السرية الطلابية: من يوثق تاريخ كوادر الثورة الفلسطينية؟/ رامي منصور

السرية الطلابية: من يوثق تاريخ كوادر الثورة الفلسطينية؟/ رامي منصور

قبل عام ونصف عام تقريبا، حصلت على كتاب “انثيال الذاكرة - هذا ما حصل”  لمؤسس دار الشروق للنشر في عمان، فتحي البس، الذي يسرد فيه سيرته منذ أن ترعرع في مخيم للاجئين الفلسطينيين قرب أريحا مرورا برحلة اللجوء في الأردن بعد النكسة وصولا إلى بيروت ومنها عودة إلى عمان.

ولست في وارد النقد أو التقييم الأدبي للكتاب - السيرة، فالكتاب صدر في العام ٢٠٠٨ وكتب عنه عدة مثقفين وقدموا مراجعات موضوعية.

ومراجعتي وكتابتي ههنا عن الكتاب مصدرها رغبة للتعرف أكثر إلى تاريخ “الثورة الفلسطينية” من خلال كوادرها وليس قادتها أو الصف الأول فيها، أي التعرف إليها من خلال تاريخها “غير الرسمي”. 

ومن هنا تنبع أهمية كتاب فتحي البس، عدا عن كونه قصة إنسانية تثير التقدير تجاه شخصية عصامية مثابرة نجحت رغما عن الظروف التاريخية بالالتحاق بالجامعة وبناء مشروع ثقافي، فها هو ابن المخيم الذي لا يملك من الدنيا إلا قوت يومه، يحصل على منحة بفضل اجتهاده للدراسة في انترنشيونال كوليج في بيروت ومن ثم دراسة الصيدلة في الجامعة الأميركية ليصل إلى رئاسة اتحاد الناشرين العرب. 

وبتقديري المتواضع، فإن “تاريخ الكوادر” لا يقل أهمية عن التأريخ “الرسمي”، لأن هذه السير كتبت بـ”نار ودم” لأشخاص عاشوا مرحلة هامة في تاريخ “الثورة الفلسطينية”، وصاغوها بلغة مباشرة عفوية صادقة وصريحة ونقدية إلى درجة ما. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى كتب صدرت في الأعوام الأخيرة تقع في إطار “تاريخ الكوادر” منها كتاب 'حوار مع معين الطاهر… الكتيبة الطلابية: تأملات في التجربة'، وأعده إلياس خوري وميشال نوفل، وكتاب شفيق الغبرا “حياة غير آمنة'، بالإضافة إلى”بيروت صغيرة بحجم راحة اليد” لأمجد ناصر والذي وثق فيه يوميات الاجتياح عام ١٩٨٢، وكتب أخرى.

وسأتناول الكتاب سياسيا، وخصوصا بكل ما يتعلق بالسرية الطلابية وتيار خط الشعب - خط الجماهير التي كان المؤلف جزءا منها والتي حملت لاحقا اسم كتيبة الجرمق وقدم مقاتلوها أسطورة بطولية في العام ١٩٨٢ في ما يعرف بمعركة قلعة الشقيف في لبنان، لتنتهي من سرية يسارية ثورية في أوساط السبعينات إلى “سرايا الجهاد الإسلامي” .

ينتمي البس إلى الجيل الأول لما بعد نكبة ١٩٤٨. هذا الجيل الذي سرعان من نهض من هول النكبة والتشرد إلى العمل السياسي والعسكري، وجيل الأحلام الكبرى والانتكاسات الكبرى أيضا. 

الكتاب أخاذ، إذ يتطرق للتطورات السياسية في لبنان من نهاية الستينات حتى أواسط السبعينات بأسلوب شيق وسلس، على الرغم من أن الكاتب ليس أديبا محترفا يكتب الرواية أو النثر، كما يعكس واقع اللجوء الفلسطيني بعد النكبة والنكسة والوجود الفلسطيني في لبنان بعد أيلول الأسود.

