ولم يتبق من الحسكة الا اسمها.../ نسرين مصاروة

ولم يتبق من الحسكة الا اسمها.../ نسرين مصاروة

ولم يتبق من الحسكة الا اسمها * ومن بين معاني الاصطلاح في اللغة العربية 'الحقد والعداوة'

عندما قررنا، مجموعة من الأصدقاء، أن نسافر نحو اليونان لمساعدة اللاجئين السوريين، كنا على يقين أنه لا أفضل من الفلسطيني بمثل هذه الويلات والنكبات. ما لم نكن نعرفه أن اللاجئين آتون من العراق، أفغانستان وسوريا؛ من كل صوب لم يبق غير الموت فيه.

التقينا بكثير من الناس الذين تركوا حياتهم وجمدوها من أجل مساعدة من أجبروا على ترك بيوتهم، عائلاتهم وجثامين أحبائهم في الخلف.

'لهالدرجة الوضع سيئ'

الأيام في جزيرة ليسفوس عبارة عن ثلاثة أجزاء كل يوم: وردية الصباح، وردية المساء ووردية الليل. في الحقيقة، ليس الأمر بهذا الترتيب، لأن الورديات والمتطوعين لا يمكنهم أن يغطوا عديد اللاجئين الذين يصلون ليل نهار، بعد أن أنهكهم الموج، في أحسن الأحوال، أو بعد أن هزمهم عمق البحر في أمرّها. أسوأ الساعات كانت ما بين الثانية والرابعة فجرًا، ساعات العتمة التي نعرف أن إحدى القوارب وصلت بسبب ولولة الناس 'شوفولي براءة، براءة ميتة، يا ربي براءة ميتة ساعدوني'، ولولة من هذا القبيل. نهب كلنا باتجاه هذه الأجساد الجليدية، لا نعرف من هي براءة، لكننا نحتضن الأطفال ونحمل الناس إلى مكان دافئ، نلفهم بالبداية بغطاء الطوارئ البلاستيكي لمنع دخول الهواء البارد، ثم نبدل الملابس الرطبة بملابس جافة، نعطي كل إنسان منهم ماء وقليلًا من الفواكه (لرفع السكر في الجسم)، وبعض الأكل الخفيف، بعد بضع ساعات نرى اللون الكحلي اختفى عن وجوههم وعادت أطرافهم إلى التحرك، فننتقل إلى القارب التالي. يبزغ الصباح.

لا مكان للألم. عندما ينجو اللاجئ فهو لا يريد أي شيئ، منهم من كان يقول لنا إنه على استعداد للبقاء دون طعام لشهر إن ضمن الا يعود من حيثما أتى. كنت أتساءل، وأنا أخبئ دموعي وحرقتي بكل قوة: 'لهالدرجة الوضع سيئ'، فتعلو ابتسامة طفيفة على وجه اللاجئة او اللاجئ ويبدأ بسرد قصته/ها.

أقساها، كانت قصة رجل كانت أمه قد قتلت في الحرب، تم دفنها في ساحة البيت، ولم يستطع الخروج لزيارة قبرها لمدة أكثر من شهرين، ولما توقف القصف والقتل خرج لينزح دون رؤية القبر الذي غطّاه ركام البيوت المهدومة.

يوم الأربعاء، يوم الموت، 28.10.15، اليوم الذي لن أنساه ابدأ. ظننت أن أكثر الأيام حزنًا في حياتي، كان يوم توفت جدتي الحبيبة. لكن الخوف والهلع يوم الأربعاء الذي أصابنا بموليفوس باليونان، كان أكبر من أي حزن.

بدأت قوارب الموت تصل منذ التاسعة صباحًا، أولها حمل طفلًا أفغانيًا يبلغ من العمر 3 سنوات، كان قد وصل الشاطئ بعد أن فارق الحياة. حتى المتطوعون بدأوا يفقدون حيلتهم بعد رؤية أهل الطفل ينتحبون ويضربون جسد ابنهم ليصحو، ربما كانوا سيقولون له إنه آمن الآن وإن الحرب انقضت، لكنه انقضى أيضًا.

