القدس.."الهم الشاق" والحيرة../ نزار السهلي

القدس.."الهم الشاق" والحيرة../ نزار السهلي

يبدو لبعض المراقبين النظر لهبة الفلسطينيين هما شاقا من زاوية الحاضر الذي نئن تحت وطأته، ومن زاوية الأهداف الإستراتيجية البعيدة لنضالات الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، والقدس ومدن الضفة، على وقع المواجهات اليومية التي يخوضها الفلسطينيون مع قوات الاحتلال.

 سقوط العديد من الشهداء والجرحى، وتكثيف حكومة نتنياهو الإجراءات العقابية والعدائية ضد السكان الأصليين، يُبرز علائم الإجرام والفاشية المنتهجة بحق الشعب الفلسطيني، ويطرح أسئلة مثيرة للحيرة و"النقاش" مجددا حول جدوى المواجهة مع المحتل، وبطبيعة الحال أدت هذه النقاشات التي تطورت خلال العقدين الماضيين إلى قناعة لدى تيار فلسطيني وعربي، كرس لعقلية أحادية تلتزم وتحرص على ضمان استمرار العلاقة مع المحتل، بغض النظر عما تؤول إليه الأوضاع الميدانية والسياسية بهدف التمسك بإستراتيجية "السلام".

الخيارات التي تطرحها المرحلة الراهنة من نضال الشعب الفلسطيني، في مدن الضفة والقدس والجليل والمثلث والنقب، تطرح تصور المستقبل الذي كانت تحذر منه جل القطاعات النضالية من اجتهادات العقلية السياسية التي تقود النضال الفلسطيني، وما أنتجته من فكر وممارسة خاسرين للمستقبل الذي نعيش لحظاته في غموض ما طرحته سابقاً قيادة حركة التحرر الفلسطيني، وما تؤكد عليه في كل المناسبات وبين وضوح الهدف الإسرائيلي المعلن منذ النكبة والنكسة، إلى أوسلو التي عبدت لنا طريق المشقة التي نسلكها، ترتب على هذه الخيارات الموقف النضالي الذي يجسده اليوم أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، بمعنى الاتجاه لمواجهة العدوان المتنامي على الأرض والمقدسات والتصدي للفاشية الصهيونية التي تنسف كل الأوهام التي يتمسك بها الطرف الرسمي الفلسطيني.

ومن هنا نربط فعلا ربطا حسيا وملموساً، الموقف الرافض لكل الإجراءات والسياسات العدوانية الإسرائيلية، ببرامج الحركة الوطنية وقياداتها في الداخل الفلسطيني التي عبأت حولها الجماهير الفلسطينية، ودعواتها للتظاهر والغضب والإضراب لقطع الطريق على تمدد الفاشية الصهيونية، والانتقال إلى الموقع الجذري الأفضل على قاعدة ارتكاز واحدة شدت إليها الجماهير الفلسطينية في الداخل مضمونها الكلي العمل للتصدي لسياسة القتل والتهويد والعنصرية الآخذة بالتصاعد من حكومة نتنياهو وأقطابها العنصريين، الذين وجدوا إسناداً من مختلف الأحزاب الصهيونية لفرض أشكال العقاب والعدوان بحق المقدسيين أولا من خلال تطويق مساكنهم بكتل إسمنتية وعوائق سلكية، ومن ثم الدعوة لبلورة مجموعة قوانين عنصرية للفلسطينيين داخل ما سمى الخط الأخضر، ليس أولها دعوة الإسرائيليين لحمل السلاح، ولا انتهاء بعمليات تسريع هدم البيوت وسحب "المواطنة" ومعاقبة النواب العرب و محاصرة أحزابهم.

من هنا، ولهذه الأسباب السيكولوجية الأخرى التي توسم العقلية الإسرائيلية، تأخذ هبة الشعب الفلسطيني منعطفاً هاما في مجرى الصراع بالأخذ بحقيقة رسم الأهداف والبرامج النضالية التي كانت قائمة في الداخل الفلسطيني قبل هبة القدس الأخيرة، وفي ضوء النتائج التي يخلفها العدوان مع تنامي ظاهرة الاعتداء على الأقصى وتدنسيه من قطعان المستوطنين إضافة لجملة السياسات العدوانية بحق الأرض والإنسان الفلسطيني، بهدف فرض الأمر الواقع لجهة الاستيطان والتهويد وطمس الهوية، بات من واجب كافة القوى الوطنية في الداخل أن تركز بشكل آني على وحدة موقفها ونضالها بما يخدم خصوصيتها كرمز معبر عن استمرار وجود الشعب الفلسطيني فوق أرضه التاريخية.

ربما يكون الهدف الأساسي المطلوب هو الحيلولة دون انزلاق الموقف الرسمي الفلسطيني لاستثمار نضالات الشعب الفلسطيني بدفع ثمن بخس كما هو معهود بحالة الاستثمار المرير لكل نضالاته وانتفاضاته، وهذه نقطة مفروض أن نتأملها جيدا على ضوء التنسيق الأمني المستمر بين السلطة وإسرائيل، وقياسا بطبيعة الحال إلى النتائج التي ارتسمت في ذهن الشعب الفلسطيني حول صحة واستمرار العقلية السياسية لقيادة مشروع تقول إنه يصطدم بالعدوان الإسرائيلي المستمر ولا تملك سوى "التمسك" بخيارات تعترف أنها فاشلة وساقطة دون تقديم بدائل نضالية، كان الشعب الفلسطيني سباقاً إليها في كل المراحل العدوانية.

بالتأكيد حالة الحرج والحيرة والهم، تصيب العقلية السياسية الرسمية الفلسطينية والعربية جراء تنامي حالة النضال في الداخل الفلسطيني عام48، المبتعد عن خيوط التنسيق الأمني الرسمي وبعيد عن حسابات الفصائل الفلسطينية والمال السياسي، بما يجعل السيطرة والتطويع مهمة معقدة وفاشلة وخاسرة للطرف الإسرائيلي، وبغض النظر عما يريده الطرف الرسمي الفلسطيني، فإن الشعب الفلسطيني يدرك مدى قدرته على تحطيم الفاشية والعنصرية الصهيونية لأنه وحده يعي كيف تفكر العقلية الإسرائيلية لجهة الأرض و"الأمن".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018