التجمع والتجديد… على أعتاب المؤتمر السابع/ ممدوح إغبارية

التجمع والتجديد… على أعتاب المؤتمر السابع/ ممدوح إغبارية

ناقشت باقتضاب في مقالة سابقة نشرتها على صفحتي في الفيس بوك التجديد المطلوب والثبات المتوقع للتجمع الوطني الديمقراطي، وطرقت ثلاثة أبواب وهي النضال الشعبي ولجنة المتابعة والخطاب الاجتماعي للتجمع، وأكتب هذا المقال عطفا عليها لأناقش الاقتصاد العربي والعلاقة مع المجتمع الإسرائيلي والنضال البرلماني والقائمة المشتركة وأهمية التغيير في القيادة على اعتاب المؤتمر السابع للتجمع. 

الاقتصاد العربي

إن الواقع الاقتصادي لعرب الداخل معقد، خصوصا في ظل الارتهان الكامل للاقتصاد الإسرائيلي. علينا حالا التكاتف والمباشرة بوضع خطة إستراتيجية مع أهداف عينية يمكن الحشد عليها، وما قدمته القائمة المشتركة مؤخرا في اعتقادي غير كاف وبحاجة لتعديلات.

بعيدا عن الشعارات، التجمع بحاجة إلى أن يضع خطة عمل وبرنامج وأهداف عينية وقياسية تهدف إلى إقامة اقتصاد عربي مستقل غير منفصل عن الدولة، وفي الوقت نفسه غير مرهون لاقتصاد الدولة. ذلك يعني أنه يتوجب علينا أن نضع نصب أعيننا تغيير السياسات والقوانين والنظم التي تكرس حالة الإقصاء والتهميش للمجتمع والاقتصاد العربيين.

على المؤتمر أن يدفع الكتلة البرلمانية للتجمع الضغط برلمانيا من أجل إنشاء صناديق استثمار حكومية من شأنها تحفيز الصناديق الخاصة للاستثمار في الاقتصاد العربي، العمل على تقليص الفجوات بين الاقتصاد العربي والاقتصاد اليهودي والجسّر بينهما، وإزالة الحواجز البيروقراطية والمعيقات الإدارية المانعة للمبادرة والاستثمار الاقتصاديين. المبادرة تنظيم ورشات عمل ومعارض ومؤتمرات وجولات ميدانية وندوات للتشبيك ولزيادة الاهتمام بالاقتصاد العربي محليا وعالميا، ولإطلاق مبادرات ومشاريع لتشغيل النساء العربيات ودمج الأكاديميين العرب في سوق الصناعات المتقدمة.

وصلت القيادة السياسية في إسرائيل إلى أهمية دمج المجتمع العربي في سوق العمل لأسباب تتعلق بالتنمية العامة وصورتها الدولية وعضويتها في منظمة oecd، وعلينا توظيف ذلك للنهوض بمجتمعنا والخروج من دائرة الفقر دون التنازل عن ثوابتنا الوطنية.

علينا أن نفكر في ضرورة وضع الاقتصاد العربي على رأس سلم الأولويات القيادة السياسية الفلسطينية في الداخل وعلى طاولة الحكومة الإسرائيلية، في هذا الشأن من باب الحرص على تكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية، مع الحرص من جهة ثانية دون كلل أو ملل على أهمية أن يخرج المجتمع العربي إلى خانة البناء الذاتي والمبادرة المحلية من أجل تطوير القرى والمدن العربية عبر تحسين جودة العمالة المتعلمة والمهنية فيها وتطوير قدراتها ومقدراتها في التنافس على جذب الاستثمار وخلق فرص عمل في القطاع الخاص ضمن مناطق نفوذها.

هنا لا بد من التوقف عند التناقضات التي قد تنشأ بين المطالب القومية والحاجات المدنية -اليومية، إذ أنه من الصعوبة بمكان في حالة الفلسطينيين العرب في إسرائيل الفصل تماما بين الاقتصادي والسياسي في حياتهم ونضالهم. من هنا يجب أن يتعامل التجمع الوطني الديمقراطي بشكل يومي ودائم مع التمييز الاقتصادي القائم تجاه المواطنين العرب، لكن الأهم هو أن لا نكتفي بنقاش أو انتقاد ميزانية الدولة وسياساتها، بل علينا أن نضع الركائز الصحيحة لمشروع تنموي جماعي بإمكانه التعاطي مع القضية الاقتصادية بشمولية.

نحن بحاجة إلى العمل محليا ودوليا لإقامة مناطق صناعية واستثمارات كبيرة في البنى التحتية، نحن بحاجة للاستثمار برأس المال البشري العربي، نحن بحاجة لإيجاد معادلة نستطيع عبرها الاندماج في الاقتصاد الإسرائيلي والتكامل معه من أجل تحقيق النمو الاقتصادي دون أن يكون ذلك على حساب الهُويّة القوميّة والتنازل عن ثوابت سياسيّة. نحن بحاجة لمحاربة الفقر وتحقيق المساواة والاستفادة من المشاريع والخطط الحكوميّة المقترَحة لتنمية الاقتصاد العربيّ دون أن يكون ذلك ثمنا للتخلي عن حقوقنا ومقدراتنا الوطنية، يجب أن تكون رؤيتنا واضحة في هذا الشأن دون تأتأة.

العلاقة مع المجتمع الإسرائيلي

تنطوي العلاقات اليهودية – العربية على التعقيد لسببين رئيسيين وهما تعريف الدولة كدولة يهودية وبسبب الصراع الدائم بين الشعبين على مدار سنوات طويلة الذي يعرقل أي عمل عربي يهودي مشترك غير مبني على المشاركة والاعتراف والتفضيل. إن ما حصل مع عرب 48 والمجتمع الإسرائيلي هي حالة أغلبية أصلانية تحولت بفعل القوة والسلاح وتأمر الاستعمار الغربي إلى أقلية قومية، مما شأنه استحقاق حقوق وامتيازات مختلفة جوهريا عن باقي المجموعات والأقليات المختلفة في الدولة مثل اليهود المتدينين الروس والأثيوبيين.

تؤشر جميع الاستطلاعات المعروفة بشأن المجتمع الإسرائيلي إلى أنه متجه لتعزيز الهوية اليهودية للدولة على حساب ديمقراطيتها وهذا حال النخب والمجتمع الإسرائيلي. هذه المؤشرات تدل مدى انغماس التوجهات القومجية في المجتمع الاسرائيلي. مقابل هذا الخطاب وجب على التجمع تجميع نقاط الضوء الديمقراطية المناهضة للصهيونية في المجتمع وتعزيز دورها في التجمع وتزويدها بالادوات للعمل في الشارع الإسرائيلي لتشكيل بديل ديمقراطي يجابه نظام الأبرتهايد ويقدم بديل نظري في المرحلة الأولى يتسع للجميع عربا ويهودا متساوين ويعيشون سوية بندية واعتراف متبادل. 

كل علاقة مع المجتمع الاسرائيلي يجب أن ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية وهي 'الاعتراف بالرواية التاريخية والمطالب القومية' و'المشاركة في اتخاذ القرار  بمستوى الندية ' و'التفضيل المصحح على أساس الغبن التاريخي' .

إن العمل العربي اليهودي الذي على التجمع ان يعززه في البلاد يجب أن يعتمد على ضمان المساواة المدنية والقومية في كافة المجالات، وخاصة في تخصيص الموارد السياسية والمادية والرمزية، وضمان الإدارة الذاتية في مجال التعليم والثقافة، بالإضافة إلى الحقوق التاريخية للمجتمع الفلسطيني.

النضال البرلماني والقائمة المشتركة.

هناك نقاشات عديدة بين الكوادر خاصة الجامعية عن نجاعة خوض انتخابات الكنيست. وهنا اؤكد أن على المؤتمر السابع التأكيد على أهمية انتخابات الكنيست مع إبداء المحاذير والخطوط الحمر في العمل البرلماني كجزء من الرؤية الديمقراطية العامة 'دولة كل المواطنين'. إذ لم ندع يوما أن انتخابات الكنيست هي أم المعارك أو حلبتنا الأساسية، وقد تكون مهمة إعادة بناء لجنة المتابعة انتخابا على أسس توافقيه هي المهمة الأهم من أجل ممارسة حق تقرير المصير كأقلية قومية أصلانية حيّة، لها مؤسساتها الوطنية التي تدافع عنها وتحميها. لم يدعِ أحد منا أن العمل البرلماني هو ساحة النضال الوحيدة، بل آمنا أن النضال الجماهيري والتنظيم المجتمعي هما الركيزتان الأساسيتان التي منهما ننطلق، دون أن يمنعنا ذلك من استثمار قوتنا الوطنية في الكنيست أيضا، كما استثمرناها في الحكم المحلي والمجتمع المدني. هل فعلاً نحن  نضفي بذلك شرعيّة على المؤسّسة الإسرائيليّة، أو نغطّي عورتها ونساهم في إبرازها كدولة ديمقراطيّة؟ لا اعتقد ذلك. على العكس، نحن نعريها ونتصادم معها ونفضحها عبر مشروع المواطنة الكاملة والديمقراطية، الذي هو مشروع صدامي يفضح عنصرية إسرائيل من الداخل، ويعيد الصراع إلى أصوله الحقيقية الكامنة أساساً في جوهر الفكرة الصهيونية التي لا تتعايش مع المساواة والكرامة والحرية. وبالتالي فإن التمثيل البرلماني هو فعل مناهض للصهيونية من حيث تناقض القائمة المشتركة وبرنامجها مع جوهر الصهيونية المنافي لفكر المواطنة الكاملة والحقوق القومية والمدنية .

