الصهيونية الدينية والنسخة الجديدة للدولة العبرية

الصهيونية الدينية والنسخة الجديدة للدولة العبرية

سليمان أبو ارشيد

بعد ما يربو على عشرين عاما على انطلاق الرصاصات التي شلت اتفاق أوسلو، وأعدمت عرّابه الإسرائيلي إسحق رابين بعد أن وجهت له تهمة تقسيم 'أرض اسرائيل'، ها هو التيار الصهيوني المتدين الذي انطلقت من مسدسه تلك الرصاصات يزحف لاحتلال مختلف مراكز القوة في الدولة العبرية، وتستعد وكيلته التي تتربع على سدة وزارة القضاء الإسرائيلي، أييليت شاكيد لسحب القانون الإسرائيلي على المستوطنات في الضفة الغربية تطبيقا لخطة معلمها وقائدها نفتالي بينيت القاضية بضم ما يسمى بالمنطقة 'جـ'، والتي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية لإسرائيل، والحفاظ بذلك على 'أرض إسرائيل الكاملة'.

نائب رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، يديديا شتيرن، وهو صهيوني متدين، يتذكر ما يصفها بسنوات الرعب التي أعقبت اغتيال رابين عام 1995 على يد طالب حقوق صهيوني متدين (يغآل عمير)، وكيف وصم الجمهور الصهيوني المتدين بالتمرد وعدم التعقل، وبأنه خطر على حكم القانون، وكادت أن تنجح محاولات نزع الشرعية عن  الصهيونية الدينية، وكيف أصبح بعد 20 عاما حكم القانون كله في أيدي الصهيونية الدينية.

لقد أصبحت الصهيونية الدينية، إذا صح التعبير، المكنسة التي تكنس مؤسسسات ومراكز التأثير في الدولة العبرية من النخب الأشكنازية العلمانية لتحل محلها، وقد التفت الكثيرون عند تعيين قائد الموساد الجديد يوسي كوهين إلى أن ثلاثة من بين أربعة قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية صاروا من معتمري القبّعات الدينية، أو ممن ينتمون إلى تيارات الصهيونية الدينية، وكان رئيس 'الشاباك'، يورام كوهين، حتى فترة قريبة هو الوحيد الذي يعتمر ألـ'كيبا'، قبل أن يتم اختيار المفتش العام لشرطة إسرائيل روني ألشيخ الذي ينحدر من هذا الوسط، وأخيرا رئيس الموساد، يوسي كوهين، الذي ترك تعيينه رئيس الأركان الجنرال غادي آيزنكوت وحيداً كآخر ممثل للعلمانيين في القيادة الأمنية.

في السياق ذاته كانت دراسة مفصلة أجرتها مجلة 'معراخوت' التي تصدرها وزارة الأمن الإسرائيلية، أشارت إلى أنه بحلول سنة 2008 زادت نسبة المتدينين القوميين بين طلبة سلاح المشاة إلى عشرة أضعاف لتصل إلى 26% بعدما كانت 2.5% في 1990. وتشير أبحاث أكثر حداثة، منها بحث لرؤوفين جال رئيس الاتحاد الإسرائيلي للدراسات المدنية - العسكرية، إلى تعزز هذا الاتجاه، وإلى أن الصهاينة المتدينين يشكلون اليوم ما بين ثلث ونصف طلبة الكليات والمدارس العسكرية، التي ينتشر بعضها في المستوطنات، على غرار 'أكاديمية بني دافيد' التي تأسست في  1988 وينتسب نصف خريجيها إلى وحدات النخبة، وحوالي 40% منهم أصبحوا ضباطا.

ويعزز التيار الصهيوني الديني من مواقعه في الإعلام والقضاء والتعليم وغيرها من مراكز القوة، في ضوء تنامي قوة ونفوذ المتدينين وأحزابهم في الحكم والسلطات العامة والمحلية، مقابل انحسار نفوذ 'التيار الأشكنازي العلماني'. ويتراجع نفوذ الحركات 'الشبابية العمالية' التي كانت تتبع للأحزاب 'العمالية' مثل 'مباي' و 'مبام'، لتحتل اليوم حركات شبابية مثل 'بني عكيفا' الدينية المكان الأبرز، حتى مقارنة بالحركات الشبابية التي كانت تتبع اليمين القومي الصهيوني مثل حركة 'بيتار'، ويتجلى ذلك ليس فقط  في حصة المتدينين في الأحزاب القائمة بل في مكانة أحزابهم في الحلبة السياسية ذاتها.  ويحتل مكان أبناء المدرس الدينية والمستوطنات الأيديولوجية في الضفة الغربية موقع الصدارة والطلائعية في وقت ينكمش فيه دور أبناء 'الكيبوتسات' والتيارات العلمانية.

إذاً، إنها نفس الرصاصات التي شلت أوسلو وتركته يعرج لأكثر من 20 عاما، هي التي تسعى جاهدة اليوم لدفن حل الدولتين بشكل نهائي وتكريس هيمنة إسرائيل على كامل أرض فلسطين التاريخية، إسرائيل بنسختها اليهودية الدينية الصهيونية، نسخة 'البيت اليهودي' الذي يمثله نفتالي بينيت وأييليت شاكيد التي قالت في معرض شرحها لمشروع  قانون الضم الزاحف للضفة الغربية أمام 'المنتدى القانوني لأرض إسرائيل'، إنّ الاقتراح الجديد يهدف إلى 'جعل حياة المستوطنين طبيعية'، في المستوطنات بحيث ينسحب عليهم القانون ذاته الساري على باقي الإسرائيليين داخل الخط الأخضر، بينما اعتبر المحللون سنّ هذا القانون بمثابة ضمّ الأراضي المحتلة وإخضاعها للقانون الإسرائيلي، عبر بلورة منظومتين قانونيتين وقضائيتين واحدة للفلسطينيين (وهي جملة القوانين العسكرية المفروضة على الفلسطينيين) والثانية منظومة قوانين مدنية تسري على المستوطنين الإسرائيليين، ما يعني خلق نظام أبرتهايد.

اقرأ/ي أيضًا للكاتب سليمان أبو ارشيد

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018