نقائض الربيع العربي/ إيمان القويفلي

نقائض الربيع العربي/ إيمان القويفلي

كان الربيع العربي لحظةً، وما حدث خلال خمس سنواتٍ تلته كان صراعاً مُستميتاً من الأنظمة السياسية الحاكمة من أجل نفيه. نفياً بمعنى الإبعاد، ونفياً بمعنى الإنكار. نفيهِ مكانياً. نفيهِ قيمياً. نفيهِ اجتماعياً. وما كان كل هذا النفي ممكناً من دون نفي "الربيع العربي" عنواناً كبيراً. من دون الدفع إلى الواجهة بعناوين كبرى نقيضة، تُغرق المجتمع العربي بمقولاتها وقيمها ومقتضياتها التي تنقض مقولات الربيع العربي وقيمه ومقتضياته. إننا لا نغرق في تداعيات الربيع العربي، بل في نقائضه.

إذا كان "الربيع العربي" كلمة، فإن عكسها هو "الحرب على الإرهاب". إذا كان هبّة تدلّ على عافية المجتمع، فإن ما يجري تحت عنوان "الحرب على الإرهاب" هو جُماع أمراض الأنظمة السياسية في الدولة العربية، وهو العنوان الذي اكتشفت حكوماتها سلطته السحريّة في العقدين الماضيين. تتكفّل "الحرب على الإرهاب" بترميم علاقات النظام الحاكم دولياً، بعد أن تهزّها الهبّات الشعبية التي تعلن عن تهاوي شرعية النظام إعلاناً لا يمكن تجاهله. يتحول النظام المنبوذ إلى نظام الضرورة، شريكاً دولياً في التحالفات والبرامج الأميركية والأوروبية لمكافحة الإرهاب، مخزناً يمدّها بالمعلومات التي يحصل عليها بكثافة ساحقة، وهذا تحديداً لأنه ينتهك حقوق مواطنيه المدنية والقضائية بكثافة ساحقة، وفضاءً مفتوحاً لعملياتها العسكرية وتوصياتها السياسية.

باتت النخب السياسية العربية تعرف، على وجه اليقين، أنها على أيّ حالٍ كانت من الاستبداد والفشل، فإنها ستظلّ تبيع نفسها بشكلٍ ممتاز في السوق الدولية، بمجرّد إعلانها دخولها في تحالفاته ضد الإرهاب. هذا النصف الخارجيّ من الأرباح فقط. النصف الآخر والأهمّ يتحقق في الداخل. "الحرب على الإرهاب" هو عنوان المناخات السياسية المريضة داخل الدولة العربية. تشتدّ باسمهِ القبضة الأمنية، وتفرد الدولة البوليسية نفسها عريضة فصيحة لا تتقي شيئاً، ولا حتى تجمّل صورتها في أعين المواطنين والعالم. باسم الحرب على الإرهاب، يصير القمع ذروة الممارسات الوطنية النبيلة، ويتّسع توصيف الإرهاب ليشمل طائفة واسعة من الثوار، والأحزاب السياسية، والحركات الاجتماعية، والمعارضين للنظام، والراغبين في إصلاح النظام، والمؤيّدين لهم، بكلمةٍ، أو إيماءةٍ، أو انفعال. تُكبت كل الأصوات "لأننا في مواجهةٍ مع الإرهاب". تُهمّش كل السياقات الاجتماعية المتنوعة نمواً واتّجاهاً، فداءً "للحرب على الإرهاب". وفي ظلالها، تنمو فصيلة اجتماعية من الأوباش، مُفلسة من كلّ ميزة، إلا ميزة أنها تعلمت مفردات "الحرب على الإرهاب"، وباتت تستقوي بها ضدّ كل فصيلٍ واقتراحٍ اجتماعيّ مختلف. وتروّج أصناف الهراء الثقافي والإعلامي والأدبي فقط، لأنها مندمجة في هجاء الإرهاب. في هذه الأجواء، تشيع رائحة مميزة لمناخٍ مصطنع، يثير التوجّس، مُشبع بالأساطير الأمنية واللامعقول السياسي، وبالكثير من الخوف حتى بلا سبب، ولا يفهم المواطنون، على وجه الدقة، ماذا يجري، ولا يعرف أحد منهم من يُنتج الإرهاب، ولا من يذهب ضحيته، لكن تأييدهم هذه الحرب المقدّسة أمرٌ لا يُخيّرون فيه.