جاءت ولادة القائمة المشتركة بعد مخاض صعب أدى لإنهاء حالة التشرذم السياسي ولو مرحليا ولولادة برنامج سياسي موحد أمام تفاقم العنصرية في البلاد، كما تجلت في حملة ليبرمان العنصرية. المغزى الأكبر من  تشكيل القائمة المشتركة هو أن الخلافات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية لا تلغي إمكانية العمل المشترك، خصوصًا أن ما يجمع الفلسطينيين في أراضي 48 أكبر بكثير مما يفرقهم. في هذا السياق، يظل التحدي الأساس هو استمرار التنسيق ووحدة العمل من خلال القائمة المشتركة. بما أن التجمع يرى بوحدة الجماهير العربية هدفا إستراتيجيا وإحدى غاياته المركزية، ضمنيا يجب أن يكون دوره بالحفاظ على القائمة المشتركة لتعزيز العمل الوحدوي الفلسطيني. 

على الرفاق في التجمع التيقن أن الخلافات في الرأي حول قضية أو أخرى في القائمة المشتركة لا ينبغي أن تخفي الحقيقة الأساسية وهي أنه لولا هذا التحالف  لكانت الأوضاع أسوأ بكثير والعمل البرلماني واهن، ولا يلاقي استحسان الجمهور العربي الظمأ لأداء وحدوي مسؤول. سيحفظ التاريخ للتجمع وقيادته المسؤولية وتقديم التنازلات الشكلية لتشكيل هذه التجربة الطلائعية التي يتحالف فيها القومي والإسلامي والشيوعي والوطني في ظل تعاظم الظلم الإسرائيلي. 

التغيير في القيادة

مرت كل الأحزاب السياسية في البلاد ومن بينها نحن تجاذبات وتكتلات حول الأيديولوجيا والتمثيل الجماهيري والبرلماني وعلى القيادة التنظيمية للحزب، وقد ترك بعض هذه التجاذبات والتكتلات بصمتها العميقة على شكل وتوجهات هذه الأحزاب ودورها في المجتمع.

وأخذت هذه الصراعات أشكالاً مختلفة، في ظروف وأجواء تميز فيها الطابع العام للآلية التي سلكتها هذه الأحزاب ببعدها الكبير عن الأشكال الديموقراطية في الممارسة، وفي معالجة الخلاف، وطغيان العصبية وتضخم العوامل الذاتية، وتغليب أغلب قادتها المصالح الشخصية على مصالح التنظيم والوطن. ولو اتبعت أساليب حضارية ديموقراطية في معالجة تلك الأزمات، لجنبتها، ولجنبت الوطن كثيراً من الخسائر وهدر الوقت والطاقات.

تكمن أهمية التغيير من الحاجة الملحة والأهداف المتمثلة في البقاء والنمو والتكيف للأحداث والمستجدات. ولأن الأحزاب هي تنظيمات جماهيرية مرتبطة ببيئة ومجتمع ديناميكي فإن عليها مواكبة ذلك من خلال إجراء تغييرات داخلية على المستوى التنظيمي والتمثيلي. قد لا تتسع مقالة رأي لإحصاء وتقدير وشكر الرعيل الأول من المؤسسين في التجمع لهم جزيل الشكر، هم من حولوا التجمع من حاجة فكرية نخبوية إلى حزب جماهيري منظم له عمقه الشعبي. 

إن التغيير في القيادة تطور طبيعي بعد مرور 20 عام من التأسيس فقد نشأ بحضن الحركة الوطنية قيادات مؤهلة شبابا وشيبا ونساءا، منهم من دفع ثمن الانتماء للحركة الوطنية ومنهم من أصحاب التجربة والخبرات وكلهم أكفة لقيادة الحركة الوطنية في المرحلة المقبلة. 

إن التغيير الذي نتحدث عنه يراعي التوازن بين الجيل الشاب والقيادة الجديدة - القديمة والمؤسسين المنخرطين في العمل الحزبي مع إعطاء دفة القيادة للطلائع القيادية الجديدة وتعزيز دورهم كمراكز قوة في الحركة الوطنية يسيطر عليها الحزب ولا تسيطر على الحزب. حالا يجب أن تبث القيادة والكوادر حالة من الوحدة التنظيمية والسياسية حتى لو خضنا نقاشا عسيرا مضنيا حول التغيير واستحقاقاته. أي نوع من ثقافة الاستقطاب الشخصوي والمعسكرات المناطقية من شأنها تفتيت الحزب وتهديد توسعه وانتشاره. إن التغيير يجب أن يحصل بتفهم تام وإشراف كامل من المؤسسين رفاقنا من اعتبرناهم بوصلة الحركة الوطنية لعقود طويلة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018