صراعات القيادة في منظمة التحرير و'فتح'

الكتاب يؤكد المؤكد: الأنظمة عدوة الثورة (عدا نظام عبد الناصر وبما فيها نظام البعث في سوريا وفي العراق)، الثورة فيها خلل بنيوي من الرأس،  فالكتاب يكشف عن صراعات القيادات في فتح وعن المعسكرات داخل أكبر فصيل فلسطيني لا علاقة لها بتحرير فلسطين أو مواجهة الاحتلال، وإنما صراعات “سلطة” وقوة، إذ يدور الحديث عن قائد طلابي في الجامعة الأميركية لديه نفوذ واسع بين الطلاب لكنه يرفض الانضواء تحت عباءة أي من القيادات رغم تقديره لها مثل أبو إياد وأبو جهاد، ويكشف عن حجم الصراعات داخل فتح بكل ما يتعلق بتركيبة اللجنة المركزية في أعقاب الخروج من الأردن بعد أيلول الأسود.

وهذه الصراعات التي أخذت شكل “مكاتب” تضر بعصب الثورة وتنخر جسدها والتي انتهت بالانشقاق الشهير في فتح وتشكيل فتح الانتفاضة.

خط الشعب - خط الجماهير

لم يتناول التأريخ “الرسمي” ما يمكن تسميته مجازا التيار الماوي في حركة فتح (اليسار الشعبي الثوري)، والذي كان يطلق عليه خط الشعب - خط الجماهير وكان يشمل طلابا لبنانيين من مختلف الطوائف إلى جانب طالبات وطلاب فلسطينيين، ووحدتهم ما أسماه البعض “اليوتبيات العملية” في الأعوام ما بين ١٩٦٩ - ١٩٨٤. 

رفض التيار الانضواء تحت أي معسكر من المعسكرات داخل فتح، وتشكل أساسا من طلاب جامعات بيروت واستلهم عقيدته وفكره من التجربة الصينية والفيتانامية وكتاب “خط الجماهير” لماو تسي تونغ، وركز على ضرورة التفاعل مع البيئة الشعبية الحاضنة للثورة.

كان من مؤسسي الخط الناشط الطلابي إدي زنانيري ومنير شفيق (كان منظّر الخط) وشقيقه الشهيد جورج،  وفي فترة لاحقة محمد محمد بحيص (واسمه الحركي أبو حسن قاسم) ومحمد باسم التميمي (اسمه الحركي حمدي) ومروان الكيالي وسعد جرادات ومعين طاهر ومحمود العالول وكوكبة طويلة من المناضلين.

وشدد الخط على ضرورة استقلالية القرار الفلسطيني ورفض سياسة “الإلحاق والهيمنة” السوفيتية كما وصفها زنانيري. 

هذه النخبة الطلابية إما استشهدت في ميدان الحرب والمواجهة مع إسرائيل واليمين اللبناني، أو اغتيلت من قبل الموساد، كما حدث مع القادة الثلاثة حمدي وأبو حسن ومروان الكيالي، الذين اغتيلوا في العام ١٩٨٨ في قبرص عشية الانتفاضة الأولى وتأسيسهم سرايا الجهاد الإسلامي. أو انتهى بهم الأمر إلى  'التقاعد' سياسيا في ظل الواقع الفلسطيني الراهن والبائس.

يمكن اعتبار هذه التجربة بأنها أنبل ما في التجربة الفلسطينية في لبنان، رغم أنني ضد الجزم عموما، لكن كان فيها من البراءة والنقاء ما يستحق التقدير والتوثيق، فأبطال هذه الفترة ما زال قسم كبير منهم يضمر في داخله الكثير عن هذه المرحلة.

