نتنياهو  ملك الأدغال / د. باسل غطاس

نتنياهو ملك الأدغال / د. باسل غطاس

​تتميز حكومة نتنياهو الضّيّقة الحاليّة بالاستقرار والقدرة على تنفيذ أجندتها العنصريّة المتطرّفة أكثر بكثير ممّا توقّع البعض ممّن اعتقدوا أنّه مع أغلبيّة عضو واحد للائتلاف لن تكون حياة الحكومة سهلة. وضمن هذا الاستقرار والأداء النّاجع بسبب انسجامها السّياسيّ من ناحية، والطّاعة العمياء والالتزام الكامل لمركّبات الائتلاف الحكوميّ، من ناحية أخرى، تجد نتنياهو يصول ويجول كالسّلطان، لا منازع له ولا معارض لا من داخل حكومته وحتّى لا من خارجها. وهو يعرف أنّ هذه الفسحة من الاستقرار والانصياع الكامل لها عمر محدّد (حتّى نهاية العام الحاليّ)، وهي تتأتّى له بسبب شهوة السّلطة الشّديدة لدى الأحزاب المركّبة للحكومة وانعدام المصلحة لأيّ منها، في خلق أزمة قد تودي بالحكومة، بسبب قضايا تعتبرها ثانويّة أمام البقاء بالسّلطة والقدرة على توزيع الموارد على المقرّبين والقطاعات ذات الشّأن لضمان الاستمرار في الحكم، والحلم بزيادة قوّتها في الانتخابات القادمة.

مثال على هذا كان تمرير قانون 'الشّفافية في الجمعيّات' الذي أصرّ عليه 'البيت اليهودي' واستفزّ كلّ الدّول الغربيّة من الولايات المتّحدة الأميركيّة، وحتّى أوروبا التي مارست ضغوطًا هائلة على نتنياهو، وخاصة على الوزير كحلون، الذي تعتبره هذه الدّول الطّرف 'العقلانيّ' في الحكومة الحاليّة. كل هذا الضّغط لم يجد نفعًا ومرّ القانون بالقراءة الأولى، فبالنسبة لكحلون ونتنياهو استقرار الحكومة وعدم المخاطرة بالذّهاب لانتخابات مبكّرة هو مصلحة عليا، يخضع لها أيّ اعتبار آخر.

نتنياهو يتصرّف وكأنّ إسرائيل تعيش في غابة، وهو ملك الأدغال القادر على كل شيء، وكما شخّصنا في عدّة مناسبات في السّابق، فقد  قرّر نتنياهو أن يكون العرب الفلسطينيّون في إسرائيل هم العدوّ الخطير 'المناوب' الذي يستعمله كالفزّاعة لتسعير الكراهيّة والتّقطّب والخوف عند اليهود، كي يضمن بقاءه في الحكم.

ويأتي هذا 'التّجديد' عند نتنياهو، بعد انتهاء صلاحيّة الفزّاعات السّابقة مع انتهاء الملفّ النّوويّ الإيرانيّ وتورّط حزب الله في الحرب الأهليّة في سوريا وتراجع خطره كتهديد جديّ على الحدود الشّماليّة. ومن أهمّ المتغيّرات النّاتجة عن تحويلنا إلى العدوّ المناوب هو تنازل نتنياهو عن تكتيك تقسيم العرب إلى متطرّفين ومعتدلين (العرب الجيّدون) الذي اتّبعته المؤسّسة الصّهيونيّة تاريخيًّا، وبدل ذلك يقوم بتوجيه سهام التّحريض العنصريّ  للعرب ككلّ، من خلال استخدام خطاب كراهيّة حقير وعنصريّ يرى في العرب كمجموعة قوميّة خطرًا وجوديًّا. لقد نجح استخدام هذا الخطاب في يوم الانتخابات في إخراج اليهود لصناديق الاقتراع وكما برهن تقرير القناة العاشرة، فقد كان لفيديو نتنياهو العنصريّ المهدّد بأنّ العرب تدفقّون بكميّات لصناديق الاقتراع وكذلك مئات آلاف الرّسائل النّصيّة التّخويفيّة القصيرة أثرًا حاسمًا في زيادة نسب التّصويت في السّاعات الأخيرة، وفي إبقاء نتنياهو في الحكم. هذا أيضًا ما نضح به خطاب ديزنغوف الذي شنّ فيه حملة تحريضيّة على العرب، متّهمًا إيّانا بأنّنا نقيم دولة داخل دولة. لهذا فإنّ الحملة الشّعواء الشّرسة التي شنّها نتنياهو ووزراؤه وسارع للانضمام إليها حزب العمل وحتى ميرتس، ضدّ نوّاب التّجمّع بسبب لقائهم عائلات الشّهداء، لا تستهدف التّجمّع وحده، كما قد يفكّر البعض وإنّما يستهدف كلّ التّمثيل السّياسيّ للعرب في البرلمان والذي أصبح بارزًا ومؤثّرًا أكثر بعد قيام المشتركة. ومن يراقب تصريحات وتصرّفات نتنياهو من الانتخابات الأخيرة يلاحظ فعلاً دون عناء هذا التّغيير في نهجه، فقد حرّض على العرب خلال السّنة الأخيرة أكثر ممّا فعل خلال سنوات حكمه السّابقة مجتمعة. مع حكومة كهذه ومع أجندة عنصريّة كهذه لا يجدي سوى مواجهتها بقوّة وبوحدة وبالرّبط الوثيق بين النّضال البرلمانيّ وتحويل المشتركة إلى قوّة المعارضة الرّئيسيّة برلمانيًّا محليًّا وعالميًّا، إذ لا معارضة برلمانيًّة حقيقيّة لنتنياهو بعد سقوط 'المعسكر الصّهيونيّ' بقيادة هرتسوغ مرّة بعد الأخرى وتحوّله إلى لاعب ثانوي على دكة الاحتياط  داخل الإجماع القوميّ الصّهيونيّ، وبين النّضال الشّعبيّ الميدانيّ في التّصديّ لمخطّطات هدم البيوت أو التّهجير والتّرحيل في كلّ مكان وخاصّة في النّقب.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية