بشارة... والتحدي الزائف

بشارة... والتحدي الزائف

نزار السهلي

كثيرة هي الممارسات التي فاضت عن المؤسسة الرسمية العربية  في مطاردة كتب وفكر الدكتور عزمي بشارة، إذ تعيدنا حادثة منع كتب الدكتور بشارة في 'معرض الشارقة الدولي للكتاب'  إلى حالة التماهي مع سلوك المؤسسة الصهيونية ومطاردتها لبشارة منذ سنوات طويلة، شكلت معها الثورات العربية تكثيف للهجمة ومحاولة الشيطنة والتهديد المباشر عبر منابر وأقلام وأبواق مأجورة، وحملات رخيصة تركت خلفها بؤساً ويأسا في نفوس أصحابها وحملت مضامين مفرطة من الانهيار والفزع من طروحات وفكر الرجل، الذي ترى فيه بعض المؤسسات الرسمية بشقيها السياسي والثقافي ' تحديا' يتوجب عليها محاربته بشتى الوسائل.

إلا أن الوسائل المستخدمة في كل جولة هجوم على بشارة وفكره، تتم بأدوات وحجج ومبررات سخيفة وتافهة سيطرت على الرقيب الرسمي وعلى السياسي وحتى على 'المثقف' المأزوم من ظاهرة وتأثير بشارة في الفكر والثقافة لدى جمهور واسع على امتداد الساحات العربية، الأمر الذي وضع تلك الإفاضات والممارسات المنزلقة في خانة واحدة تجمع المستبد والمحتل على هدف إبقاء خضوع العقل العربي وتفتيشه في كل جولة، متناسيا ثوابت وبديهيات تاريخية تقول إنه ما دام هناك ظلماً واستبداد واحتلال يبقى طموح البشر العدالة والحرية.

عن التحدي الزائف

ربما استوقفني مشروع ' تحدي القراءة العربي' الذي أعلنت الإمارات العربية المتحدة قبل فترة وجيزة، ورصدت له مليار درهم لبناء أكبر مكتبة، وفي ذهني أن الأمر مرتبط بـ' أكبر' برج أو شارع، ومن الممكن أن 'الشارقة ' قررت تحدي الكتاب والمفكرين في منع نشر كتبهم، وملايين الكتب التي ستجمعها في مكتبتها المستقبلية لا علاقة لها في التحدي الحقيقي معتمدة على إيراد أكبر قدر من الكتب  دون أية عملية نقدية  لبناء إنسان متحرر من زيف الشعارات والادعاءات.

وبرأيي، فهم وإدراك المقصود من خلف مسيرة الاستهداف المستمر لبشارة فكرا وثقافة لأنها عرت الخطاب الثقافي والفكري للصعاليك وعرقلة تسيدهم على أبراج باتت متهالكة مع إنتاجهم وسلوكهم بنزعات صفراوية حاقدة، تتكشف في حالة الاتحاد والتماسك لسلوك بعض المؤسسات الرسمية العربية 'ثقافية – سياسية' نحو محاربة ومنع فكر بشارة للإبقاء على الفكر المطاطي مع 'المبدع' القافز فوق الواقع وتلميع الفكر المذهبي المختبئ وراء الشعارات البراقة.

منع كتب بشارة من معرض الشارقة هو أول اختبار فعلي  لشعار 'تحدي القراءة' الذي يتحدى الكاتب والقارئ، ويتدخل في اختياره ويطمس حريته، لكن المرء يسأل هل أفلح حجب الحقيقة والقراءة والمنع للإنسان في القرن الحادي والعشرين، يمكن له النجاح بصورة المنع المباشر كما هو حاصل في كثير من الدول، وكما هو حاصل تهافت كثير من الشباب العربي لتلقف منشورات وكتب بشارة وترقب إطلالاته.

قلت قبل سنوات، الحديث عن بشارة ليس مديحا وإنما تشريفا، لجيل فلسطيني وعربي شهد ولادة الفكر العربي القومي والديمقراطي وما يمثله من طرح قدم له بشارة منذ أكثر من عقدين، ولم يكتسب هذه الشعبية الفكرية والجماهيرية لأنه عزمي، بل لأن تشابك قضيته الشخصية مع قضية شعبه كونه فلسطينيا وعربيا، الذي وجد من خلال البحث والتقديم لأدوات مواجهة المحتل وفي نقد التجربة الفلسطينية والعربية في دعم الشعب الفلسطيني، وفي مرحلة الثورات كان ملتصقا بالميادين وهموم القاع الشعبي ومدركا أكثر من أي وقت مضى لعدالة الشعوب الثائرة، وناقدا ورافضا لنشيد وثقافة الجثث التي تدق جدران جغرافيا الاستبداد العربي، ولأنه أسهم في تفعيل الوعي العربي ومساهم في تشييد المنظومة المعرفية المفعلة للعقل العربي توضع كتبه ومعرفته في موقع التحدي مع الثقافة والمعرفة الزائفة،  وتتوحد أدوات الاستبداد والاحتلال لاستهداف الفكر والثقافة من باب بناء سيل من التهم الزائفة في الشكل والخائفة في الجوهر من مخاطر الانكشاف والتعري المفضوح. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018