68 عاما على قرار التقسيم: إسرائيل تجهز على حل الدولتين/ سليمان أبو إرشيد

68 عاما على قرار التقسيم: إسرائيل تجهز على حل الدولتين/ سليمان أبو إرشيد

بعد مرور 68 عامًا على قرار التقسيم الذي أجمع الشعب الفلسطيني وقيادته، في حينه، على رفضه لأنه قرار ظالم ومجحف بحق الشعب الفلسطيني، صاحب الحق وصاحب الأرض وصاحب الأغلبية العددية فيها- بعد مرور هذا الردح من الزمن، ها هي الحركة الصهيونية ممثلة بتجسيدها المادي، إسرائيل، تغلق الدائرة مرة أخرى على أي إمكانية لتقسيم البلاد وتنسف حل الدولتين من أساسه.

عشرات السنين منذ أوسلو وما قبل أوسلو تمرّسنا خلالها، كلنا أو بعضنا، في أسلوب جلد الذات والولولة على "الفرصة التاريخية" التي "أضعناها" لإقامة دولة فلسطينية بـ"رفضنا" لقرار التقسيم المذكور، واحترفنا خلالها سياسة القبول بالقليل والانبطاح بديلا عن سياسة الرفض والمقاومة، فلم نكسب سوى الذل وخسران الكرامة الوطنية.

لقد صفق البعض، ممن أيدوا تاريخيًا قرار التقسيم، لكل تراجع من قبل منظمة التحرير الفلسطينية الذي لم يتوقف عند حل الدولتين، وأطلقوا مقولتهم الشهيرة "الحجر الذي رفضه البناؤون أصبح حجر الزاوية".

وها هي مسيرة التراجع التي بدأت في الموافقة على إقامة دولة فلسطينية على 22% من مساحة فلسطين التاريخية وتواصلت بمزيد من الانهيار في العملية التي نتج عنها اتفاق أوسلو واختزال القضية بكانتونات معزولة، هي التي تؤدي بالتالي إلى نسف حل الدولتين والقضاء على أي إمكانية لتقسيم البلاد حتى ولو بحدود 1967.

قطار التراجع والانهيار الذي انطلقت عربته الأولى في أوسلو، وسمّي بقطار التسوية، داس بعجلاته كل من وقف أمامه، وعلى رأسهم مطلقه الراحل ياسر عرفات، بعد أن بات عائقا أمام تقدمه، وهو جاهز للدّوس على أبو مازن الذي يقف اليوم في محطة أخيرة من حياته تتراءى له فيها تجربة أبو عمار، من جهة، وتجربة حياته التي يريد أن يختمها بقليل من الشرف الوطني، من جهة أخرى.

وإن كانت تجربة عرفات الذي ظل يناور بين المقاومة والتسوية الى آخر رمق، حيث اختار أن يختم حياته شهيدًا شهيدا، كما قال، على أن يفرّط بالثوابت الوطنية، ليست برهانا كافيا على زيف ادعاءات الصهيونية، بشقيها العمّالي والليكودي، واستعدادها للعيش بسلام مع الشعب الفلسطيني حتى لو رضي بالقليل القليل من الأرض ليقيم عليها دولة أو دويلة، إذا كانت تجربة عرفات غير كافية فهاكم تجربة أبو مازن الذي أدان الكفاح المسلح ولعن المقاومة ويلتزم بالتنسيق الأمني مع إسرائيل في عز الانتفاضة، ومع ذلك وصفه شارون بالـ"فرخ منتوف الريش" ولا يعتبره نتنياهو شريكا للسلام ويلقى التهديدات من ليبرمان بأن يصيبه ما أصاب عرفات.

إسرائيل التي احتلت في 1948 أراضي الدولة الفلسطينية التي كان من المزمع إقامتها وفق قرار التقسيم وأكملت احتلال كامل فلسطين التاريخية في 67 وما زالت ترفض الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 67، وليس الى حدود تقسيم 48، علما أن لا أحد يطالبها بذلك، هي من ضربت بقرار التقسيم عرض الحائط وما كانت موافقة الشعب الفلسطيني أو عدمها لتغيّر شيئا، وهي التي داست بجنازير دباباتها الخط الأخضر، وهي التي سعت ونجحت في تدمير حل الدولتين. وها هي قيادة شعبنا توافق على دولة في الضفة والقطاع، فلماذا لا يأتي المجتمع الدولي ويفرض على إسرائيل تطبيق قرار مجلس الأمن 242 والانسحاب إلى حدود 67؟ فهل من عاقل يتخيل أن المجتمع الدولي كان سيفرض قرار التقسيم 181 على إسرائيل بالقوة لو وافق عليه الشعب الفلسطيني، علمًا أنه قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وليس عن مجلس الأمن، خاصة إذا ما علمنا أن الجمعية العامة أصدرت منذ عام 1947 وحتى 2004 أكثر من 820 قرارًا يخص القضية الفلسطينية لم يطبق منها أيّ قرار. هذا ناهيك عن إدراك الصهيونية أن ميزان القوى على الأرض لصالحها، وما كانت لتعدم الذريعة لشن الحرب واحتلال الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية.

إن إسرائيل هي ثمرة مخطط صهيوني كولونيالي قُرّر له أن يبتلع فلسطين ويزحف باتجاه أراض عربية أخرى، وأن يشكل قاعدة متقدمة ورأس حربة لديمومة الهيمنة الغربية على المنطقة. وقد لعبت على مدى 67 عامًا من عمرها هذا الدور وما زالت، في العدوان الثلاثي على مصر وفي حرب 67 وفي الحربين الأمركيتين ضد العراق والحروب التي شنتها على لبنان وغزة، والحبل على الجرار! وقد سعت خلال هذه الحروب الى الاحتلال والتوسع على حساب أراضي الغير، استنادًا إلى طبيعتها التوسعية الكولونيالية، ولذلك من السذاجة القول إننا أخطأنا عندما لم نوافق على قرار التقسيم، الذي شرعن اغتصاب فلسطين بادعاء أنه كان سيمنحنا دولة لم ننجح في إقامتها بعد 68 سنة من صدوره، وكذلك لم تنجح أي دولة عربية في تحقيق الاستقلال الوطني بالمعنى الاقتصادي والسياسي وتحقيق حلم شعوبنا في الوحدة والتقدم والرخاء، لأن إسرائيل كانت جاهزة لضرب أي مشروع عربي أو قطري يسعى للخروج من حظيرة الهيمنة والتبعية.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة