مؤتمر فيينا.. إعادة صياغة/ غازي دحمان

مؤتمر فيينا.. إعادة صياغة/ غازي دحمان

لا يمكن وصف البيان الذي خرج به مؤتمر فيينا بهدف إيجاد مخارج سياسية للأزمة السورية بالإنشائي، مؤشراً للفشل الذي وصل إليه، لأن لغته لم ترق إلى ذلك المستوى أصلاً، بل إن الوصف الأكثر انطباقاً عليه هو التلاعب بالألفاظ، طالما لم يتجرأ على الوصول إلى قلب المشكلة وملامستها، وكل النقاط الواردة في البيان الفقير لا يمكن تطبيقها إذا ما بقيت المشكلة الأساس، بشار حافظ الأسد، فلا مطالبة البيان بالمحافظة على سورية دولة علمانية، وكذا إلغاء الطائفية، تشكل آليات عمل يمكنها الوقوف في وجه آليات التفتيت والتقطيع والتحريض التي تمارس على الأرض بأسلحة حقيقية وباللحم الحي.

والإبقاء على التفاوض الدبلوماسي مفتوحاً، يشبه إبقاء بطن الشرق الأوسط مفتوحاً تحت مباضع الجراحين، والتأمل في بؤرة الورم، وانتظار انتشارها إلى باقي الأطراف، بما يعني ذلك من إمكانية إجراء عمليات قص ولصق عناصر وأعضاء جديدة، وانتظار ظروف التشكّل الجديدة حتى تنضج أكثر.

لكن، وبعيداً عن التطرف في وصف الأمور، هل بشار الأسد هو جوهر المشكلة؟ هشاشة موقعه وضعف تكوينه الحالي، وتبعيته المطلقة، تضعه في موقع أصغر بكثير من أن يكون بحجم المشكلة التي صارت عليها أزمة المنطقة، ربما كان في مرحلة سابقة يجسد هذه المشكلة، أو بعض وجوهها، لكن التعقيدات التي أضافها مشغلوه عليه جعلته مجرد واجهة تتخفى خلفها عقد كثيرة. والدليل أن بشار الأسد لم يعد أكثر من ظل شفاف، يمكن من خلاله رؤية الحقيقة الكاملة، مصير سورية والشرق الأوسط الجيوسياسي.

ليس مصادفة أن تسبق اجتماعات قاعات فيينا تصريحات رؤساء اثنين من أهم أجهزة الاستخبارات التي عملت في المنطقة في السنوات السابقة، فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، تفيد بنهاية الشرق الأوسط واستحالة عودته إلى الصورة التي كان عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وكذا استحالة عودة الدولة المركزية في القلب منه، العراق وسورية، برنار باجوليه مدير الاستخبارات الفرنسية وجون برينان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، لم يكونا بصدد تحليل الواقع، ولا وضع قراءات استشرافية، الأرجح أنهما كانا يصدران عن معطيات وتقديرات، وربما يبوحان بتفاهمات يجري العمل عليها.

في السياق التاريخي للتشكلات الإقليمية، لا تفيدنا كثيراً تجربة "سايكس بيكو" لتفسير الوقائع

الحاصلة في المنطقة، واستشراف مآلاتها، ذلك أن الاتفاق المذكور كان نتيجة تفاهم قوى كبرى على اقتسام مناطق النفوذ بينها، كما أن هذا الاتفاق، وعلى الرغم من كل العيوب التي ينطوي عليها، والنقد الذي طاوله، إلا أن أهم ميزة فيه تجسّدت بانغلاق نوافذه تماماً على الكيانات التي تأسس عليها. وعلى العكس، بقي مفتوحاً على احتمالات دمج كياناته وتوسعتها أكثر من احتمالات تفتتها، كما أنه راعى، بدرجة كبيرة، تراكب الوقائع الاجتماعية مع العناصر الاقتصادية والحركة التجارية والحدود الجغرافية، والأهم أنه أوجد بيئة دولية تدافع عن صيغته. لذلك، يمكن ملاحظة أن النشاط العسكري الجاري في المنطقة يهدف إلى تفكيك نظام سايكس بيكو بكامله، من إطاره الخارجي إلى العلاقات المتشكّلة في داخله "اجتماعية واقتصادية" لبناء النظام الجديد، وليس استيلاد نظام من الإطار السابق نفسه.

الحالة التاريخية الأقرب تفسيراً هي حالة أفريقيا بعد مؤتمر برلين وحتى الحرب العالمية الثانية، حيث شكّلت مساحة لصرف طاقات القوى الصاعدة (ألمانيا وإيطاليا) وإبعاد شرورها عن أوروبا، وإقصائها عن الشرق الأوسط وآسيا الهندية. وفي مطلق الأحوال، جسّدت المنطقة الوحيدة التي كان من الممكن أن تشكّل القبول بأقل خيارات التنازل سوءاً بالنسبة للقوى العظمى في ذلك الوقت (بريطانيا وفرنسا) أمام ضغط قوة ألمانيا وإيطاليا الصاعدتين. وبميزان الحسابات، وعلى الرغم من أهمية الأصول الاستراتيجية لقلب الشرق الأوسط، سواء لجهة قربه من أوروبا، أو من منابع النفط، إلا أن الصراعات الداخلية حوّلته إلى كومة ركام، كما أن البنى الصراعية المتشكلة بداخله ومحركات ذلك الصراع ومحفزاته ستبقى على اشتغال فترة زمنية طويلة، وهذه الوضعية هي سر مرونة أميركا تجاه التمدد الروسي الإيراني في هذه المنطقة، وربما تفسر لا مبالاة أوروبا فيها.

ولعل من المفارقات العجيبة أن هذا الشرق الأوسط المراد نشوءُه لا تملك أي من القوى المتدخلة القدرة على تظهيره، وفق رزنامة زمنية محددة. لذلك، تعتمد على الفوضى المديدة وأعنتها كآليات تشغيلية، بالإضافة إلى تزخيم الواقع بمزيد من التعقيدات التي يمكن استثمارها في تظهير هذا الواقع الجيوسياسي، من نمط الإصرار على عدم حل عقدة الأسد، وتركها تتفاعل دينامية تشغيلية تساهم في صناعة الواقع المرتجى.

على شكل تسريبات من هنا، واستشرافات من هناك، وبخجل وكثير من التقية المتعمّدة، يجري الحديث عن هذا النمط الجيوسياسي المراد تأسيسه، لا أحد يجرؤ على القول المباشر، ربما لعدم امتلاك جميع الأطراف التصور الواضح عن حدود هذا التشكّل وماهيته، والأكيد لأن اكتمال إنجازه يحتاج إلى الكثير من الدماء واللحم الحي. وفي هذه الحالة، سوف تشكل المؤتمرات الشبيهة بمؤتمر فيينا واحدة من الآليات التشغيلية، نظراً لما توفره من مساحة مهمة للمناورات الدبلوماسية، فيما الميادين والجبهات تعمل على إنجاز الصياغة. المهم أن الصراع جرى تأطيره بشكل نهائي على أنه صراع سني- شيعي، وكل البيانات السابقة لن تستطيع إعادة هيكلته، طالما أن روسيا وإيران تصرّان على بقاء بشار حافظ الأسد. 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018