حين أصبح الميناء غرفة إنعاش

في القوارب التالية، التي كان آخرها في الساعة الخامسة فجر يوم الخميس التالي، لم نعد نميز جنسيات الجثث فيها. تشتت العائلات في البحر، كان الذعر يحرك أطراف الناجين المزرقة فيزعقون ألمًا وأنينًا. صارت أرض الميناء في موليفوس غرفة انعاش، أكثر من 15 جسدًا ملقى على الأرض يحاول الناس انعاشه، ولم يكن من الأطباء العدد الكافي لرؤية كل المصابين. من لم يحتج لإنعاش كان بحاجة إلى أجهزة تدفئة قبل أن يفقد أطرافه أو وعيه، ومنهم كثيرين قد فقدوها.

في القارب الأخير كنا بطريقنا إلى البيت، بعد أن أنهكنا التعب. صامتين في السيارة، ليس باستطاعتنا التفوه بأي شيئ، أما أنا، فقد كنت أفكر كم أنا بحاجة أن أرى أمي وأبي وإخوتي، وكيف لا يستطيع اللاجئون حتى أن يتمنوا مثل أمنيتي.

فجأة، رأينا متطوعًا سويسريًا آخر يركض بهلع أمام السيارة ويدعونا أن نتوقف 'ارجعوا، ارجعوا، في كمان قارب'... هذا القارب كان قد وصل إلى الميناء صدفة، وليس بمساعدة خفر السواحل. صعدنا ركضا كالمجانين، فرأينا أول امرأة نجحت أن تخرج من القارب تصيح 'شوفولي براءة، براءة ميتة، يا ربي براءة ميتة ساعدوني'، تناول الدكتور صفوت جسد براءة وبعد أن تأكد أنها ليست ميتة وضعها بحضني وركض نحو باقي القارب وقال 'نسرين، خذيها على محل دافي'... لم أعرف ما ينبغي أن أفعل، ركضت كالمجنونة على الشاطئ أحمل براءة بين يدي، وهي تبدو كقطعة جليد بنفسجية وصحت بوجهها' براءة حبيبتي تموتيش رَح أدفيكِ' دون أن أعرف إن كنت سأنجح بتدفئتها فعلًا، وصلت إلى مخزن الملابس الذي تبرع بها أناس من كل العالم، وصحت 'ساعدوني، ساعدوني' فهب اللاجئين الذين غفوا قليلا بالشارع وساعدوني بتبديل ملابس براءة، لم تكن أيّة علامة من علامات الحياة بالجثة البنفسجية، ولم يكن لدي حلم أكبر من أن تفتح عينيها في تلك اللحظة.

براءة ماتت؟

عاد الطبيب مع طفلتين بوضع صحي سيئ جدًا، وصل طبيب آخر، أخذوا براءة والطفلتين لإنعاشهما. في تلك اللحظة هناك شيئ مني مات، هناك شيئ بداخلي أصبح بنفسجيًا كوجه براءة. هذه الطفلة التي عرفت اسمها صدفة من أنين أمها، مثلها مثل ثلاثة آلاف لاجئ يصلون كل يوم، لا نعرف أسماءهم فيبقون أرقامًا يابسة.

في تمام الساعة الخامسة والنصف فجرًا، عاد الطبيب منهكًا، يخرج يديه من الكفوف المطاطية ويقول 'نسرين، براءة وأخوتها مناح' مبتسمًا. هي عادت إلى الحياة، صدفة، والكثيرون الكثيرون لم تصلهم قوارب الإنقاذ، ولم يرتطم قاربهم بالميناء صدفة وبقوا في قاع البحر مرتاحين من دوي الظلم والقهر.

كلما تذكرت يوم الموت، ذكرت نفسي بكل فلسطيني كان يمر بي فيعرف أنني فلسطينية 'من لهجتك'. كان الفلسطيني إن سألناه من أي دولة أنت قادم، يقول 'أنا فلسطيني'، متمسكًا بهويته العكاوية، البرعمية، السخنينية، الطبرية وكل شيئ غير فلسطينيته يعتبره مرحلة.

كلما تذكرت وجوه اللاجئين، احتقرت الحياة لبخسها وتمسكت بها لضعفي. هذه التجربة المدرسة علمتني أن لا شيئ يسعف الإنسان إلا الإنسان، وإن العدل، لو اقترب إلى الوهم، فهو من حقنا، والحقوق لا تمنح بل تنتزع.

تعلمت أن هذه التجربة علمتني كيف أن البلوغ بإمكانه أن يصير بين ليلة وضحاها، وأنني بلغت الحياة من وجوه اللاجئين.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018