تطرف نتنياهو وعجز ليبرمان

تطرف نتنياهو وعجز ليبرمان

بلال ضاهر

اعتبرت السلطة الفلسطينية، في بيان صادر عن وزارة خارجيتها، أن تعيين أفيغدور ليبرمان وزيرا للأمن سيزيد من تطرف الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ويثبت أنها لا شريك للسلام في إسرائيل، وكأنه لو قرر بنيامين نتنياهو ضم 'المعسكر الصهيوني' أو حزب العمل، برئاسة يتسحاق هرتسوغ، ستصبح حكومة نتنياهو شريكًا أو ستجنح نحو السلام.

كذلك فإن تباكي سياسيين ومسؤولين أمنيين سابقين ومحللين على موشيه يعالون، الذي سيطيح نتنياهو به من منصبه كوزير للأمن ويعين ليبرمان مكانه، هو أمر لا صلة له بالواقع. فيعالون ليس أقل تطرفًا من ليبرمان، وكلاهما مستوطن في الضفة الغربية. وربما يكون لسان يعالون منضبط أكثر من لسان ليبرمان المنفلت. ولعل ما يصب في صالح يعالون، بحسب المفاهيم الإسرائيلية، هو أنه رجل عسكري وتولى أرفع المناصب العسكرية، ولذلك فإنه يملك خبرة كبيرة وطويلة في المجال الأمني.

إلا أن التباكي في إسرائيل على إقالة يعالون من باب أن الفلسطينيين سيدفعون ثمن تعيين ليبرمان وزيرًا للأمن، ليس في محله. فإسرائيل، خلال ولاية يعالون في وزارة الأمن، ارتكبت مجازر رهيبة بحق الفلسطينيين، وخبرة يعالون الأمنية الطويلة تشمل تنفيذه شخصيًا عمليات اغتيال، إحداها اغتيال القيادي الفلسطيني أبو جهاد في تونس.

العقيدة القتالية الإسرائيلية لا تتغير وفقًا لوزير الأمن. وخلال الحروب التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة، منذ نهاية العام 2008 وحتى عام 2014، وتدمير عشرات آلاف البيوت وقتل آلاف الفلسطينيين، نُفذت بموجب ما يطلق عليه الجيش الإسرائيلي 'عقيدة الضاحية'، في إشارة إلى القتل والدمار في ضاحية بيروت الجنوبية خلال الحرب الإسرائيلية ضد لبنان عام 2006.

في الحرب القادمة، إذا نشبت، ستستخدم إسرائيل العقيدة الإجرامية ذاتها. وقال ذلك ضباط إسرائيليون كبار، قبل سنة وسنتين، وتحدث عنها يعالون نفسه. وإذا وقعت الحرب المقبلة خلال ولاية ليبرمان كوزير أمن، فعلى الأرجح أن الجيش سيرتكب نفس الجرائم، مثلما فعل في لبنان عام 2006، عندما كان يتولى وزارة الأمن عمير بيرتس من حزب العمل والذي لم يكن يملك خبرة أمنية وعسكرية، مثلما هو حال ليبرمان اليوم.

وبالنسبة للعلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين، تبدو القيادة العسكرية الإسرائيلية أكثر عقلانية من القيادة السياسية. ففي مقابل دعوات القيادة السياسية إلى قتل أي فلسطيني يحمل سكينًا أو يشتبه بذلك، طالب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، جنوده بعدم استسهال الضغط على الزناد، وذلك بعد إفراغ ذخيرة بندقية أوتوماتيكية في جسد صبية فلسطينية تحمل مقصًا. وخلال الهبة الفلسطينية الحالية، تعمد الجيش اتخاذ خطوات لمنع تصعيد الهبة، بل أن الجيش دعا الحكومة إلى تنفيذ خطوات سياسية من أجل منع التصعيد الأمني مع الفلسطينيين. نتنياهو رفض مثل هذه التوصيات.

ويعالون، رغم أنه يعارض قيام دولة فلسطينية، إلا أنه أيد الخطوات التكتيكية تجاه الفلسطينيين، التي أوصى بها الجيش. وليس واضحًا كيف سيكون موقف ليبرمان بهذا الخصوص، وهنا سيكون امتحانه وما إذا كان سيصطدم مع هيئة الأركان العامة أم لا.

الأمر الآخر، الذي سيكون لليبرمان كوزير أمن دورًا هامًا فيه هو ترقية ضباط وتعيينهم في المناصب العسكرية الرفيعة. وفي هذا السياق، وفي ظل ظاهرة تديين الجيش، أي تزايد وجود المتدينين اليهود، وخصوصًا من أتباع التيار الصهيوني – الديني، فإنه يتوقع أن يدعم ليبرمان ترقية وتعيينات ضباط من ذوي الميول اليمينية. وليس واضحًا ما إذا سيكون هؤلاء من المتدينين، لأن ليبرمان علماني ويمثل جمهورا علمانيا بالأساس.

وتفيد المعلومات التي رشحت من المفاوضات بين ليبرمان ومندوبي نتنياهو، أن ليبرمان سيحصل على حقيبة الأمن وحقيبة استيعاب الهجرة وعضوية اللجنة الوزارية للتشريع وعضوية اللجنة الوزارية الاجتماعية الاقتصادية ورئاسة لجنة برلمانية. وسيكون ليبرمان عضو في المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت).

ربما تكون مساهمة ليبرمان السياسية في حكومة اليمين المتطرف من خلال عضويته في الكابينيت، وهو مركز صناعة القرار والمداولات الإستراتيجية الأهم في إسرائيل. والمركز الهام الآخر هو اللجنة الوزارية للتشريع، التي تقر مشاريع القوانين التي ستطرحها الحكومة في الكنيست. ومساهمة وجود ليبرمان أو مندوب عنه في هذه اللجنة سيعزز سن قوانين عنصرية ومعادية للديمقراطية التي كان حزبه من السباقين إلى طرحها. ويأمل ليبرمان بدفع مشروع قانون يسمح بإعدام فلسطينيين مدانين بتنفيذ عمليات أو التخطيط لها.

صحيح أن ليبرمان هو سياسي يميني متطرف، لكن هذه الحقيقة لا تعني الكثير في عهد حكومة نتنياهو الحالية...

من جهة ثانية، كوزير للأمن ومسؤول عن إدارة الاحتلال للضفة الغربية، سيسعى ليبرمان من دون شك إلى تكثيف وتسريع الاستيطان، في محاولة لكسب ناخبين من اليمين والمستوطنين. لكن في هذه الناحية بالذات يمكن أن يدخل ليبرمان في صدام مع نتنياهو، في حال كانت هناك ضغوط خارجية على الأخير من أجل تجميد أو إبطاء وتيرة البناء في المستوطنات، وإذا قرر ليبرمان عدم الانصياع لهذه الضغوط.

ويتوقع البعض في إسرائيل أن يسعى ليبرمان إلى 'تهذيب' خطابه تجاه الدول الغربية، خصوصًا تجاه الولايات المتحدة، وذلك قياسا بخطابه الاستفزازي خلال ولايته كوزير خارجية. فالعلاقات الأمنية مع هذه الدول أهم بكثير بالنسبة لإسرائيل من العلاقات السياسية، التي تسودها توترات أحيانا.

صحيح أن ليبرمان هو سياسي يميني متطرف، لكن هذه الحقيقة لا تعني الكثير في عهد حكومة نتنياهو الحالية. وسياسة هذه الحكومة ستستمر كما هي، ونتنياهو ليس بحاجة لليبرمان أو غيره من أجل ممارسة سياسته العدوانية، خاصة تجاه الفلسطينيين، مثلما سيستمر في دفع سياسته الاقتصادية النيوليبرالية بدعم كامل من ليبرمان.

اقرأ/ي أيضًا لـ بلال ضاهر

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018