إسرائيل الجديدة بين صهينة الدين وتهويد الصهيونية

إسرائيل الجديدة بين صهينة الدين وتهويد الصهيونية

سليمان أبو إرشيد

الإعلان عن البرنامج الدراسي الذي أعدته وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية عن 'القدس الموحدة”، والذي يتجاهل وجود العرب الفلسطينيين الذين يشكلون ثلث سكان 'القدس الموحدة'، تزامن مع الكشف عن الخارطة التي يتضمنها كتاب المواطنة الجديد، والتي تشير إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية على أنها مدن عربية في إسرائيل. ومن الطريف أن يرسم البرنامج الدراسي لوحة 'الفسيفساء البشرية في القدس' من خلال الحديث عن أحياء في القدس الغربية يسكنها اليهود الأشكناز والشرقيون والمتدينون والحريديم، مشيرا إلى أن الأحياء التي اختيرت تمثل مجمل الهويات في القدس، مثلما هو من الطريف نقل أم الفحم – في خريطة كتاب المواطنة - إلى الضفة الغربية.

هذه البرامج والعينات تندرج، على ما يبدو في نطاق المشروع الثقافي - السياسي الذي يقوده رسميًا حزب “البيت اليهودي”، ويمثل فعليًا تيارًا واسعًا يخترق معظم الأحزاب اليمينية بما فيها الليكود.

المشروع يتمثل بتهويد الصهيونية ودولتها – إسرائيل – بالمعنى الديني للكلمة، بعد سنوات طويلة من سيطرة التيار العلماني الإثني عليها، فلطالما اعتقد مفكرو الصهيونية الدينية أن علمانية الصهيونية الظاهرة هي مجرد وهم، وأن المشروع الصهيوني سَيسقُط في يد الصهاينة الدينيين. وإن كانت الصهيونية الدينية قد سوَّغت الصهيونية للمتدينين، فإنها قامت بصهينة الدين اليهودي وتوفيقه مع الصياغة الإثنية التي طرحها 'آحاد هعام' والتي لا تتعارض مع الصياغة السياسية التي طرحها هرتسل. ويؤمن الصهاينة الدينيون بوحدة التوراة والأمة وأن اليهود كـ'شعب' لا يمكنه الاستمرار من دون التوراة، وأن هذه الوحدة، لا يمكن أن تأخذ شكلها الكامل خارج فلسطين، أي أن عناصر الثالوث الحلولي: الأمة والكتاب والأرض.

تهويد الصهيونية أو صيرورة “سقوطها' بأيدي 'الصهاينة المتدينين' جاء في فترة ما بعد أوسلو بالذات، والتي شهدت تراجعاً للأيديولوجية الصهيونية، فظهرت 'ما بعد الصهيونية' تعبيراً عن هذا التراجع، وعن الإحساس بفشل المشروع الصهيوني، وانحسار الأيديولوجية الصهيونية (أساس الشرعية الصهيونية).

وقد قام دعاة 'ما بعد الصهيونية' بمراجعة المقولات الصهيونية الرئيسية وانتقادها، ومحاولة 'نزع القداسة' عن كل أو بعض المقدَّسات الصهيونية. فوجَّه حملة خطاب 'ما بعد الصهيونية' النقد لبعض الأفكار السائدة مثل 'جمع المنفيين' (أي تجميع كل يهود العالم في الدولة الصهيونية وطن اليهود القومي المزعوم)، والطبيعة العسكرية للمجتمع الإسرائيلي ونزعته التوسعية، وشعار 'الأمن فوق كل اعتبار'.

وتناول بعضهم بالنقد الأيقونة الصهيونية الكبرى المتمثلة الهولوكوست! وقام المؤرخون الجدد بمراجعة الرواية التاريخية الصهيونية لحرب 1948 (النكبة)، وقام الأثريون الجدد بمراجعة الاكتشافات الأثرية التي تعزز الرواية الصهيونية.

وبدا وكأن أركان الرواية الصهيونية تتهاوى قبل أن تافرز موجة ما بعد الصهيونية نقيضها المتمثل بتيار الصهيونية الدينية، مثلما افرزت موجة “بوست مودرنيزم” اللبراليين الجدد كتيار مضاد لها، أفرزت 'ما بعد الصهيونية' مضادها المتمثل بالصهيونية الدينية أو ما يمكن تسميتهم بـ'الصهاينة الجدد' الذين قاموا بدفن البوست صهيونية وهي في المهد. وتشكل الصهيونية الدينية اليوم العمود الفقري لليمين الصهيوني، ويشكل دعاتها طليعة الاستيطان في الضفة الغربية بعد تحويل الأرض إلى مركز القداسة، واعتبار التنازل عن أي شبر منها ليس مجرد خيانة بل كفر وهرطقة.

وفي هذا السياق لا نرى أصدق من عنوان مؤلف أحمد بهاء الدين شعبان، الصادر عام 1999 'ما بعد الصهيونية وأكذوبة حركة السلام الإسرائيلية'، والذي اختار أن يختم آراء مجموعة من الكتاب والمفكرين العرب حول الموضوع بإيجاز أورده على لسان د. عزمي بشارة يقول فيه إن الخطاب الذي يهيمن بالتدريج على الشارع الإسرائيلي ويصل إلى القمة، في مرحلتها الحالية، هو 'خطاب يميني متطرف يندمج ويتفاعل مع الخطاب الديني'، وهو 'خطاب يكاد يكون فاشيًا في أطروحاته' وبالتالي فإن 'ما بعد الصهيونية'، قد تكون، قد تكون اليهودية وليس الليبرالية، وقد تكون ما بعد الصهيونية، برأي بشارة، هي الفاشية وليس بالضرورة الليبرالية.

اقرأ/ي أيضًا| الهولوكوست الفلسطيني

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019