الخصوصية في ظل الوحدة الفلسطينية

الخصوصية في ظل الوحدة الفلسطينية

هنيدة غانم

تهدف هذه الورقة الى التحريض على تجاوز الوقع السياسي الفلسطيني المأزوم، من خلال اقتراح تطوير إطار عمل جماعي وطني من جهة وتحويل الجهد نحو بناء الكينونة الفلسطينية الجماعية من جهة أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات والمحددات المؤثرة للجماعات المختلفة سواء في الداخل او الضفة والقطاع والقدس او الشتات.

وقد تم تقديم هذه الورقة وتطويرها ضمن مشروع مشترك ومستمر يقوم به مركز مدار ومجموعة التفكير الاستراتيجي في رام الله منذ حواي عاوم يهدف الى الخروج برؤية مشتركة حول علاقة الفلسطينيين بين عبري الخط الأخضر ويأتي ضمن صحوة معينة ثقافية تحاول ان تطرح بدائل للخروج من الواقع الفلسطيني المأزوم.

بداية، سأقوم بقراءة سوسيولوجية تحليلية لثلاثة مفاهيم أساسية ومشكلة في التجربة الفلسطينية العامة وفي صياغة اقتصادياتها الداخلية وعلاقاتها المتبادلة كما تتجلى اليوم، وهي: التجزئة والخصوصية والوحدة.

وسأحاول أن أطرح قراءة لمعنى هذه المفاهيم والمقصود فيها والعلاقة بينها وتأثيرها على واقعنا الحالي ومستقبلنا الوطني وسبل التعامل معها.

على خلاف العادة أريد أن أبدأ بالذات بالإشارة إلى عدة نقاط يتفق عليها أغلبية الفلسطينيين إن لم نقل كلهم ثم سأنتقل لبعض الملاحظات المرتبطة بنيويا. هذه النقاط هي:

1.     أن الشعب الفلسطيني مجزأ نتيجة ظروف تاريخية وسياسية فرضت عليه أهمها النكبة وليس بسبب خيار.

2.      أن التجزيء هو أحد عوامل ضعف الفلسطينيين بشكل عام وفي أماكن التواجد المختلفة بشكل خاص.

3.     أنه من الأسهل لإسرائيل أن تتعامل مع الشعب الفلسطيني كأجزاء بدل التعامل معه ككل.

إذا اتفقنا على هذه الأمور يمكن أن نضيف بعض الملاحظات المرتبطة ارتباطا بنيويا بها وهي:

1.     أنتج واقع التجزئة والعيش في سياقات متمايزة والتفاعل المختلف للأجزاء في أماكن تواجدها خصوصيات الجماعات المختلفة التي هي انعكاس لاحتياجات وضرورات وخيارات كل مجموعة، والتي تحولت إلى جزء من ثقافة الحياة اليومية والسياسية. أي أن التجزئة هي الشرط الأول الذي أدى إلى إنتاج الخصوصية ونحت مميزاتها وشكل حدودها.

2.     إن الاحتياجات والضرورات والمحددات لكل جزء أنتجت عوالم فلسطينية اجتماعية متوازية دون وجود أي رابط أو إطار جامع بينها.

3.     أن الأجزاء المختلفة في عوالمها المتوازية طورت مشاريع سياسية متوازية ولغة حقوقية متوازية وأدوات نضالية مختلفة إذ يركز فلسطينيو 67 على الدولة من خلال تبني أشكال نضال تتراوح بين شعبي ومسلح ويركز الداخل على المواطنة عبر الأدوات السياسية فيما تحول تركيز الشتات اليوم باتجاه العودة.

4.     أن كل مشروع سياسي للجماعات المتوازية ينطلق من علاقات القوة والسياق الموضوعي الذي يتموضع فيه ويتفاعل معه دون وجود رابط ممأسس ينظم العلاقات بينهم فيما عدا اجتهادات عابرة.

5.     أن التجزئة الحالية ليست نهائية بل متحركة ومتبدلة، حيث نشهد نزعا متصاعدا للشتات عامة والمخيمات الفلسطينية خاصة من الجماعة السياسية المقصودة بحق تقرير المصير، وتعميق فصل غزة عن الضفة.

**

تستدعي هذه الملاحظات مجموعة من الأسئلة المهمة التي تتوزع إلى ثلاثة مستويات متشابكة ومترابطة بشكل بنيوي وسأحاول أن افصل بينها إجرائيا هنا، فقط من اجل تسهيل عملية تفحصها والتي يمكن أن تساعدنا في صياغة تصور للعلاقة الممكنة والمرغوبة بين أجزاء الشعب المشظى:

وطنية- وجودية، وسوسيولوجية- سياسية وتطبيقية- عملية.

1.     الوطنية-الوجودية: مرتبطة بتعريف الجماعة لذاتها وللأنا الجمعية: من نحن؟ وتعريفها لمصلحتها العليا: ماذا نريد؟ وما العلاقة  بين الجزء والكل؟ كيف نريدها أن تكون؟

2.     سوسيولوجية تنعكس على الوطني والوجودي وتؤثر فيه وتتشكل على صداه أهمها: ماذا نقصد بالتجزئة وكيف نعرفها؟ كيف تتمظهر التجزئة؟ ما هي العلاقة بين التجزئة وتشكيل مفهوم الخصوصية وهل يمكن أن نفصل بينهما؟

3.     تطبيقية- عملية: هل يمكن أن نتجاوز التجزئة وكيف؟ ما هي الأدوات المتوفرة أمام الجماعات الفلسطينية في أماكنها المختلفة؟ هل يمكن أن نعيد مناورة الواقع وتحويره بحيث تتحول الخصوصية إلى أداة للتمكين الجماعي والتشبيك بدل الفصل والتمييز؟

المستوى الوجودي- الوطني:

يقصد بالوجودي- الوطني عالم المعاني الذي تعطيه الجماعة لوجودها ولتجاربها التاريخية وصيرورتها، وتعبر من خلاله عن مشاعرها المشتركة ونظرتها تجاه احداث وشخصيات ورموز، وتشكل المعاني محور سرديات الجماعة القومية الكبرى وتتضمن تصورها عن ذاتها وتنعكس بشكل أساسي في تعريفها للنحن الجمعية المتخيلة (وليس المتهيأة بالطبع). وتشكل الثقافة حامل المعاني الأساسي الذي يستدمج المعاني ويعيد صياغاتها في منتجات محتفلة كالحكاية الشعبية والأدب والشعر والفن وغيره. ويعتبر المثقف في هذا السياق وكيل انتاج المعاني الثقافية وصاحب دور أساسي في نحت قيم المجتمع وتوجيهها ونشرها، وحرس بوابتها الذي يحدد القيم والرموز التي يجب أن تحترم وتلك التي يجب أن تدان.

يمكن أن نشير إلى أن الفلسطينيين في كل مكان في العالم يتشاركون في مجموعة من المعاني الأساسية التي تشكل محور صياغتهم للنحن الجمعية، كما يتقاسمون في فهمهم للاحداث التاريخية المختلفة في العصر الحديث. وقد لعب المثقفون وخاصة الشعراء والادباء في هذا المجال الدور الأهم في صياغة النحن والتعبير عنها برموز ومعان تثير تعاطف وتماهي كل أجزاء الشعب بغض النظر عن أماكن تواجدهم.

وفي هذا السياق بنى المثقف خاصة والفلسطيني في أماكن تواجده المختلفة معنى التجزئة والشتات في سياق بنائه لسرديته الوطنية لتاريخ  النحن الحديث حيث تحضر النكبة بوصفها حدثا مؤسسا يشطر التاريخ الزمني ما بين عالمين: عالم الما قبل الحميمي الكامل والفردوسي وعالم الما بعد المتشظي والاغترابي والمنزوع والمجتزأ.

إن القول بواقع التجزئة في الخطاب العام هو القول بوجود واقع سابق كان فيه كل واحد تم تفسخه في لحظة ما. وحين يشير الفلسطيني عامة والمثقف خاصة إلى التجزئة فهو يشير فعليا إلى لحظة عنيفة في تاريخه الحديث أدت إلى تحوله من كل واحد ينضوي تحت مظلة شعب واحد إلى أجزاء متفرقة، لم تكن قبل ذلك موجودة هي الفلسطينيون في الداخل ممن يحملون جنسية إسرائيلية، والفلسطينيون في مناطق 67 وفلسطينيو الشتات، علما أن مناطق 67 عاشت تجربتين متمايزتين بين الحكمين الأردني والمصري.

ويقصد بالكل الواحد او "النحن الجمعية" مجموعة السكان الذين عاشوا في فلسطين قبل عام 1948 واشتركوا بعدة مميزات على رأسها العيش في وحدة جغرافية محددة والانتماء الاثني واللغة الواحدة والتاريخ والعادات والتقاليد. ولعبت هذه المميزات دورا في تطويرهم لهوية قومية مشتركة  في أساسها الشعور بوحدة المصير والمطالبة بحق تقرير المصير. وقد أسهم في تشكل الجماعة القومية وتصليب عودها وجود عدو مشترك هو الحركة الصهيونية والانتداب البريطاني والمواجهة المستمرة معهم على الأرض. وبغض النظر عن الاجتهادات والمشاريع السياسية التي طرحت قبل عام  48، فان الميزة المهيمنة للوجود القومي الفلسطيني كانت الاعتقاد بوحدة الشعب ووحدة المصير ومن هنا أيضا الأهمية التي تلعبها النكبة في الثقافة الوطنية بوصفها لحظة فقدان راديكالية. 

في الأدب والكتابة والفن والحكاية الشعبية تستحضر صورة فلسطين "ما قبل" بوصفها تشير إلى الوحدة والكمال والفردوس والمكان الحميمي والأمان، فيما يشار إلى كل ما بعدها كنقيضها الذي يشتق من غيابها، الشتات وفقدان الأمان والذل والإنكار والخوف والتستر على الحلم، وبين الاثنين تطل من بين ثنايا الشعر والأدب صورة الفلسطيني المتخيل الذي يراد منه أن يستعيد الماضي الذي يشكل المستقبل الوحيد الذي يتوق اليه الفلسطيني. وما هو الماضي؟ تساءل إميل حبيبي في قصته القصيرة "وأخيرًا... نوّر اللّوز ويُجيب على لسان أحد أبطاله: "إنّ الماضي ليس زمنًا. إنّ الماضي هو أنت وفلان وفلان وجميع الأصدقاء [...] ماضينا، الذي أريده أن يعود كما يعود الربيع بعد كلّ شتاء".

ماضي الفِلَسطينيّ المتخيل هو صورة سالبة للحاضر المُتنكّر له والمُقصي، حياته السابقة للخراب: البيت قبل أن يُصبح خيمة، الفلاّح قبل أن يُصبح لاجئًا، يافا قبل أن تُصبح خربة، وربيع الكرم قبل أن يصير كومة أشواك. الماضي إذن هو بالضبط المستقبل. وبكلمات درويش :

والآن وأنت مُسَجًّى فوق الكلمات وحيدًا، ملفوفًا بالزنبق، والأخضر والأزرق، أدركُ ما لم أدرك:

إنّ المُستقبل مُنْذُئذٍ،

هو ماضيك القادم!

الصورة المستحضرة للماضي لا تشير بالضرورة إلى حالة موضوعية وهذا أمر لا يهم في تشكل الهويات الجمعية، بل حالة ذاتية متخيلة ومتشكلة في الوعي. المهم ليس ما كان بل كيف يتم تخيله وبناؤه وما الذي يستحضر وما الذي يغيب في كتابة الهوية.

موضوعيا حدثت التجزئة نتيجة تقاطع فعلين قامت بهما القوات الصهيونية هما التشريد من جهة ووضع الحدود وتعليم مساحة الدولة من جهة أخرى، وفي حين أدى الأول إلى توفير مساحة للدولة الإسرائيلية فان الثاني كان أداة مأسسة سيادتها على المساحة هذه، والأمران لم يكونا ممكنين الا بفعل عنيف راديكالي يسميه والتر بنيامين عنف التأسيس أي العنف الذي يؤسس للبنية المستجدة في مقابل اشكال العنف الحافظة التي جاءت بعد ذلك من أجل تأكيد استدامة البنية التي أسست للتو، ووصفها إميل حبيبي على لسان سعيد من خلال ما فعله أبو اسحق بامرأة قروية فلسطينية كان معها وليدها. عادت هذه تسللاً إلى قريتها البروة، فرآها أبو اسحق، وخاطبها قائلاً:       

" ألم أنذركم أن من يعود إليها يقتل؟ ألا تفهمون النظام؟ أتحسبونها فوضى. قومي  اجري أمامي عائدة إلى أي مكان شرقاً. وإذا رأيتك مرة ثانية على هذا الدرب لن أوفرك" وهكذا يطردها إلى خارج فلسطين. (من المتشائل)

وهو ما يعني أن تشظي الكل الفلسطيني مرتبط ببدء الوجود الإسرائيلي للدولة وأن تأكيد استمرار هذا التشظي هو جزء من أدوات العنف الحافظ الذي يهدف إلى استدامة البنية بصيغتها الأولى.

وتزخر الكتابة الأدبية والثقافية الفلسطينية بالكتابات التي تصف لحظة التشظي هذه ومآلاتها الاجتماعية والنفسية والجمعية كما تزخر بتوصيف طرق الخروج منها. ويمكن أن نلحظ في هذا السياق انبلاج موتيفات في الثقافة الفلسطينية تعبر بشكل متفاوت عن تجربة النكبة من حيث الطريقة التي خبرها، حيث تتمحور الكتابة الأدبية للشتات حول موتيف الفردوس المفقود، وأرض البرتقال الحزين، في مقابل التمحور حول موتيف الأرض في الداخل والصمود والبقاء فيها بكل أساسي. وتتفرع من هذه الموتيفات مجموعة من الرموز الفرعية منها المرتبطة بالنضال كالتغني بالفلسطيني المقاوم والند مقابل المهزوم والذليل والمتخاذل ...الخ.

المهم في هذه الكتابات أنه وبغض النظر عن خصوصيات التجربة لكل مجموعة وعن التشظي الجغرافي للمجموعات التي ولدت من النكبة الا أن هذه الفترة الممتدة من 1948 وحتى بداية السبعينيات شهدت إصدار مجموعة كبيرة من الكتابات الأدبية المؤسسة لثقافة وطنية فلسطينية جامعة، التي تشكل النكبة عقدة تواصلها والأرض محورها (عبر التشبث بها أو الحداد على فقدانها والتوق للعودة إليها)، والماضي حامل فردوسها المحلوم ومستقبلها المختبئ حتى الخلاص.

النكبة تشكل في هذا السياق اللحظة الزمانية الجامعة، والعقدة التي تربط خيوط الجماعات المجزأة في سردية واحدة لها مكوناتها وموتيفاتها، والتي بغض النظر عن الانتماء المكاني اللاحق للكاتب سواء كان في الداخل أو الخارج في حيفا أو الشتات يمكن أن يشعر الفلسطيني تجاهها بالتعاطف وأنها تعبر عن مكنوناته النفسية وأن يتضامن معها، وهي بهذا المعنى دينامو إنتاج الهوية الوطنية الجمعية الذي يتحلق حولها الفلسطينيون. من هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يعد سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد وراشد حسين وحنا أبو حنا شعراء المواطنين العرب في إسرائيل، بل شعراء فلسطينيون والأمر ذاته عن ناجي العلي وغسان كنفاني ومعين بسيسو وهم بهذا استمرار لا حالة جديدة ومن الضرورة موضعتهم على التسلسل التاريخي لا بموازاته.

وقد عبر توفيق زياد عن رؤية مهمة حين كتب:

ليس صحيحا أننا- الشعراء الذين أبقتهم الكارثة في وطنهم- بدأنا من جديد...كل شيء يمكن بدؤه من جديد إلا الثقافة الأصيلة، التي كالحياة نفسها، تورث بقوة الاستمرار. نحن الشعراء الذين كنا ببدايتنا نعد على أصابع اليد ، لم نبدأ الطريق بل أكملناها... هي الطريق ذاتها منذ إبراهيم طوقان وأبو سلمى وعبد الرحيم محمود ومطلق عبد الخالق وآخرين.

 إذًا يمكن أن نقول إنه رغم التجزئة والنكبة والتشظي، ورغم تهديم الأطر المؤسساتية،  نجت الثقافة رغم ما أصابها من كدمات. وعادت للعمل من جديد بوصفها وعاء جمعيا تمر منه مشاعر الجماعة وتصاغ قيمها وتطلعاتها، وتحمل لا وعيها الجماعي، وإن حضرت عبرها تجارب الجزء في توزعاتها وتنوعاتها فإنها تستدمج ضمن سردية الجماعة الكبرى وليس بموازاتها.

لقد كانت أشعار درويش في سجل أنا عربي تثير حماسة الفلسطيني في لبنان ولو أنها كتبت للرد على تحدي الهوية في الداخل، كما حرك شعر سميح القاسم يا منشئين على خرائب منزلي تحت الخراب نقمة وحماسة الفدائي الذي وضع خطاطات صورته راشد حسين في قصائده.

لم يكتب الشاعر في الناصرة عن مصادرة الأرض فقط بل عن العودة والخيمة وأرض يافا الحزينة، وكان غسان كنفاني يكتب عن أرض البرتقال الحزين وعن عكا وكانت الرموز تتداخل في وعاء الثقافة الوطنية التي ظلت الحاضنة المشتركة للنحن الجمعية. لقد ظلت الثقافة أهم مظلة جامعة فلسطينيا واستمرت الأجزاء في رفدها رغم خصوصياتها وهو ما يشكل نموذجا يمكن استخدامه لتجاوز الأجزاء وتمكين الجماعة.

المستوى السوسيولوجي- السياسي:

جينولوجيا الخصوصية، تطورها وتشكلها

كيف تمظهرت الخصوصية وما علاقتها بالتجزئة، وكيف أعادت تشكل الأنا الجمعية كذوات وكيف أثرت هذه التجزئة على تشكل السياسي؟ ما هي العلاقة بين التجزئة وتشكيل مفهوم الخصوصية وما هي ديناميتها والعوامل المؤثرة فيها ؟

هل يمكن أن نفصل اليوم بين التجزئة والخصوصية؟ وكيف يمكن أن نعيد تشكيل الخصوصية لتتوافق مع الأنا الجمعية التي تحفظها الثقافة وترفدها؟

تعرف الخصوصية بأنها تفرد وتميز مجموعة معينة عن غيرها نتيجة تفاعلات مستمرة بين عوامل ومركبات بنيوية وذاتية. نتجت خصوصية الجماعات الفلسطينية في أماكنها المختلفة نتيجة التجزئة العنيفة بسبب النكبة ونتيجة الشروط والمحددات التاريخية وعلاقات القوة التي وجدت كل مجموعة نفسها متموضعة فيها بعد النكبة وأشكال تفاعل الجماعات معها، مما يعني أن الخصوصية نتاج دينامي وليس ثابتا وأنها تتشكل وفق الشرط التاريخي.

 في هذا السياق مثلا كان لتموضع الفلسطيني الزمكاني في الداخل في إسرائيل كدولة وفي فلسطين كوطن منكوب واختيار سبل المناورة في هذا الواقع المعقد أثر على تشكل خصوصية الداخل، لإذ كان لا بد من التشابك مع الدولة ومؤسساتها المختلفة من اجل توفير احتياجات الوجود الأساسية والبقاء، فيما كان الذهاب للعمل السياسي في الحيز المتاح من قبل الدولة هو تدخل اختياري. تفاعل الأمرين شكل الخصوصية وأنتج ثقافة اليومي والسياسي والاقتصادي.

  كذلك كان الأمر بالنسبة لخصوصية فلسطينيي الأردن ممن يحملون الجنسية الأردنية مع الفرق أنهم اعتبروا مواطنين متساوين في دولة عربية وكان بإمكانهم فعليا تقلد الوظائف التي يريدون، إضافة إلى ذلك شكل الخوف من شعار "الأردن الوطن البديل" وتزايده عاملا مهما لصياغة "خصوصية متوترة" للفلسطيني في الأردن تنعكس في تراكم مستمر لمشاعر متناقضة تجاه الهوية الوطنية وبين الرغبة في الاندماج والرغبة في التميز والحفاظ عليه.

