الابتعاد عن السياسة والتياسة

الابتعاد عن السياسة والتياسة

سهيل كيوان

قتل قبل أيام شابان في الرامة وقبلهما في أم الفحم وفي كفر مندا واللد وغيرها، فقد بات من الصعب إحصاء حوادث القتل والعنف، وهي جريمة جديدة في سلسلة جرائم قتل كثيرة، أو إطلاق نار، أو ممارسة عنف بشكل ما.

 وما أن يقع حادث مؤلم، حتى تنطلق التساؤلات من جديد عن العنف وأسبابه وكيفية معالجته. الملفت كثرة الدعوات لممثلي الجماهير العربية من لجنة متابعة ونواب في الكنيست، تحثهم على الالتفات أكثر إلى المعاناة اليومية للناس، والعمل على إنقاذ مجتمعنا من حلقة العنف الآخذة بالاتساع!

يكتب كثيرون بينهم أكاديميون يطالبون النواب العرب ولجنة المتابعة' أين أنتم! انتبهوا لشعبكم! انتبهوا للعنف! انتبهوا لأزمة البناء! قاوموا سماسرة الأر  بدلا من الزعيق في الكنيست! ، وغيرها من التعليقات التي يعرفها الجميع، وتتوالى تعقيبات تسطّح كل العمل السياسي بل وتحمّله المسؤولية عن واقعنا.

يُفهم من هذا، أن هؤلاء الدعاة لمثل هذه التساؤلات، غير منخرطين في العمل السياسي ولا يريدون لأبنائهم هذا الانخراط في السياسة، ولكنهم في الوقت ذاته، يتوقعون من السياسيين حل مشاكل المجتمع من خلال الابتعاد عن السياسة. يطلبون الفصل بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية الملحة وبين السياسة، وهذا انطلاق خاطئ من أساسه. مثلا، هل منع 'الابتعاد عن السياسة'  ابتعاد رئيس مجلس جولس الضابط الكبير في الجيش من إطلاق النار على رجل وقتله! وهل من يطلقون النار في الليالي هم من رواد السياسة أو أعضاء في أحزاب سياسية تابعة للقائمة المشتركة أو للحركة الإسلامية المحظورة! هل من يقومون بالسرقات ويضربون زوجاتهم وأخواتهم منظمون في جمعيات مقربة من هذا الحزب أو تلك الحركة؟

لا أبالغ لو قلت إن نأي الشباب عن السياسة بالذات هو أحد أسباب استفحال العنف، فالفصل بين الحياة اليومية والسياسة هو فصل اعتباطي، وينطلق من أوهام بأننا إذا تغابينا في السياسة، ولم نتحدث بحقوقنا وحقوق شعبنا القومية، ولم نتدخل بما يجري على أرض الواقع من حولنا، وتغاضينا عما يقوم به الاحتلال، لحصلنا على حقوق أكثر وخفتت حدة العنف في مجتمعنا!             

هذا يعني إبعاد الشباب عن الواقع السياسي وحصر اهتمامهم  بأنفسهم في الحصول على قسيمة بناء وبناء بيت أو شراء شقة، وبالشراب والطعام والترويح عن النفس، دون فهم للواقع المحيط بهم وبذويهم وأبناء شعبهم، وهذا ما يزيد من أزمتهم، لأنهم وأمام العجز عن تحقيق طموحاتهم الشخصية سيتهمون أنفسهم وذويهم بالتقصير والعجز، لأن الحقيقة السياسية التي تمارسها السلطة بمنهجية ستغيب عن وعيهم، هذا الشعور بالعجز يؤدي إلى إحباط كبير، والإحباط يؤدي إلى كل ما يمكن من موبقات ومن ضمنها العنف.

