بيان "البروفيسورية" العرب بين الاستعلاء والإحباط

بيان "البروفيسورية" العرب بين الاستعلاء والإحباط

سليمان أبو ارشيد

بعيدًا عن الغرور والاستعلاء من جهة والدونية والإحباط من جهة أخرى، فإن لقب بروفيسور أو أي لقب أكاديمي رفيع هو مصدر اعتزاز لحامله وللمجتمع الذي ينتمي إليه، وللحقيقة، فإن اللافت في بيان البروفيسوريّة العرب ضد العنف، هو أنه أزف لنا أن هناك أكثر من 100 عربي فلسطيني يحملون هذا اللقب الرفيع ويمارسون مِهَنًا واختصاصات هامة وحيويّة في المجتمع الإسرائيلي، لهم يجب أن نقول قبل كل شيء، كما يقول زميلي من عهد الدراسة الجامعية، رياض إغبارية، وهو أحد هؤلاء، نعتز ونفتخر بكم وبإنجازاتكم.

دائمًا سقنا في نقاشات خاصة وفي سياق البحث في أسباب النكبة ثم الهزيمة، لاحقًا، ومع اعتزازنا بانحدارنا من 'أسرة المحراث' والعمل مع 'رفاق الكدح في محجر' بلسان شاعرنا محمود درويش، سقنا حقيقة كون والد نتنياهو بروفيسورًا ووالد رؤوفين ريفلين بروفيسورًا وجد يتسحاق هرتسوغ بروفيسورًا، يضافون إلى العشرات، وربما المئات، ويعكسون التفاوت العلمي والثقافي القائم بين طرفي معادلة الصراع.

لقد استنتجت بقايا شعبنا التي ظلت في الوطن أسوة بمن 'لاصوا' في وحل مخيمات اللجوء لبنان وسورية والأردن، استنتجوا بالفطرة أن التعليم هو أحد أهم الأسلحة في صراع شعبنا ومعركته من أجل البقاء والصمود والانتصار، خاصة وأن الصراع هو أشمل من أن يختزل بنزاع مسلح، وأعمق من أن يختصر بصراع حدود، ونستطيع الجزم أن الإمساك بهذا السلاح هو الذي أخرج شعبنا من ظلمات اللجوء إلى نور الثورة المعاصرة، التي حولته من مجموعات لاجئين إلى شعب يكافح من أجل العودة والدولة، وغني عن البيان أن براعم حركة التحرر الوطني الفلسطيني قد نشأت في جامعتي القاهرة، حيث درس ياسر عرفات وصلاح خلف وبيروت، حيث درس جورج حبش ووديع حداد.

من هنا، فإن شعبنا وأهلنا يحفظون للتعليم والمتعلمين بدرجاتهم المختلفة مرتبة معنوية خاصة، وهي مرتبة تحولت بفعل بساطة أهلنا وكرم أخلاقهم وانتهازية الأكاديميين أنفسهم إلى 'وضع اجتماعي'، فأصبح اللقب الأكاديمي لا يمنح حامله مكانة في التدريج الوظيفي في الجامعة فقط، وهو احتمال غير مضمون، بل في المبنى الاجتماعي ويرشحه للتربع على قمة هرمه التقليدي، لذلك، لم يكن مستغربًا أن يستبدل الدكاترة والمحامين والمحاسبين زعماء العائلات التقليديين في المعركة على رئاسة المجالس والبلديات، في 'تطور' اعتبر بمثابة ترسيخ للعائلية وتجديدًا لشبابها، علما بأنهم لم يحصدوا أي نجاح يساهم في تطوير سلطاتنا المحليّة، لأن أياديهم ظلت مغلولة بالبنية العائلية وقيودها الائتلافية.

في الأحزاب وقوائم الكنيست، أيضًا، نجح أصحاب الشهادات العليا من التسلق بسهولة فائقة إلى المراتب العليا، وتباينت فرص نجاح أو فشل تجربة هؤلاء، استنادًا إلى قدراتهم الشخصية وعمق تجربتهم السياسية السابقة، وما زال بعضهم يبحث عن مكان ومكانة له في كل تشكيل سياسي جديد، فقد رأينا كيف نجح التجمع الوطني الديمقراطي في بداية تشكيله باستقطاب عشرات الأكاديميين، مثلما رأينا المحاولة الفاشلة للبعض في التفتيش عن مكان لهم في القائمة المشتركة.

في هذا السياق، أيضًا، هناك فرق بين من نشأ وترعرع في المعترك السياسي ونجح بأن يجمع بين التعليم الأكاديمي والسياسة وبين من هبط أو يسعى للهبوط بمظلة واحتلال هذا الميدان، ظنًا منه أن 'منزلته' الأكاديمية التي أهلته للجلوس في صدر الديوان، تؤهله، أيضًا، لاحتلال أرفع المناصب في السياسة والمجتمع. والمشكلة أن الأحزاب العربيّة عدا عن أنها لا تمتلك فائضًا من المناصب والمراتب كونها ليست أحزاب سلطة، لديها، أيضًا، من الأكاديميين الذين تربوا وكبروا في كنفها ويجمعون بين التجربة الميدانية والثقافة الأكاديمية وترى فيهم الأفضل لاحتلال المراتب القيادية.

وعودة إلى موضوع العريضة، فقد كنا سنفهم هذا التخصيص لو جرى الحديث مثلا عن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، لنتخيل أن 100 بروفيسور، وليس إيلان بابه وحده، يدعون إلى مقاطعة إسرائيل أكاديميًا، هنا الكم والدرجة الأكاديمية يعطيان مفعولهما ووقعهما. أما أن يتم استثناء الدكاترة مثلا من عريضة ضد العنف، التي يصلح أن يوقع عليها عمال عمار، أيضًا، فهذا غير مفهوم، ولا أريد أن أذهب إلى ما ذهب إليه البعض من أن هناك من هو مهتم بـ 'منزلة' بروفيسور أكثر من اهتمامه بموضوع العنف.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019