إذًا على خلاف "الخصوصية المتوترة" لفلسطينيي الأردن كان الفلسطيني في الداخل يقع في قلب وطنه في بنية سياسية تبلورت من خلال نقضها لحقه في الوطن أولا وفي أن يكون شريكا كاملا في النظام السياسي وفي المواطنة ثانيا، في هذا الإطار كانت خصوصيته تنبني من خلال التقاطع بين مساعيه للاندماج الكامل في الحيز السياسي الذي يقصيه والبقاء في الوطن الذي يحتويه، لكن هذه الخصوصية ما كان لها أن تتشكل ككيان منفصل ومواز لولا وجود إقرار أساسي بحل الدولتين الذي هيمن سياسيا وتشكل منذ البداية وفق حدود القوة الإسرائيلية التي فرضتها إسرائيل وشكلت 78% من مساحة فلسطين بما فيها سكان المناطق التي كانت معدة لتكون ضمن الدولة العربية وفق قرار التقسيم، علما أن هذه الحدود تحولت إلى مرجعية فلسطينية غير مفكر فيها.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن الخصوصية تشكلت في المستوى السياسي وليس الشعبي لكنها انتقلت إليه لاحقا بتأثير أحداث تاريخية حاسمة وعلى رأسها النكسة.

ففي الفترة الممتدة بين 1948 وحتى 1967 وبالذات في العقد الأول للنكبة ورغم وجود قطيعة رسمية بين الجهتين الا أن التواصل في المناطق المحاذية للحدود لم ينقطع، واستمرت علاقات التبادل التجاري من خلال التهريب والتخفي واستمر التواصل بين العائلات من خلال التسلل وبالخفاء وبالطرق غير المباشرة، بما في ذلك علاقات زواج. كل هذا مورس بالخفاء والتستر الكامل، وربما تكون هذه فترة حاسمة في إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني من حيث العلاقة مع السلطة والقوة، حيث طور فلسطينيو الداخل نوعا من أنواع "التقية الاجتماعية- قومية" أي ممارسة الحياة الاجتماعية التي اعتادوا على ممارستها قبل النكبة بالخفاء والتكتم خوفا من السلطات وأعينها

1967 بوصفها نقطة مفصلية

عام 1967، كان نقطة مفصلية في تاريخ تشكل العلاقة بين جانبي الخط الأخضر وبين الفلسطينيين في إسرائيل وفي تحديد مكانة الفلسطينيين وعلاقتهم مع المشروع الوطني الفلسطيني بشكل متبادل حيث تم التعامل مع خصوصية الداخل كواقع من قبل منظمة التحرير من جهة ومن قبل الفلسطينيين في الداخل من جهة أخرى.

لعبت النكسة دورا مهما في ترسيخ الخصوصية بسبب ما حملته من معان ونتائج متناقضة، فقد كان عام 67 هو عام التلاقي وعام القطع بذات الوقت، حيث أدى الاحتلال إلى تحلل فلسطينيي الداخل من سياسات التقية التي ظاهرها القطيعة الرسمية وباطنها اللقاءات السرية،  وأصبح بإمكان الفلسطينيين في جانبي الخط الأخضر الالتقاء مع اقاربهم واهلهم بشكل علني. لكن المشكلة أن اللقاء تم في ظل احتلال باقي البلاد وليس تحريرها كما تأمل على الأقل الشعراء في كتابتهم عن الوطن، وهو ما تسبب في مولد القطيعة مع المشروع القومي التحرري الكامل ونقطة مأسسة المكانة الاستثنائية وخصوصية المواطنة لفلسطينيي الداخل وتحولها إلى مركب أساسي سائد في هوية الداخل وفي خطاب مثقفيها ومختلف أحزابها.

ثمة مجموعة من الاسباب المرتبطة بالنكسة اسهمت في ذلك من بينها يمكن أن نشير إلى:

●       انهيار الايمان بقدرة العالم العربي على تحرير فلسطين والنظرة السلبية المتصاعدة تجاه الانظمة العربية مقابل الصدمة من القوة العسكرية الإسرائيلية، اذ كما كتب ابراهيم ابو لغد في مقالة لها نشرت في 1972 :"استفاق العرب على حقيقة ناصعة، وهي أن هذا العدو، القليل العدة والعدد، أقدر من الجيوش العربية متفرقة ومجتمعة"

●       بداية التشديد على الفوارق والاختلاف بدل التشابه: التقاء الفلسطينيين في إسرائيل مع إخوتهم في الضفة والقطاع في ظل الهزيمة العربية من جهة والانتصار الإسرائيلي "الباهر" من جهة اخرى، شكل محفزا للتشديد على المختلف وليس المشترك، وقد تعمق توجه "التمايز" في ظل وجود فوارق جدية في مستوى الدخل العام بين الشقين، وفي ظل تحول التدريجي للفلسطينيين في إسرائيل إلى لعب دور الوسطاء والمقاولين الثانويين بين العمال الآتين من أراضي 67 والمشغلين اليهود..

●       التحول التدريجي في م.ت.ف في التعامل مع إسرائيل من كيان مستعمر إلى دولة محتلة. حتى النكسة تم التعامل بشكل حاسم مع إسرائيل بوصفها كيانا اجنبيا وحالة استعمارية عابرة، ولم يكن أي صحافي يجرؤ على توصيفها بغير "الدولة المزعومة"، وإن كان لحرب 1967 من أثر فهو نقلها من مرحلة "الدولة المزعومة" إلى دور الدولة "المحتلة"، وهو ما يعني شرعنتها بحكم الامر الواقع (De Facto) إذ أن فعل الاحتلال بعكس الاستعمار يظل فعلا قانونيا بحسب الاعراف الدولية، وفي هذا السياق فان المناشدات لإسرائيل بالانسحاب من الاراضي التي احتلتها قوت شرعيتها كدولة. بل أن المناشدات الدولية المتراكمة من جهة، والمشاريع الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي التي وضعت يدها عليها بعد 1967، من جهة أخرى، افضت إلى  إزاحة النقاش من التساؤل عن حق المشروع الصهيوني بوصفه مشروعا استعماريا كما ظهر في الخطاب القومي الفلسطيني التحرري، إلى النقاش حول عدم شرعية الاحتلال العسكري لأراضي الغير بالقوة وهو ما يحمل اعترافا ضمنيا - ولو على طريقة السلب- أن الطرف الذي قام بالعمل الاحتلالي، هو أصلا دولة شرعية، وإلا لما كانت هناك حاجة لمطالبتها العدول عن عملها هذا بالذات.

بعد انتفاضة الألفين: بدايات تحول العلاقة من التضامن إلى الشراكة

بغض النظر عن السياق التاريخي الذي حول التجزيء إلى خصوصية، فقد تحولت هذه الخصوصية إلى سمة مميزة حاضرة وتأخذ بعين الاعتبار في التواصل والتنسيق بين جزئي الشعب، وقد كانت الانتفاضة الأولى عام 1987 الامتحان الحقيقي لممارسة الخصوصية إذ انتفضت أراضي 67 فيما لم تتعد الفعاليات في الداخل مسيرات الدعم التي غلبها الطابع السلمي، وكانت كل القيادات تشدد على أن هذه المظاهرات يقوم بها مواطنون يتضامنون مع حقوق مشروعة للتخلص من المحتل، بالمقابل تمحورت مطالب الداخل السياسية حول المساواة والعدالة. لكن مراقبة تطور نوع العلاقة منذ ذلك الوقت يشير إلى تبدلات مثيرة وإلى تغيرات قد تشي بتبدلات استراتيجية مستقبلية، وهذه التغيرات بدأت مع الانتفاضة الثانية، ومرت بمرحلة خبو ثم عاودت التعاظم مؤخرا ويمكن من خلالها ملاحظة تزايد التفاعل بين جانبي الخط الأخضر  وبتقوية مشاعر الانتماء المشترك، والاهم بالتحرك معا في الأحداث والهبات المختلفة مما يخلق شعورا بأن العلاقة تتحول من مرحلة التضامن التي سادت مع الانتفاضة الأولى إلى الشراكة.  ومن ميزات هذه المرحلة يمكن أن نشير إلى

1.      ذوبان تدريجي للحدود السياسية المحسوسة الفاصلة بسبب ظهور أدوات تجاوز للحدود جديدة وفرتها التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية، في هذا الواقع الجديد يتم التواصل والتشبيك من خلال ادوات التواصل الاجتماعي وبناء خلايا تواصل وحوار وتبادل أفكار وبناء مساحات للعمل الثقافي المشترك من غير أن يشكل الجدار عائقا.

2.     تزايد تجارب التفاعل الايجابية على الأرض ليس فقط من خلال بوابة التضامن ضد الاحتلال بل من خلال التفاعل الاجتماعي المرتبط بالترفيه ، والفن، والأدب، والسينما والمهرجانات المختلفة التي احتضنتها خاصة مدينة رام الله وتفعيل نشاطات متزامنة ثقافية بين مدن الداخل والضفة وغزة، وهو ما أسهم في تعميق التواصل وفتح آفاقا للتعاون خاصة بين فئات شبابية من الطلبة ونشطاء الحراك السياسي الذين يرون فيها حيزا حميميا للتفاعل والذين يقودون فعليا جزءا مهما من الحراك السياسي

3.      صياغة المشروع الصهيوني ضمن مفاهيم جديدة مأخوذة من قاموس الأبارتهايد وهو ما يحمل بذورا أولية لتطوير مشاريع نضالية مشتركة مبنية على أساس تفكيك الهرمية الاثنية على أسس مواطنة ومساواة رغم ضرورة الانتباه إلى تحول الخطاب من خطاب تحرر من الاحتلال إلى خطاب حقوق.

