بين الـ"كافو" والعميل: نحن وهم في الميزان الأخلاقي/ سليمان أبو إرشيد

بين الـ"كافو" والعميل: نحن وهم في الميزان الأخلاقي/ سليمان أبو إرشيد

في نطاق عملية جلد الذات الملازمة لحالة العجز الوطني والقومي المستعصية، كثيرا ما نجري مقارنات وفي مستويات مختلفة مع الآخر، وهي مقارنات عادة ما تكون نتائجها واستنتاجاتها معدة ومعروفة سلفا وتبغي للحط من قدرنا ورفع شأن العدو، بل ويصل الأمر إلى إسباغ العدو بصفات مثالية عندما يتعلق الأمر بالأخلاق وخارقة حين يرتبط الموضوع بالقوة وعبقرية إذا ما جرى الحديث عن المعرفة، كل ذلك مقابل الرداءة والضعف والجهل الذي هو دائما من نصيبنا.

ويبدو أن الوصفة السحرية التي خرج بها الفلسطينيون والعرب بعد هزيمة حزيران 1967  والمتمثلة بمقولة "اعرف عدوك"؟ لم تحل هذه الإشكالية بل زادتها تعقيدا، فانقسم العرب وما زالوا بين من يعتقد أن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت”، وهي مقولة مع تفهمنا لسياقها ومقاصدها، إلا أنها تروج لتسخيف العدو والحط من قدراته الحقيقية، وبين من ما زال يعتقد أن إسرائيل هي الدولة والجيش الذي لا يقهر.

الانشغال الزائد عن الحد من قبل العرب والفلسطينيين في الشأن الإسرائيلي جعلهم يوظفون كل إمكانياتهم في موضوع "اعرف عدوك" عوضا عن توظيفها في محاربته، وبالنتيجة فإن معرفتهم بهذا العدو تتراجع وقدراتهم تتقهقر أمامه.

قبل سنوات رفعت إسرائيل الحظر عن ما اسمتهم بـ”عملاء إسرائيليين” يهود تعاونوا مع العدو( الفلسطينيين والدول العربية والاتحاد السوفييتي السابق) فكانت مفاجأتنا كبيرة ونحن الذين اعتقدنا أن هذه الأنماط هي حكر على العرب والفلسطينيين، ولا أقصد هنا مناضلين يهود انخرطوا في مسيرة الكفاح الفلسطيني أمثال أودي أديب ورامي لفنه وغيرهما، بل عملاء أو "جواسيس" تجندوا لصالح المخابرات المصرية أو المخابرات السوفييتية وهم بالعشرات وربما هناك من لم يتم السماح بالنشر عنهم حتى الآن أيضًا.

وقد يبدو لنا خياليا بالنظر إلى الصورة النمطية المثالية التي رسمناها لأعدائنا، يبدو خياليا وجود عشرات وربما مئات اليهود ممن تعاملوا مع النازيين ضد أبناء جلدتهم بل وتم استخدامهم جلادين لدى هؤلاء النازيين، وقد يبدو الأمر أكثر غرابة عندما نكتشف أن العشرات من هؤلاء (ممن عرفوا بالـ”كافو” وهو السجين الذي كان يتم تعيينه من قبل الألمان لضبط باقي السجناء وجعلهم يمتثلون للأوامر) جرت محاكمتهم في إسرائيل في خمسينيات القرن الماضي وجرى إدانة بعضهم وسجنهم بل وحكم على أحدهم بالإعدام.

 في بحثه الجديد الذي صدر مؤخرا تحت عنوان "كافو في أللنبي" يعرض الباحث الإسرائيلي إيتمار لافين قصص العديد من هؤلاء العملاء ومجريات محاكماتهم، التي جرت في الفترة الواقعة بين حدثين مركزيين هما محاكمات "نيرنبرغ" التي جرت في أواخر الأربعينيات وبين محاكمة الضابط الألماني النازي أيخمان التي جرت في أوائل الستينيات.

ومن بين القصص التي يوردها الباحث قصة يحزقيل إينجستو، وهو الوحيد الذي حكم بالإعدام بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سياق المحرقة. يحزقيل كان مسؤولا في معسكر الاعتقال "جروس روزن" في ألمانيا ووجهت له تهم التنكيل والتسبب بموت معتقلين. في شهادته قال أحد الناجين، لقد رأيت يوميا ضرباته باليد، بالعصا، بالسوط وبكل ما تقع عليه يده، ووصف بأنه أسوأ من جهنم.  

موشيه فوتشيتش الذي كان نائب قائد الشرطة اليهودية في معسكر "أوستروبيتس" في بولندا والمدير الفعلي لمعسكر التشغيل الذي أقيم خارج المدينة، وجهت له تهم الاعتداء بالضرب بشكل دائم ومنهجي ضد نزلاء الغيتو ومعسكر التشغيل وقام بتسليم العديد منهم للسلطات النازية، كما قام بالتنكيل بالمعتقلين وضربهم دون وجه حق. وكان فوتشيتش قد عمل بعد هجرته إلى إسرائيل وقبل محاكمته في وظيفة حكومية.   

أما مردخاي جولدشتاين والذي كان شرطيا في جيتو ومعسكر اعتقال في "أوستروبيتس" واتهم بتسليم مطاردين لسلطة معادية، فقد فصلت لائحة الاتهام التي وجهت ضده كيف قام بإغلاق أبواب ونوافذ براكيات الاعتقال بالمسامير وقام بسكب إبريق شاي على رأس فتى كان يحضر الشاي، وكيف قام بجلد آخر بالسوط وبالعصا حتى سال الدم من أنفه وفمه، إضافة لارتكابه العديد من الفظائع الأخرى.