الأغنية السياسية من "حب الوطن" إلى النفاق للدكتاتور

الأغنية السياسية من "حب الوطن" إلى النفاق للدكتاتور

سهيل كيوان

وُجدت الأغنية السياسية لتحريض الشعب وبث الحماسة فيه ورفع معنوياته، عرفنا أغنية 'قوم يا مصري مصر دايما بتناديك' منذ العام 1919، للسيد درويش، تحية لثورة سعد زغلول ضد البريطانيين. وعرفنا 'حب الوطن فرض عليّ' و'بلادي بلادي'.

وعرفنا في بلاد الشام 'موطني موطني'، كلمات إبراهيم طوقان، ألحان الأخوين فليفل، و'هنا ميسلون' تخليدًا لمعركة ميسلون في مواجهة الفرنسيين في سورية، التي استشهد فيها وزير الدفاع السوري، يوسف العظمة، رافضًا التسليم للفرنسيين في العام 1920.

تعرفنا على الزجل الفلسطيني المقاوم وعرف به نوح إبراهيم خلال ثورة 1936، الذي كان يشارك في الأعراس وينشد للثورة وللشيخ الشهيد عز الدين القسام.

بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952، غنت أم كلثوم في العام نفسه 'مصر التي في خاطري وفي فمي... أحبها من كل روحي ودمي'! وظهر عبد الحليم حافظ (عندليب الثورة) الذي أنشد أكثر من ستين أغنية للثورة وللعروبة، منها 'بالأحضان- موال النهار- فدائي-يا أهلا بالمعارك-بحلف بسماها وبترابها'، التي كان يفتتح بها حفلاته. امتازت الفنانة فايدة كامل بأغانيها النارية، مثل 'فات الكثير يا بلدنا ما بقاش إلا القليل'، وغنت المجموعة من ألحان عبد الوهاب وكلمات أحمد شفيق كامل عام 1960 أوبريت 'الوطن الأكبر' بمشاركة عدد كبير من الفنانين المصريين والعرب، منهم عبد الوهاب وعبد الحليم وفايزة أحمد وصباح ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية وهدى سلطان! وجاء هذا الأوبريت كصدى للوحدة العربية التي أعلنت بين مصر وسورية عام 1958 واستمرت حتى العام 1961، وغنى فريد الأطرش 'بساط الريح' و'المارد العربي'، و'سنة وسنتين'.

غنت أم كلثوم، 'والله زمان يا سلاحي' التي أنتجت عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي على مصر'. واتخذ لحن الأغنية كسلام وطني لمصر بين الأعوام 1960 حتى 1979، واتخذ اللحن أيضا كسلام وطني للعراق منذ العام 1965 إلى 1981! ونذكر هنا أغنية أم كلثوم لبغداد 'بغداد يا قلعة الأسود'، ثم غنت للثورة الفلسطينية عام 1969 'أصبح عندي الآن بندقية' كلمات نزار قباني ولحن عبد الوهاب.

وما كان لمطرب أن يدخل قلوب الجماهير بأغانيه العاطفية لوحدها، كان عليه أن يعبّر عن حبه للوطن وللعروب ووحدتهم!

أشهر أغاني حرب الاستنزاف أغنية 'بلادي يا أحلى البلاد يا بلادي' لشادية التي بعثت الأمل في نفس كل من سمعها، وغنى عبد الوهاب 'طول ما أملي معايا وبإيديا سلاح'. وغنت فيروز شوارع القدس العتيقة وزهرة المدائن وجسر العودة.

بعد الثورة الفلسطينية عام 1965 ظهرت أغاني الثورة الفلسطينية، 'أنا صامد صامد صامد'، 'جُرّ المدفع فدائي لا تستنَ الطيارة!'. 'واحدة طلاق البارود'، 'يا جماهير الأرض المحتلة'، 'بدي أظلي ماشي' و'عهد الله ما منرحل'، وغيرها العشرات من الأغاني لفرقة العاشقين وأبو عرب وسميح شقير وغيرهم. وظهر مصطفى الكرد من القدس في مجموعة منها (هات السكة وهات المنجل- أوعك يوم عن أرضك ترحل) وغيرها، ثم ظهر مارسيل خليفة في أواسط السبعينيات فغنى قصائد شعراء المقاومة 'عصافير الجليل-أمي –ريتا والبندقية' وغيرها لدرويش، و'منتصب القامة أمشي' للقاسم، و'جفرا' لعز الدين المناصرة و'ما بعرفن ما شايفن' لطلال حيدر، وغيرها، وغنى أحمد قعبور 'أناديكم' لتوفيق زياد و 'يا نبض الضفة لا تهدأ'، وغنى خالد الهبر قصيدة 'أحمد الزعتر' لدرويش، التي أعاد غناءها مرسيل بإنتاج وتلحين جديد. وهي قصيدة درويش بعد حصار تل الزعتر وتدميره.

في السبعينيات انتشرت في أفراحنا أغان مثل 'باسم الحرية نضحي بالأرواح' و'بكتب اسمك يا بلادي' و'بلادي بلادي'، و'الأرض بتتكلم عربي'.

واستمرت هذه الأغاني حتى خروج الثورة الفلسطينية من بيروت، وجاءت مرحلة المقاومة في الجنوب اللبناني، فأنشد مارسيل لسجن 'أنصار'، وظهرت جوليا بطرس 'وين الملايين-الشعب العربي وين' وغيرها! ومع انطلاق الانتفاضة الأولى ظهرت أغان عفوية وشعبية لم ترتق فنيا إلى مستوى الانتفاضة، ومنها 'شدي انتفاضة شدي ع الاحتلال' و'أشبال المولوتوف' و'طار اليعسوب يا يمه بجناحه طار'! ومع اتفاقية كامب ديفيد وبعدها أوسلو وتراجع المد الثوري بدأت الأغاني الوطنية بالانحسار، إلا أن انتفاضة القدس عام 2000 أعادتها، فظهرت أغنية لمجموعة من الفنانين العرب 'القدس حترجع لنا' التي تبدأ بكلمات لمحمد الدرة: كان شايل ألوانه... كان رايح مدرسته.

وأغنية 'الضمير العربي'، أيضًا، لمجموعة كبيرة من الفنانين العرب منهم 'وديع الصافي- محمد العزبي- لطيفة- هاني شاكر- شيرين الشاب خالد- عبد الله روشيد- إيهاب توفيق- ماجد المهندس- وغيرهم. 

ومرة أخرى تراجعت الأغنية الوطنية، ولكن ظهرت أغان محلية وخصوصا أغاني التمسك بالوطن، 'كميليا جبران' مثل 'طلعت علينا الشمس يا جحيشتي يلا'، وبرزت في الداخل فرقة 'ولعت' العكاوية وامتازت أغنية 'لو شربوا البحر' كلمات خير فودة والتي تحولت إلى ما يشبه النشيد الوطني لعرب 48، وغنت ريم بنا، وريم تلحمي، وسلام أبو آمنة، وفوزي السعدي وأكل مرقص وغيرهم. وظهرت أغاني (الراب)، تميز بها تامر نفار الذي استفز مؤخرا وزيرة الثقافة ميري ريغيب بكلمات 'سجّل أنا عربي' لمحمود درويش.

في بداية الثوة السورية، غنى سميح شقير منحازا للشعب 'زخّ رصاص على الناس العُزّل يا حيف' وغنى إبراهيم القاشوش 'يلا ارحل يا بشار'، التي ذبح بسببها في الثامن من تموز عام 2011، أي قبل عسكرة الثورة السورية، وبعد بدايتها بخمسة أشهر، وقبل ظهور داعش!

في زمن ذبح الثورة ظهر شادي جميل وهو غير معروف بأغان وطنية من قبل فغنى 'مجدك يا قلعة حلب –سهرنا تحت الدوالي'، ليس لصمود أهلها، ليس لأهلها المحاصرين منذ سنوات، ولا للمهجرين منها ولا للقتلى ولا للجرحى، أغنية جاءت نفاقا للنظام حيث يذكر فيها بالاسم بعد توطئة عن محبة تراب سورية، للوصول إلى الهدف وهو النفاق للنظام 'الله محيي سورية بوجودك أبو حافظ'، وما يثير الغثيان، أن يرددها ويكررها فنانون محليون، يغنون لأبو حافظ بينما طائراته وطائرات حلفائه تُلقى على سكان حلب عشرات آلاف الأطنان من المتفجرات التي لم تستثن حتى المستشفيات منها. أغنية منافقة للنظام، العدو فيها هو الشعب السوري الذي يُذبح لأنه طالب بحريته، ويأخذ العهر مأخذه فيها عندما يقرنون حب سورية بشكل مثير للتقزز بحب المجرم السفاح رئيس النظام.