المستوى العملي-التطبيقي:

إذا كان الفلسطينيون متحدين في هوية جامعة واحدة،  تتشكل من موروثه التاريخي والمجتمعي والشعبي وتقاليده ولغته ومخزونه الروحي والجمعي، رافعتها الأم هي الثقافة الوطنية التي استمرت في توحيد أجزائه بعد النكبة وفي ضمان التبادل والتفاعل من خلالها، وإذا كانت الخصوصية تحولت من نتاج للتجزئة إلى واقع بنيوي اليوم، تصبح الأسئلة المطروحة هل نريد أولا وهل يمكن ثانيا أن نتجاوز التجزئة مع الأخذ بعين الاعتبار وجود خصوصية ومحددات لكل مجموعة وكيف؟

سأجيب عن السؤال الثاني فقط لأن الأول سؤال سياسي لا يمكنني أن افترضه. وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نحدد أولا ما الذي يريده الفلسطينيون؟

يختلف الفلسطينيون على أغلب الأشياء لكنهم يتفقون في غالبيتهم على أنهم يتوقون للحرية والعدالة والمساواة. وبالانطلاق من هذه القيم ورغبة في تحقيقها بلورت المجموعات المتوازية مشروعات سياسية متمايزة ومتقاطعة في ذات الوقت لتحقيق هذه القيم من خلال المشاريع التالية:

إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس،
العودة،
المساواة التامة والعدالة للفلسطينيين في إسرائيل.

ورغم أن هذه المشاريع تنطلق من احتياجات الأجزاء المختلفة بالانطلاق الكامل من محددات وخصوصيات كل مجموعة، إلا أنها عير قابلة بشكل فعلي للفصل وهي متداخلة ومتشابكة معا. إن المساواة التامة للداخل غير ممكنة إذا استمر الاحتلال من جهة وإذا لم تحل مسألة اللاجئين من جهة ثانية وذلك لعدة أسباب:

أولا: بسبب البنية القومية لإسرائيل كدولة يهودية وضبط ممارسات وقيم وقوانين ومؤسسات الدولة بناء على هذا التعريف، وفي هذا السياق فان ضبط الهوية وطبيعة الدولة في الداخل يتم مقابل الفلسطيني لأنه هو اللايهودي وكذلك الأمر في الأراضي المحتلة وتجاه الشتات. عدم المساواة الكاملة منبعها الإصرار على يهودية الدولة، وعدم إنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة والانسحاب من القدس مرتبط بتحميل الصراع بعدا يهوديا تاريخيا دينيا قوميا، وعدم التنازل في قضية العودة مرتبط بالخوف من تغير بنية الدولة ومن إنهائها كدولة يهودية. في هذا السياق يمكن أن نذكر بالموازاة في طرح مطالب الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية من المنظمة مقابل طرح قانون إسرائيل كدولة للشعب اليهودي. من المهم أن نشير هنا إلى أن الإحصائيات والأبحاث الديموغرافية المختلفة تشير إلى أن إسرائيل تتحول باستمرار من مجتمع علماني إلى مجتمع أكثر تدينا ويمينية وهو ما يعني أن الإصرار على يهودية الدولة سيتزايد أكثر في المستقبل المتوسط والبعيد.

2. وجود علاقات عضوية وعائلية وقرابة دم بين أبناء الشعب الواحد خاصة في مناطق التماس في المثلث والنقب، يعني فعليا أن معاناة طرف في جهة تؤثر على نوعية الحياة لبقية العائلة في الطرف الآخر وتمس حريتها في التنقل والتواصل، على سبيل المثال لا الحصر في قرى زيمر حوالي 50% من العائلات هي من زيجات مختلطة بين جانبي الخط الأخضر، توجد علاقات عائلية متشابكة، ولا يمكن أن نتصور مثلا أن تتحقق المساواة التامة للفلسطينيين في الداخل في ظل استمرار الاحتلال والتحكم بالتواصل العائلي ومنع لم شمل العائلات.

3. توجد فئة كبيرة من مواطني الداخل من اللاجئين الذين فقدوا كامل أملاكهم ويسمون مرة لاجئين داخليين او مهجرين او حاضرين غائبين الخ من التسميات، وقضيتهم مرتبطة بحل قضية اللاجئين بشكل عام، لكن قضيتهم هي أيضا قضية مواطنة ومساواة كما أنها في ذات الوقت قضية على جدول المفاوضات وهي قضية كل فلسطيني في الشتات الذي يعود في أصوله إلى الداخل، فلاجئ لبنان هو ابن الجليل وليس أصلا من أراضي الضفة.

4. قضايا المساواة التامة والمواطنة في ظل عدم حل موضوع العودة او التعويض  يضع الداخل أمام إكاليات أخلاقية وعملية عليه حسمها كالتعامل مع أراضي الدولة التي هي أراضي اللاجئين والتي توزع اليوم على الأزواج الشابة العرب في قرى ومناطق عربية من منطلق تحسين أوضاعهم. كيف يمكن  التعامل مع هذه القضية ؟ هل يعتبر فرز أراض مثلا في قرانا للبناء وهي أصلا أراضي لاجئين مقبولا؟ كيف سيؤثر هذا على مطالب التعويض او حق العودة؟

5. ناهيك عن كل التعقيدات المرتبطة بالمشاريع السياسية وطرق تحقيقها فان الواقع دينامي جدا وعصر السايبر والسرعة ينتج تشكلات دوائر تواصل جديدة تخلط حدود التجزيء الكلاسيكي وتسيل الحدود بين الأجزاء، مما يزيد من التداخل بينها. لقد أنتجت التغيرات الكونية في كل ما يتعلق بإعادة صياغة الحدود وعبورها، أنتجت مساحات متداخلة بين أبناء الشعب الواحد ويمكن أن نكون في طريق إعادة إنتاج الأجزاء بشكل جديد لا تتطابق بالضرورة فيه التقسيمة الجغرافية - سياسية مع تشكلات الهوية الجديدة. يتجه كثير من الشباب الفلسطيني نحو التواصل عبر الحيز الافتراضي وتشكيل جماعات هوية متمايزة عابرة للتقسيمات الكلاسيكية. يشار إلى أن الأبحاث المختلفة في علم  الاجتماع أصبحت الآن تتحدث عن تشكل هويات جديدة بسبب التغيرات في حيز السايبر، وتنظر لآثارها بعيدة المدى على تشكل الهويات. هذا العامل يعني بالضرورة ترسيخ التماهي بين أجزاء مختلفة وتحول الفصول في الحلول إلى شبه مستحيل، اذ لو افترضنا جدلا أن الفلسطيني في الداخل وصل إلى المساواة التامة ولم يتم حل قضية اللاجئ الفلسطيني فهذا يعني أن التشكلات الهوياتية المتداخلة ستحول قضية اللبناني في المخيم إلى قضية جماعات عابرة للأجزاء، هذا ناهيك عن الترابط الروحاني والعاطفي المرتبط بوجود نحن جمعية تشترط بالضرورة حل كل القضايا لتحل القضية الواحدة للجزء.

6. الترابط الوجداني ووجود النحن يعني أن الفلسطينيين يتماهون مع رموز مشتركة أساسية، وعلى رأسها الأقصى، كما يتماهون مع النجاحات التي تشكلها شخصيات ناجحة ومع المقاومة والنضال وكلما تزايدت نجاحات جزء ما تزايدت الرغبة في التماهي معه وفي تعميق العلاقة معهم. في هذا السياق لا يمكن الفصل على الإطلاق بين مطالب الداخل والضفة والشتات لأنهم سيظلون متشابكين وجدانيا وهم متجاوزون للسياسي بهذا المعنى.

إذًا، ما دام الفصل بين المطالب غير ممكن، وما دام تحقيق أهداف المساواة في الداخل يرتبط بموقف المنظمة من الاعتراف بيهودية الدولة وما دامت المطالبة بمساحات للبناء في قرية في الداخل تنعكس على حقوق اللاجئ في لبنان، إذن كيف يمكن أن يتم التنسيق بين الأجزاء المختلفة؟ كيف يمكن أن تتشكل علاقات تدعيم وتنسيق بين الأجزاء المختلفة وما هي الأدوات الممكنة.

حتى الآن تمت عمليات التنسيق والتواصل على المستوى السياسي من خلال التشاور وتبادل المعلومات والتقييمات وفي الصعيد الشعبي على مستوى التضامن في المحطات المهمة وسابقا على مستوى مخيمات العمل التطوعي التي انقرضت حاليا. وعلى أهمية هذه العمليات إلا أن مشكلتها الأساسية أنها اعتباطية وعفوية وتابعة أحيانا لمزاجات وحسابات شخصية، وهو ما يعني أن أثرها غير مضمون.

وفي سياق الخصوصيات التي تحدثت عنها وتطور آليات العمل السياسي لكل جماعة فان الطريقة الأمثل للتدعيم المتبادل تكون فقط من خلال خلق إطار ممؤسس جامع يتجاوز التشتت والمزاجية والعفوية يجتمع بشكل دوري منظم في مكان يسمح بتواجد أبناء الشعب الفلسطيني من كل مكان وتكون له بنية واضحة ومبنيا على توزيع واضح ودوري للوظائف الرسمية دون أن تكون له قرارات سياسية، هذا المقترح لا يطرح هنا اول مرة ويعود الفضل في طرحه أولا الدكتور كميل منصور، صاحب الخبرة أيضا في القانون الدولي، والذي دعا الى إقامة "كونغرس فلسطيني وطني" شامل يتجاوز التجزئة الواقعة.

بغض النظر عن تسمية هذا الإطار ، فانه يبدو انه ضرورة حتمية لتجاوز الضعف البنيوي والتشرذم ،بحيث يضع أمامه تحقيق الأهداف التالية التي تشكل في نهاية المطاف أدوات لتمكين الفئات المختلفة من تحقيق مطالبها السياسية ومن تجاوز الخلل البنيوي المرتبط بالجزيئ وهي:

تقوية الوجود الفلسطيني في فلسطين (لأن الهوية الواحدة فلسطين مرجعيتها ولأن فلسطين الأرض هي عنصرها الحامل ولأن وجود كل فئة مستهدف بسبب انتمائها للشعب الفلسطيني).
الدعم المتبادل من أجل تمكين الأجزاء المختلفة في كل المجالات ومن أجل تحقيق الأهداف السياسية لكل جماعة (لأن كل جماعة يمكن أن تؤثر على تحقيق أهداف الأخرى، ولأن قدرة الضغط تكون أقوى).
تشبيك العلاقات بين الفئات المختلفة للشعب الفلسطيني من خلال تحويل كل المهرجانات والمسابقات والدوريات وكل ما يمكن ويسمح إلى أطر فلسطينية جامعة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018