العلمانيين حتى صار مجرد الاعتراض عليه بوصفه توظيفا سياسيا للدين، يعتبر نوعا من التطاول على العقيدة، هذا إن لم يكن الكفر بعينه. أما الزعفراني فقد انشق عن الإخوان الذين بدورهم ارتضوا لاحقا بدولة مدنية حديثة، وصار شعار "الإسلام هو الحل" بنظر المفكر الإخواني التونسي التنويري عبد الفتاح مورو " شعارا فارغا درج على ألسنة الشعوب وعلى ألسنة قادة الحركات الإسلامية من دون وعي بمضامينه، وهو يشبه شخصاً مريضاً يأتي للعلاج فيقال له إن الطب هو الحل"، على حد قوله.

وهكذا أيضا شأن شعار "دولة الخلافة"، حيث يقول: "لقد حرص الإسلاميون على الغرق في مفهوم الحاكمية وهي قضية جزئية ظهرت إلى العلن في سياق سقوط الخلافة الإسلامية، بل تم تضخيمها وأصبحت قضية القضايا لدى إخواننا". وبإمكاننا أن نضيف أن التأكيد المفرط في طلب دولة الخلافة والترويج الشعبوي لأهميتها دينيا في اكتمال دار الإسلام ودولة الشريعة، كان عاملا فكريا مهما في ظهور التيار الداعشي الذي ذهب بها إلى نهاياتها القصوى جاعلا منها الركن الرئيسي لبرنامجه التطبيقي.

لم تتوقف ملاحظات شيخنا وغيره الكثار على المسائل العامة، بل تعدتها لتسجل نقدا لاذعا لمسيرة التيار الإسلامي معترفا بخطأ الإسلاميين في قراءة النص والواقع معا، وداعيا إلى مزيد من التنسيق والشراكة مع اليسار والقوميين من أجل الوطن، ومناشدا الشباب إلى تبني قراءة تجديدية لنصوص الإسلام. فهل يمكن، بعد ذلك، اتهام هؤلاء المفكرين بالعداء للإسلام كما يحلو لبعض قياديي الاسلامية ممارسته كرياضة صباحية ملزمة؟

نعتمد على سعة صدر النص وليس على من نصب نفسه حارسا عليه دون جدارة

لهذا، ولمن يتساءل باستخفاف مريب حول ما إذا كان أبناء الحركة الوطنية يتحدثون عن نفس الدين، أو أنهم "طوروا دينا جديدا"، نقول إننا نعتمد في مواقفنا على سماحة الإسلام، وآراء أبرز مفكريه (والمحسوب هو على بعضهم) المتخالفين مع التأويل النمطي التقليدي، وعلى سعة صدر النص وحكمته، وليس على من ينصب نفسه حارسا عليه من دون جدارة، ونذكره أن الخطاب الأصولي المتشدد عندهم يستعير معنى آخر للنص مخالفا لمعناه التراثي الحقيقي، ويوظفه في صولاته السياسية على نحو يجعله متأخرا حتى عن روح العصر الإسلامي الأول.

في هذا الخطاب يصبح مفهوم مقولة "لا اجتهاد في النص" حابساً لانطلاق الفكر وكاتما للصوت والإبداع، باعتبار أن كلمة "النص" تأخذ عندهم معنى شاملا، على عكس ما يظهره تراثنا الذي انبنى وتنوع جوهره من خلال حواره مع النص. فالقصد التراثي للنص انحصر بالذي لا يحتمل إلا معنى واحدا ( أي قطعي الدلالة والثبوت)، وهي أمور قليلة جدا في القران الكريم، بينما تقع غالبية المسائل القرآنية في أبواب أخرى وفقا لدرجات وضوحها الدلالي.

وما دمنا نتحدث في موضوع التراث، فغني عن التوضيح أننا لا نقصد بمصطلح التراث ذلك المفهوم الضيق الذي يشاع عبر الفعاليات التي تقف وراءها وزارة المعارف والثقافة، وبعض الأطر العربية اليهودية المشتركة، والتي تحاول خلالها بدهاء إقناع شبابنا باقتصار تراثنا على الدبكات الشعبية والطبخ ولقاءات الحداءين وبيوت الشعر وبعض الأدوات التي استعملت في سياق تطور مجتمعنا.