هذا الإحباط لا نجده لدى الشباب المسيّس الذي يعرف مشكلته ومصدرها، هذا يتم من خلال تثقيف في حزب أو جمعية سواء كان عضوا أو مقربا منها، هذا يشعره بقوته وبشخصيته كفرد، وبقوة مجتمعه، ويجعله شريكا في محاولة تغيير واقعه للأفضل، ويشعره بالسيطرة إلى حد كبير على مصيره، محاولة التغيير من خلال فهم الواقع الحقيقي، وليس الهرب منه تعطي الأمل للشباب، بأن ما تفرضه الحكومات العنصرية ليس قضاءً وقدرا بل بالإمكان مواجهته وتغييره.

انخراط الشباب في الأطر السياسية والاجتماعية يعني التثقيف في التاريخ والفنون والمجتمع وحقوق المرأة ونبذ العنف والتسامح، والترفع عن الصغائر والأحقاد الصغيرة وتوسيع الآفاق، فإذا نظرنا من حولنا لوجدنا أن الشبان المسيّسين والمنخرطين في أعمال اجتماعية وثقافية وسياسية بمعظمهم من الشبان الناجحين في حياتهم اليومية، هم زبدة المجتمع، ونلاحظ أنه كلما ابتعد الشاب عن السياسة، صار عرضة للانحراف ولتأثيرات غريبة تنعكس على تصرفاته ومنها العنف.

لهذا السبب، يتفاجأ الأهالي الذين يُبعدون أبناءهم عن العمل السياسي بتصرفات لم يتوقعوها من أبنائهم، سببها نظرة هؤلاء الأبناء السلبية إلى ذويهم وتحميلهم مسؤولية وضعهم المتردي.

وسيكتشف الأهل، أن الشاب الذي لا يريدون منه  سوى الاهتمام بالخلاص الفردي من خلال العمل وجمع المال والاستهلاك، قد تمرّد على القيم والأخلاقيات السامية، سوف يفاجأ الوالدان بفقدان السيطرة على الابن لأنه أضاع بوصلة الوعي التي تحصنه في مواجهة الحياة المادية القاسية! ولأنهم وضعوا الرخاء الاقتصادي والإنجازات الشخصية في تعارض مع السياسة، فحرموه من وعي حقيقي، بل منحوه وعيا زائفا، بينما في الواقع بالإمكان أن تكون ناجحا في عملك وحياتك ومسيّسا جدا.

من جهة أخرى، هناك لوم على الأحزاب نفسها التي تتحمل مسؤولية إضعاف العمل السياسي وجذب الشباب إليه.

الخلافات بين الأحزاب، حتى وإن كانت منضوية تحت لواء القائمة المشتركة، نفّرت الكثيرين وخصوصا أسطوانة التخوين والتجريح الشخصي الذي يمارسه البعض بمنهجية طويلة الأمد، أقنعت كثيرين بعدم وجود عمل سياسي نظيف، وأنتجت عدم ثقة بالقيادات واستهتارا بجهودها والنظر إليها نظرة سطحية مادية، وكأنهم موظفون ليس أكثر.

اقرأ/ي أيضًا للكاتب: ابن الخطاب يرد على الهباش، وبيرس يرد على عليمي

لا توجد وصفات جاهزة لوقف العنف أو منعه، صحيح أن السلطات تتحمل المسؤولية الأكبر بتطبيق القانون وخصوصًا بما يتعلق بانتشار السلاح غير المرخص، ولكن من المؤكد، بأنه كلما كان تأثير الأطر الحزبية  والتنظيمات الشبابية والجمعيات أكثر اتساعا، كان هذا في صالح المجتمع، وكلما ضعفت هذه الأحزاب والتنظيمات والحركات، قويت السطحية والخفة في تناول الأمور، ومن ثم زاد العنف ومجروراته.

كان هناك من يقول كلما تحدثنا معه في السياسة' أبعدوني عن السياسة والتياسة، إلا أن الواقع أثبت بأن الابتعاد عن السياسة هو التياسة بذاتها.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018