لكن رغم نبلها، فإن التجربة في سياقها الفلسطيني العام تؤكد أنه ليس بـ'الفكر النبيل' وحده يحيى الإنسان وتحرر الأوطان، وأن الحديث عن 'قضية فلسطينية' و'قرار فلسطيني مستقل' بمعزل عما يجري من حولنا ليس واردا وليس واقعيا وأن الأنظمة مهما حملت من شعارات تقدمية مثل النظام السوري أو العراقي فإن مصلحتها تغلب المصلحة الوطنية والقومية. في المقابل لا يمكن تحرير الأوطان دون الأفكار النبيلة والقيم السامية وإلا  سيحصل ما تساءل عنه فرانز فانون بأن هل الهدف من النضال والتحرير وحق تقرير المصير هو استبدال الشرطي الأبيض المستعمر بشرطي محلي لا يقل استبدادا وقمعا عن المحتل. ويبدو هذا ما حصل فلسطينيا.

السرية الطلابية

يمكن اعتبار الثاني من أيار/ مايو من العام ١٩٧٣ تاريخ إنطلاقة السرية، وذلك من خلال انخراط طلاب خط الشعب - خط الجماهير في الدفاع عن مخيم صبرا وشاتيلا من اعتداءات الجيش اللبناني. وقد تزامن تحرك الجيش اللبناني مع اغتيال ثلاثة من قادة فتح الرئيسيين في بيروت وهم كمال عدوان وكمال ناصر  أبو يوسف النجار، كما تزامن مع إعلان الجيش اعتقال مجموعة فدائية فتحاوية في مطار بيروت بالإضافة إلى اعتقال مسلحين فلسطينيين قرب السفارة الأميركية في بيروت.

دافع أعضاء التنظيم الطلابي الذي أصبح لاحقا اسمه السرية الطلابية عن المخيم ببسالة وأوقفوا تقدموا الجيش اللبناني على الرغم من انعدام الخبرة القتالية والعسكرية لدى الطلاب لكن الإصرار والعزيمة صدا التقدم.

ولاحقا كان للسرية دورا في مواجهة اجتياح إسرائيل للبنان في العام ١٩٨٢ وتمترست في خطوط التماس الأمامية، وصمدت صمودا بطوليا كما في الخيال.

يطول سرد سيرورة وتطور السرية الطلابية ومآلاتها، لكنها تبقى نموذجا للنقاء الوطني فوق الحزبي وفوق المعسكراتي. لذا تستحق هذه التجربة المزيد من البحث والتوثيق بالإضافة إلى توثيق شهادات الكوادر من مختلف التنظيمات، لأن التاريخ النضالي الفلسطيني يستحق أن يوثق وكشف مكامن الخلل في التجربة الفلسطينية التي انتهت إلى ما انتهت عليه من انعدام لمشروع وطني فلسطيني نضالي وانسداد الأفق السياسي أو ما يسمى التسوية مع إسرائيل أو مشروع الدولة.

واختم باقتباس من كتاب فتحي البس (صفحة ٣٣٧) تعكس حال الوضع الفلسطيني:

“كنت أحاول قطع الشارع في منطقة دوار الساعة (في رام الله). أقبل علي شرطي سير وشدني من ربطة عنقي صارخا، أنت فتحي البس، تلبس البدلة وتتبختر في شوارع رام الله وأنا أنظم السير! طبعا لا بد أنك قائد في السلطة. 

تمالكت نفسي وأجبته أن هذا أول يوم لي في رام الله ولست قائدا في السلطة…وسألته من هو؟ أجاب بغضب أنه أحد ضحاياي، نظمته في بيروت في مطلع السبعينات ليناضل من أجل تحرير فلسطين، فانتهى به المطاف ينظم السير وهو الذي كان صقرا يحلق في فضاء الثورة… وشعرت بأن الكثيرين من أمثاله خاب ظنهم. ليس هذا ما أراده من العودة إلى وطنهم…”.

(مؤخرا انتجت قناة الجزيرة فيلما وثائقيا يوثق قصة السرية الطلابية).

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018