ليس تراث الدين بل تراث المجتمع الذي نشأ فيه الإسلام

فالتراث كما نفهمه، هو مجموع ما أنتجه النشاط الإنساني لمجتمعنا العربي الإسلامي في سياق تطوره التاريخي، بحيث يشمل أيضا النتاج المادي، ولكن الأهم أساسا ما يقابله من مرجعيات قيمية مؤسسة ومن نتاج عقلي ثقافي في مجال الفكر والفلسفة والأدب والعلوم والسياسة والاقتصاد الخ، وعلى قواعدها المميزة تشيد نهضة الأمم، وهو ما سأحاول تبيانه لاحقا. إذا فالتراث بهذا المفهوم، لا يتناول الدين من ناحية ثوابته المعتقدية، وإنما من حيث علاقته ودوره وتفاعله مع الحياة الواقعية لمجتمعنا في سياق مشروع نهضته. من هنا فإن تراث المجتمع العربي الإسلامي ليس تراثا إسلاميا بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أنه ليس تراث الدين الإسلامي، وإنما هو تراث المجتمع الذي نشأ الإسلام في كنفه وشكل به فضاءه الفكري والأخلاقي فأغناه وقفز به إلى الأمام فاتحا ذراعيه للثقافات الأخرى وللتجدد. فهو لذلك تراث العرب المسيحيين وغير المسلمين ممن عاشوا في داره وظلاله وأسهموا في حراكه. والقومية العربية، كمفهوم اجتماعي تاريخي وسياسي، هي ثمرة لذلك المشوار الطويل لحضارة المجتمع العربي الإسلامي، أخذت شكلها الراهن كقومية عربية، منطقها الداخلي وأدواتها والكثير من أيدولوجيتها، من المنابع التراثية تلك. فهي إذا وجه آخر للإسلام –المجتمع والتراث – تربطها به علاقة جدلية لا انفصام ولا فكاك منه. أما التناقض البنيوي الذي يحاول السلفيون خلقه بينهما، فما هو إلا تعبير عن تناقض في وعيهم الداخلي.

هذه الحقائق الأساسية تبدو غائبة عن نظر الإسلامية، لهذا نجدها تنكر على التيار القومي حقه في البحث والتعاطي النقدي مع موضوعة التراث بادعاء أنها مسألة وثيقة الصلة بالدين، ولا يجوز ذلك إلا لأصحاب التيار الديني. لهؤلاء نقول إن مجرد التساؤل حول كيف ينبغي أن نتعامل مع تراثنا الفكري، فإننا في الواقع نسأل أنفسنا سؤالا آخر، ولكن بصورة غير مباشرة ألا وهو: ما هو موقفنا من الحداثة وإنجازات العصر؟ وكيف يمكن لنا الخروج من الهامش، أي أن التساؤل الآخر(موقفنا من الحداثة والعلمنة) هو بالذات الذي يعطي قضية التراث هذه الأهمية المضخمة. فلولا وجود هذا التحدي الوافد إلينا من خارج وعينا (أي الغرب) لأصبحت حدود المسألة التراثية مفهومة ضمنا وصراحة، كما هو حال المجتمعات الغربية، ولما تمتعت بهذا القدر من اهتمام الباحثين، ولما أصبحت القضية الأساس التي تتمفصل حولها كافة صراعات التيارات الفكرية المعاصرة، حتى باتت تعرف في قاموس الفكر بـ"إشكالية الأصالة والحداثة".

