ثقافة زرع الموت/ بلال ضاهر

ثقافة زرع الموت/ بلال ضاهر

لم يتحمل الإسرائيليون تعليق الإعلامي في إذاعة الجيش الإسرائيلي، رازي بركاي، خلال مقابلة أجراها مع وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، قبل أسبوعين، حول إعادة جثامين شهداء القدس إلى عائلاتهم. وقال بركاي للوزير: 'تخيل عائلات إسرائيلية، ونحن نعرف لأسفنا حالات كهذه، من ’الجرف الصامد’ مثلا، تنتظر مطولا وصول جثث أعزائها إليها'، في إشارة إلى جثماني جنديين إسرائيليين قتلا خلال العدوان على غزة في صيف العام 2014.

لم يعجب هذا التعليق إردان، واعتبر أن بركاي ارتكب خطأ فادحا بالمقارنة بين عائلات ثكلى يهودية وعربية، ورد عليه بالقول: 'هذه هي المقارنة التي تعطيني إياها؟ إنها مقارنة ليست ذي صلة بالواقع'.

وأثار سؤال بركاي غضبا لدى أوساط واسعة في إسرائيل، وطالب سيمحا غولدين، والد الجندي هدار غولدين، الذي قتل أثناء العدوان على غزة وتحتفظ حركة حماس بجثته، بركاي بالاعتذار، 'فقد قارنت بيني وبين عائلات قتلة ونحن نكافح من أجل أن نثبت أنه يوجد فرق بيننا وبين أعدائنا'.

ربما يرى البعض أن أقوال والد الجندي مبررة، أو أنه مَحقون بكراهية للفلسطينيين بسبب حملة التحريض الواسعة التي قادها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ضد نواب حزب التجمع، في أعقاب لقائهم مع عائلات شهداء القدس. وعموما، فإن الإسرائيليين بغالبيتهم محقونون بالكراهية للفلسطينيين، في كل مكان يتواجدون فيه، بسبب الحملة الدعائية الإسرائيلية، وخصوصا بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، قبل سبع سنوات.

وبالأمس، استغل المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، روني ألشيخ، خطابه أمام عائلات قتلى إسرائيليين، ليقول إنه 'لا يمكن ألا تشعر بالفرق بين الثكل الذي نرافقه ونلتقي به في نظراتكم، وبين ذلك الذي نلتقي به في السنوات الأخيرة بشكل مكثف في أعين قسم من جيراننا. ويبدو أنه في الوقت الذي اخترنا فيه أن نقدس الحياة، ومنحها أهمية... اختار أعداؤنا تقديس الموت. ورسالتهم الخفية هي أنه لا توجد أية أهمية للحياة وأنه بضغط على زر أو استلال سكين، بالإمكان الانتقال إلى عالم أفضل والتخلص من تحديات هذا العالم. وهذا بنظري النقيض لقيم المجتمع الإسرائيلي'.

خلافا لأقوال والد الجندي غولدين، فإن أقوال ألشيخ بعيدة عن كونها ناجمة عن عاطفة والد قُتل ابنه أو تعرض لغسيل دماغ من حملات تحريض إسرائيلية ضد الفلسطينيين. ألشيخ هو واحد من كبار المسؤولين الأمنيين، بصفته قائد للشرطة وقبل ذلك كان نائبا لرئيس جهاز الأمن العام (الشاباك).

وبالمناسبة، فإن عدة تقارير صحفية إسرائيلية أفادت بأن الشاباك نصح نتنياهو وغيره من صناع القرار بإعادة جثامين الشهداء الفلسطينيين إلى عائلاتهم، لأن استمرار احتجازها لا يردع ولا يسهم في تهدئة الهبة الشعبية الفلسطينية، بل يزيد من حالة الغليان في الشارع الفلسطيني. لكن نتنياهو وإردان يرفضان نصيحة الشاباك.

والسؤال هو لماذا يرفض ألشيخ، الذي يفترض أن يكون أكثر عقلانية من عائلات القتلى وحتى السياسيين الإسرائيليين، بصفته مسؤول أمني رفيع المستوى، أن يرى الأسباب الحقيقية من وراء الهبة الفلسطينية، ولماذا يقوم بهذا التعميم بأن الفلسطينيين 'يقدسون الموت'؟ هل يصدق قائد الشرطة الحالي ونائب رئيس الشاباك السابق، بعد اطلاعه من دون شك على دراسات وأبحاث حول المجتمع الفلسطيني، أن شابا أو فتى فلسطيني، لم يبلغ من العمر 20 عاما، يريد الانتقال إلى العالم الآخر، وأنه مستعد للموت من أجل ذلك. حسنا، كيف يفسر إقدام طفلة فلسطينية في الثانية عشرة من عمرها على حمل سكين وتريد تنفيذ عملية طعن؟ هل ترغب طفلة كهذه بالانتقال إلى الجنة؟

لقد جاءت أقوال ألشيخ للمشاركة في حملة التحريض الإسرائيلية لإخفاء جريمة الاحتلال، بقتل الفلسطينيين، سواء كانوا ينوون تنفيذ عملية طعن أو لم تكن نية كهذه، لأنه في الغالبية الساحقة من الحالات التي استشهد فيها فلسطينيون كان بالإمكان منع عملية طعن، أو السيطرة على منفذ عملية كهذه، من دون قتله. وتشهد على صحة هذا الأمر عشرات أشرطة الفيديو التي توثق قتل فلسطينيين ولعل آخرها قتل جنود إسرائيليين الشاب محمد أبو خلف عند باب العامود في القدس المحتلة، بإطلاق وابل من الرصاص عليه بعد إصابته وتمدده على الأرض غير قادر على الحراك.

هذا المشهد تكرر مرات عديدة في الأشهر الأخيرة. فلسطيني جريح جراء إطلاق النار عليه، وبعد ذلك يطلق الجنود النار عليه بشكل مكثف من أجل 'تثبيت القتل'. وحتى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، تحدث عن هذه الظاهرة قبل أيام، وقال إنه لا ينبغي أن يفرغ الجندي ذخيرة بندقيته في جسد طفلة تحمل مقصا. إنها ثقافة الموت، وهي ثقافة من يزرع الموت وليست ثقافة الموتى. 

اقرأ/ي أيضا | ألشيخ: تجنيد مكثف للعرب للشرطة الإسرائيلية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018