وعكس "الربيع العربي" أيضاً، العنوان العريض لـ "داعش"، بما تمثله من أسلوبٍ لتقويض نموذج الدولة العربية القارّ بكلّ عيوبه. داعش وجبهة النّصرة عنوانٌ عريض لـمُقترح أوسع من حدود هذه التنظيمات، يقترح مواجهة الدولة الاستبدادية والعنف الطائفي بنموذج بديلٍ، لا يرى في الاستبداد والعنف الطائفي عيباً، بل أسلوب وجود في مواجهة الاستبداد التقليدي وعنف الطوائف الأخرى، بل الأسلوب الوحيد ربما لخوض هذه المواجهة. ربما لم تكن لحظة التباسٍ، أو سوء فهمٍ، عندما شاع انطباعٌ إبّان تمدد داعش في الموصل بأن هذه "ثورة عشائرية"، لأن لمحات الإعجاب الخفيّ (والصريح أحياناً) بداعش كانت تشي بوجود نزعةٍ ترى في عنف داعش ونموذجها امتداداً للثورات، أو مرحلتها الجديدة العنيفة بعد هزيمة مرحلتها السلمية التي يصفونها بأنها "ماتت". لكنّ داعش ونموذجها نقيضٌ للربيع العربي، فمن حيث هي تقويض لنموذجٍ دولٍ عربية قارّة، فإنها أيضاً تقويض لنموذج الدولة العربية، كما أوجدها مخيال الربيع العربي، فلا هي بمشروع حقوق، ولا مساواة، ولا حريات، ولا كرامة، ولا عدالة اجتماعية. وهي إعادة إنتاجٍ مركزة لأسوأ ما في دوامة العُنف التي أنتجها الاستبداد والاحتلال والطائفية والحرب على الإرهاب، وأسوأ من عنفها العملي الذي يظهر في مواجهة الطوائف الأخرى، عنفها الرمزي الذي يظهر في مواجهة طائفتها وفي نطاق سيادتها وأمام جمهورها الحيّ والإلكتروني، وهو العنف الأكثر قابلية للتصدير. حيث تجرّ الخطاب العربي بعيداً عن سؤال الديموقراطية، نحو مقولات "أهل الحل والعقد"، وتجرّه بعيداً عن المواطنة، نحو الخوض في تعاريف المسلم والمرتد والمشرك وأهل الذمة، في مجالٍ تصبح فيه الدساتير ومدونات الحقوق مما لا يُطرح ولا يُفكر فيه أصلاً. السلمية في الثورات العربية لم تكن خياراً جباناً أو خياراً فارغاً بلا مقتضيات، وتحول (أو تحويل) حكم التنظيمات الإسلامية إلى عنوانٍ عربيّ كبير، يخدم تظهير محاسن الدولة العربية التقليدية، أيضاً لم يكن خياراً فارغاً بلا مقتضيات.

نحن نغرق في نقائض الربيع العربي، لكن الربيع العربيّ لا يموت. إنهُ يحيا، لا على شاكلة تفاؤلٍ فارغ، ولا على هيئة توهّماتٍ بالانتصار. لكن، على هيئة تطبّعٍ اجتماعيّ كامن، يوجد في مكانٍ ما من الذاكرة العربية الجماعية. لحظة الربيع العربي الباهرة لم تمرّ من دون أن تترك وسمها في الأرواح، وحلمها في المخيال السياسي للشعوب، وقيمها في قيمهم. التشظّي الواقعي لتلك اللحظة لا ينفي وجودها المتماسك في الـمُخيّلة كلحظة سامية، تظلّ تغذّي وتُلهم. سلوك الشعوب في اللحظات الاستثنائية من عمرها هو نتاج تطبّعاتها الكامنة، وكل نقائض الربيع العربي لا تسعى إلا إلى جعل تلك اللحظة منسيّةً، والوعي بها مشوهاً، هذا ما تحاول فعله الثورة المضادة (بكلّ أسمائها وعناوينها)، وداعش وأضرابها. هذه هي فحوى الصراع العربيّ اليوم، والانتصار المؤجل للربيع العربي مرهونٌ باستمساكنا بدقّة الذاكرة. 

(العربي الجديد)

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص