التخوين والتكفير والتحقير والاستهتار ليس حوارا

التخوين والتكفير والتحقير والاستهتار ليس حوارا

سهيل كيوان

من حقك أن تختلف مع الآخرين بفكرك وقناعاتك مهما كانت، ولكن باعتقادي يجب أن نكون متواضعين في طرح أفكارنا حتى لو كنا نعتقد أنها راسخة لا تتزعزع وأنها الحقيقة المطلقة، يجب أن نمارس ما نعتقده ونؤمن به بذكاء وحساب دقيق لقدرة الفضاء الثقافي والاجتماعي الذي نتنفس فيه على تقبل طريقة طرح هذه الأفكار، أنت لا تستطيع أن ترتدي ملابسك في باكستان كما ترتديها في  بيروت، كذلك فإن بعض ما يرتديه الناس في باريس لا يصلح في ساحة الهاشميين في عمّان، وقد يؤدي إلى كارثة، حتى فرنسا، 'أم الحرية'، لم تتحمل رؤية امرأة ترتدي البوركيني على شواطئها، هذا ينطبق على التصرفات اليومية، وكذلك على ما ننشر من كتابات وأفكار، خصوصًا إذا كان لك تأثير على الجمهور وتعتبر صاحب رأي، فعندما تطلق كلماتك أو رسوماتك أو تنقلها بينك وبين صديقين في مقهى أو في ندوة ثقافية محدودة الحضور شيء، وبين أن تطلقها إلى عشرات الملايين شيء آخر.

هناك فرق دقيق جدًا بين التهكم من معتقد الآخر وبين نقده ومقارعة الحجة بالحجة والقرائن والتلميحات، التهكم يعني الازدراء ليس للفكرة فقط، بل لمن يؤمنون بها، يعني، أيضًا، أنك تستعلي عليهم ولا تناقشهم، هذا يثير ضغائن ملايين من الناس، هناك أمور حساسة جدا في ثقافات الشعوب ومخزونها الشعوري والثقافي والقيمي العميق، يجب التعامل معها بحذر شديد، وإلا ستؤدي إلى الضغائن والعنف.

الاغتيال بسبب رأي سياسي أو رأي ديني هو جريمة ولا مبرر لها، ولكن وقوف المثقف بقلمه وفكره إلى جانب طاغية وتبرير جرائمه هي جريمة أو جرائم بنفس المقياس إن لم تكن أكثر!  

ولكن، برأيي، فإن وقوف ناهض حتر ودعمه للنظام السوري ليس سبب قتله، فهناك كثيرون من الكتاب العرب للأسف يؤيدون الطاغية ومنهم كثيرون في الأردن وفلسطين، حتّر لم يكتف بهذا بل لعب بالنار، نعم لعب بالنار، كلنا نعرف أن العالم العربي والإسلامي امتعض بسبب كاريكاتيرات سابقة نشرت في أوروبا سخرت من الرسول، وسبّبت أزمات ومظاهرات، فما بالك بمن يسخر من الذات الإلهية وينقل بعضها مع ترجمة للعربية في عاصمة بلد عربي معظم سكانه من المسلمين! إنه لعب بالنار، ليس على صعيد شخصي فقط، بل بإمكان عمل كهذا أن يثير ضغائن طائفية وفتنا في وقت فيه كل المنطقة مشتعلة. وأكثر من هذا، فقد حاول ناهض حتر أن يصوّر الثورة السورية كلها في بوتقة 'الداعشية'.

الكاريكاتور الذي نقله ناهض حتر، والذي يصور فيها داعشيا يطلب خدمات من الذات الإلهية! تجاوز الذوق الفني، والرسالة التي أراد أن يوصلها، إذا كانت هناك حقا رسالة أراد أن يوصلها، فما وصل الناس هو التهكم من الذات الإلهية وليس من داعش كما ادعى، وهذا مس مشاعر ملايين اعتبروا الأمر سخرية من معتقدهم!

الدولة الأردنية تعي مخاطر مثل هذه الرسومات أو الكلمات، ولهذا قدمته للمحاكمة بشبهة إثارة الفتنة، في محاولة امتصاص للغضب، وكي تنفض يدها من مسؤولية أو تهمة التواطؤ مع هكذا رسومات، وكي يُظهر النظام نفسه مع تيار الجماهير. نشر هذه الرسومات يشبه إلقاء عود كبريت مشتعل على برميل بنزين.

علينا أن نعتاد ثقافة الحوار ونربي الأجيال عليها، لكن التخوين والتكفير والتحقير لبعضنا البعض ليس حوارًا، فمثلما هناك من كفّر ناهض حتر ويكفر حتى أناسا يصلّون ويصومون، هناك، أيضًا، علمانيون يخوّنون و'يكفّرون' ويستهترون بمعتقدات الآخرين بشكل أصولي من الطرف النقيض. بل وقد يستخدمون معجم التكفير ذاته الذي تستخدمه الأصولية، مثل كلمة 'مرتد'، هناك كتاب لفلاديمير إليتش لينين بعنوان 'الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي' يقرأه كل شيوعي، وعليه يقيس من هو 'المرتد عن الشيوعية' ومن هو 'المؤمن' بها المغفور له!  

أبو العلاء المعري في رسالة الغفران أضحك الأجيال وقدم رائعة أدبية لكل العصور، ما زالت فخرا للعرب وللمسلمين، فيها سخرية راقية وعميقة من سطحية فكر الناس عن تصورهم للجنة والنار، تجلت فيها ثقافته وعمقه ووعيه بالمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، ولهذا سار على الخيط الدقيق جدا بنقد ذكي دون تهكم جارح من معتقد الناس!

شتان بين التهكم والسخرية الناقدة، شتان بين مناقشة فكر ونقده وبين إهانة الفكر ومن يحمله.

التهكم والتجريح والاستهتار بمعتقد الناس يأتي بعكس المتوخى تماما، ينفر المعتدل ويرميه إلى حضن التطرف.

قد تجد مسلما لا يغادر الخمارة ويمارس الزنا والفواحش والموبقات كلها، ولكن عندما يأتي من يشتم رسوله أو إلهه على مسمعه تثور حميته ويغضب! فالقضية هنا تتحول إلى إهانة يشتبك فيها الشخصي بالقومي والعقائدي والديني، وخصوصًا عندما يكون هذا المتهكم متحيّزا متشددا لفكر أو عقيدة معينة وليس محايدا، ورغم هذا فالرسول (ص) عفا عن الشاعر كعب بن زهير الذي شبب بنساء المسلمين وهجا الرسول الذي صفح عنه وألقى بُردته عليه، فنظم كعب لاميته 'بانت سعاد فقلبي اليوم متبول...!'، ولكن من أين للناس العاديين أخلاق وسعة صدر الرسول.

في النهاية نقول إننا ضد القتل على خلفية فكرية مهما كانت، ولكن على المثقف، أيضا، تقع المسؤولية بأن لا يتمادى في استفزار مشاعر ملايين الناس والاستهتار بمعتقدهم، وإلا قد يدفع الثمن باهظا كما يحدث أحيانًا، وعلى فكرة، هذا ليس من اختصاص المسلمين المتشددين فهناك فئات كثيرة تعاقب بالعنف من يستهتر بمقدساتها في كل أرجاء المعمورة، وهناك شبيحة يؤمنون بالذات المستبدة التي يؤلهونها ولا يطيقون كلمة تمس فيها وقد يرتكبون جرائم لأجلها، وهذا مؤسف في كل الحالات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018