عليه، فإن فهم المسألة التراثية وخصوصيتها، واكتشاف عناصرها الحية وتخليصه من مضادات التقدم، تمثل شرطا أوليا في تبلور شخصية مشروعنا النهضوي الجامع. هذا ما ينبغي أن يبقى ماثلا أمام نظر أبناء التيار الوطني العلماني الذي ينكر بعضه أهمية هذا الحقل في عملية صياغة قسمات وعينا، وتشكيل أدوات التغيير الفعالة في حركة انعتاق مجتمعاتنا العربية من براثن التخلف والتشتت. انتماؤنا الجذري لهذه البيئة وثقافتها والتعمق الواعي بفهم محدداتها تعتبر مسألة مبدئية في تصوراتنا السياسية وفي مهمة تنشئة أجيالنا، وليس لغرض التحايل والمقارعة كما يطيب تكراره لدى بعض الأوساط الإسلامية. يتعين على أصحاب التوجهات التغريبية والعدمية في التيار العلماني الوطني أن يتذكروا ويتعلموا مما خبرته حركة اليقظة العربية من نماذج فكرية عدمية (يعقوب صروف وشبلي الشميل وإسماعيل مظهر وغيرهم) والتي انبهرت فاندفعت من دون رادع باتجاه التبني الكامل للنموذج الغربي على حساب الموروث الثقافي العربي الإسلامي، حيث عبرت عن حالة تنكر واستسلام شاملة فكان مآلها الفشل المدوي والمحتوم.

ميشيل عفلق: الإسلام ثقافة قومية وأضخم ما في التاريخ القومي

إن الحركة القومية العربية، ومنذ انطلاقتها كانت واعية للعلاقة المتينة بين العروبة والإسلام، وخير ما يمكن الاستشهاد به ما كتبه المفكر العروبي ميشيل عفلق في ذكرى المولد النبوي الشريف عام 1943، عن الخصوصية الاستثنائية للقومية العربية بارتباطها الوثيق مع الإسلام خلافا لطبيعة القوميات الأوروبية. وعذرا على الاقتباس المطول لأنني اعتقد أنه نص مؤسس قد يغنينا عن التخريصات المتداولة في السجالات الحزبية، وحيث كل كلمة فيه قد تسهم في الإفصاح عن حقائق هامة غيبها دخان المعارك العبثية بيننا، حيث يقول:

"فالفكرة القومية المجردة في الغرب منطقية إذ تقرر انفصال القومية عن الدين. لأن الدين دخل على أوروبا من الخارج فهو أجنبي عن طبيعتها وتاريخها، وهو خلاصة من العقيدة الآخروية والأخلاق، لم ينزل بلغاتهم القومية، ولا أفصح عن حاجات بيئتهم، ولا امتزج بتاريخهم، في حين أن الإسلام بالنسبة إلى العرب ليس عقيدة آخروية فحسب، ولا هو أخلاق مجردة، بل هو أجلى مفصح عن شعورهم الكوني ونظرتهم إلى الحياة، وأقوى تعبير عن وحدة شخصيتهم التي يندمج فيها اللفظ بالشعور والفكر، والتأمل بالعمل، والنفس بالقدر. وهو فوق ذلك كله أروع صورة للغتهم وآدابهم، أضخم قطعة من تاريخهم القومي، فلا نستطيع أن نتغنى ببطل من أبطالنا الخالدين بصفته عربيا ونهمله أو ننفر منه بصفته مسلما. قوميتنا كائن حي متشابك الأعضاء، وكل تشريح لجسمها وفصل بين أعضائها يهددها بالقتل، فعلاقة الإسلام بالعروبة ليست إذا كعلاقة أي دين بأية قومية. وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم. وإذا كان الواقع لا يزال بعيدا عن هذه الأمنية، فإن على الجيل الجديد من المسيحيين العرب مهمة تحقيقها بجرأة وتجرد، مضحين في سبيل ذلك بالكبرياء والمنافع، إذ لا شيء يعدل العروبة وشرف الانتساب اليها".

لا شك هو اختصار بليغ لمفهوم وخصائص مشروع الحركة القومية العربية التي يكاد يجهلها حتى كثير من القوميين، لكن الطامة الكبرى تتمثل في كيف تحول هذا الخطاب التوحيدي الراقي، في حساب المتعصبين في التيار الإسلامي، إلى طاغوت وشرك وأصنام ينبغي تحطيمها.

 

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص