أسئلة معلقة حول المشروع الوطني الفلسطيني

أسئلة معلقة حول المشروع الوطني الفلسطيني

نيفين أبو رحمون

منذُ أن حلَّت النكبة، وألقى الاحتلال بظلامهِ على فلسطين، والشعب الفلسطيني يمرُّ بحالةٍ ظاهرةٍ للعيانِ، تتمثلُ في تعدد مرجعياتهِ السياسية، علاوةً على التقسيم القسري الذي فرضَ عليهِ ضمنَ ثلاث كيانات؛ عرب 48، وفلسطينيو الضفة وقطاع غزة، وفلسطينيو الشتات، مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع الخاص لفلسطينيي القدس، أو ما يصطلح على تسميتهم بـالمقدسيين.

غياب المرجعية

هذه المعادلة المفروضة بقوةِ الجغرافيا، جغرافيا الاحتلال الذي يتمدد يومًا بعدَ يوم في ظلِّ غياب مشروع وطني فلسطيني جامع وشامل، وأسُّ المشكلة في ذلك غيابُ المرجعية الموحدة للشعب، وشتاتُ وجودهِ جغرافيًا، وما نتج عن ذلك في تباين الخصوصية لدى الشعب، ما يعني أن هنالك سلم أولويات مختلفًا.

ورغمَ ذلك، تكيَّفَ الفلسطيني.. كلٌّ حسب موقعهِ، وواقعهِ، وأخذ في تحديد رؤيته ضمن هذا النطاق، مع وجود إجماع شعبي على أهمية النضال من أجل دحر الاحتلال، من خلال التمسك بالحقوق التاريخية، والطبيعية للفلسطينيين، وحفظ حقوق الشعب وأهدافه الوطنية، وذلك وفق خصوصية المكان الذي يقف عليه، وأدواته المتاحةُ، فكان لكل تجمّعٍ برامج كفاحه اليومي، بل ولكلِّ فردٍ طريقتهُ التي يرتأي في مقارعةِ الاحتلال، حتى لو كان ذلك في"بوست" و"صورة" على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتكيُّف الفلسطيني مع واقعهِ، ليسَ وليدَ مرحلةٍ بعينها، بل هو نتاج تراكمات أفرزت لديه القدرة على تجديدِ وتأصيلِ أدواتهِ النضالية وفق سياق التحولات الجارية؛ الفلسطيني ليس حبيسَ ذاكرةٍ مفتوحةٍ على هزيمةِ 48 و67، بل هو إنسانٌ يتفاعلُ مع واقعهِ ونصب عينيهِ المستقبل، الذي يطمح بأن يكونَ الاحتلال فيه قد تبدد. 

ومن الأشكال التي أبدعَ فيها الفلسطيني، استثماره للفضاء الجديد الذي تنشط فيه أشكال مُستحدثة من العمل السياسي، والكفاحي، والمجتمعي، والمبادرات الفردية، والجماعية التي تتبلورخارج المنظومة السياسية التقليدية، مثل عشرات المبادرات التطوعية، وحركة مقاطعة إسرائيل، ومبادرات ولجان حق العودة، ولجان مقاومة الاستيطان، والنهوض الثقافي والأدبي الفلسطيني في الابتكارات العلمية والمسرح والرواية والسينما والفنون الشعبية، وهي أشكال من العمل السياسي والكفاحي، التي من الممكن أن تسهم في إعادة تشكيل الحقل الوطني الفلسطيني.

الوحدة ضرورة وليست خيارًا 

تكمن أهمية الوحدة بأنها ضرورة وطنية وليست خيارًا من الخيارات، خاصة في ظل وجود عدو مشترك ومخاطر مشتركة تهدد الكل الفلسطيني، تتمثل في وجود مشروع صهيوني استعماري إحلالي إجلائي عنصري لا يعطي لأي فلسطيني أي عرض يمكن القبول به.

ورغمَ أن الوحدة السياسية مستبعدة، لأسباب متعددة، في مقدمتها الاحتلال الذي يلعبُ دور الفاصل العنصري، إلا أن كافة أدوات الاحتلال ووسائل بطشهِ، لا تستطيع أن تلغيَ وحدةَ الشعب الفلسطيني تجاهَ أرضهِ، وتاريخهِ، وأمتهِ، الأمر الذي يعني بقاء التحدِّي قائمًا، ومتواصلًا، منذُ النكبةِ، وحتى المستقبل؛ لأن الصراع وفق الجدلية السابقة، وجودي، ولا يمكن لأيِّ احتلالٍ أن يُلغي شعبًا بأكلمه، وهذا ما قالهُ التاريخ، وما تؤكدهُ الوقائع.

إن تجسيد الوحدة، بمفهومها الوطني، ورموزها القائمةِ تاريخًا وحاضرًا، والحفاظ على استمراريتها، وتجذيرها مستقبلًا، هدفٌ لا خلاف عليه فلسطينيًّا، وأدوات النضال الخاص بهذه الوحدة، تتطلبُ وعيًّا ثقافيًّا يواجهُ الأسرلةَ على وجهِ التحديد، وبشكلٍ موازٍ يواجهُ التغريبَ بكل أشكالهِ ومضامينهِ، في ظلِّ محاولاتٍ لأمركةِ وأوربةِ الشعوب، وسلخها عن جذورها.

قد تنساقُ بعضُ الشعوب في العالمِ وراءَ عملياتِ التغريب، وسلبِالهويةِ، إلا أن هذا يستحيلُ في الواقعِ الفلسطيني؛ لأن الانشغالَ اليومي قائمٌ على نقضِ المحتلِّ، ورفض الانصياع لهُ، الأمر الذي يُفشلُ الأسرلة، وأي محاولات أخرى لمسخ الإنسان الفلسطيني، أو اقتلاعهِ من جذوره. 

لكنَّ الصورةُ، أيضًا، ليست ناصعة البياض، فهنالك إشكاليات، تواجهُ هذا الكلُّ الفلسطيني، منها، كما أسلفنا، الشتات الجغرافي، وتعدد المرجعيات، أو غياب المرجعية الوطنية الجامعة، ومع تسليمنا بخصوصية كل فلسطيني حسب مكانَ تواجدهِ، فإن هنالك العام الذي لا يجوز،بأي حالٍ من الأحوال، أن يتجاوزَ فيهِ جزءًا أو قطاعًا أو فئةً من الشعب الفلسطيني على باقي القطاعات، أو الفئات، وإلا فإن ذلك سيكرسُ فوضى وانقسامات وصراعات لا طائلَ منها، ولا فائدةَ لها على الصعيد الوطني واتفاق أوسلو، وما نتجَ عنهُ من انقسام وصراع ليسا عنا ببعيد.

وفي ضوء ما سبق؛ فمن الضروري إشراك فلسطينيي الداخل في القضايا المصيرية التي تخص الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا عبر كسر الحواجز التي خلقها الاحتلال، مع معالجة النتائج الكارثية التي أوجدها الانقسام منذ العام 2006 وحتى اليوم، وما رافق تلك الفترة من دسٍّ إسرائيلي لتعميق الشرخ الفلسطيني.

ومن الضرورة، أيضًا، في أيٍّ معالجةٍ أو معاينةٍ، عدم الانطلاق من نتائج مرحلة أوسلو كسقف لمعالجة الأزمة، أو كإطار مؤسساتي لاستعادة الوحدة وفق البنية الحالية للسلطة.

السؤال المعلّق

ويبقى السؤال المعلق هو عن  كيفية الخروج من الواقع المأزوم؟ وهو ما يقود، كذلك، إلى التفكير في عوامل القوة، والحامل السياسي والاجتماعي القادر على فرض إعادة بناء الوحدة، دون التعويل على طرفي الانقسام، وهو ما يتطلب أن تتضمن المرحلة تحليلا أكثر عمقًا للوضع القائم والتركيز على كيفية إنتاج البديل، مطالبة كل قوى الشعب بالانخراط في الإجابة عن سؤال كيفية الخروج من المأزق، والرجوع إلى المشروع الفلسطيني التحرري.

وفي ظلِّ ما يمرُّ بهِ اليوم مجمل شعبنا الفلسطيني، علينا أن نقف بشجاعةٍ أمامَ المرآةِ وننظر متسائلين؛ من صنعَ أوسلو؟ ومن صنعَ الانقسام؟ هل نعلقُ هذه الهزائمَ على مشجبِ الاحتلال؟ أعتقد أنهُ من الواجبِ علينا كسرَ "البرواز" الذي وضعنا أنفسنا فيه؛ فأوسلو، والانقسام، صناعة فلسطينية... هذه صناديقنا التي صنعناها بأيدينا، ولا سبيلَ لنا بالخروجِ منها، إلا بالاعترافِ بذلك، وتقبلِ التجربةِ، وعقد مراجعةٍ لتكَ المرحلة، وهذا كلهُ من أجلِ تجاوزِ أوسلو.. وما بعدَ بعد أوسلو.

إن سياق المواطنة لا يمنع أن نعرف أنفسنا كجزء من المشروع الوطني والحركة الوطنية الفلسطينية، وعلى فلسطينيي 48 الشروع في حوار حول دورهم وموقعهم في المشروع الوطني، فنحن خرجنا من مرحلة الوهم ومنخرطون في الوعي بأهمية النضال لتحقيق ما نريد.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018