انتخاب ترامب وأسطورة الرئيس الأميركي

انتخاب ترامب وأسطورة الرئيس الأميركي

عبد الحكيم مفيد

استيقظ  العالم صباح  اليوم على عناوين صحف تبشر بـ'انقلاب' في الولايات المتحدة، بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا لها.

وقد لا يكون من الحكمة الآن الوقوف على انعكاسات هذا الانتخاب على ما  يفترض أن يكون انقلابا بحسب تأويلات الصحافة العالمية، لكن لا يمكن عدم الخوض في 'أسطورة' الرئيس الأميركي  وقوة تأثيره الفعلية الحقيقية على سياسات الدولة الأكثر تأثيرا على واقع السياسات العالمية منذ نهاية الحرب الباردة بداية التسعينات.

من هذه الزاوية بالذات، القوة والتأثير، يجب رؤية انتخابات الرئيس الأميركي وما يكتنفها بالعموم من تفسيرات، بعضها يصل إلى الأسطوري.

ولم  تخلُ  الأجواء  التي رافقت هذه الانتخابات، والتي تعد الأكثر 'إثارة وفضائحية'، لم  تخل من الأسس التي بني عليها المجتمع الأميركي،  مثل 'الشو' و'الأكشن' والمهاجرين  والبيض  والسود والبزنس والكنائس، وإلا ولي اليهودي. في النهاية هذه هي أميركا من الداخل، بالكاد يعرف أهلها ما يدور خارجها، أميركا بالنسبة لهم هي العالم، العالم  كله.

كانت انتخابات أميركا هذه المرة أكثر حدة، بل الأكثر حدة في تاريخ الولايات المتحدة كما يصف مراقبون. نبعت هذه  الحدة بالأساس من وجود ترامب، لكن ليس فقط.                       

في العادة يتم النظر إلى الولايات المتحدة من الخارج، بكونها حاضرة بقوة ،مؤثرة وموجهة، ومتدخلة بشكل مباشر في صناعة الوقائع، فيما أميركا من الداخل هي 'حلم'، حلم الفقراء والمساكين من خارجها، الذين ينتظرون عند بوابات السفارة الأميركية في بلادهم للحصول على 'الجرين كارد'، بأمل تحقيق 'الحلم الأميركي'. هكذا تباع المنتجات الأميركية  في بلاد الفقراء بواسطة 'الحلم  الأميركي'، وليس مثل أميركا قدرة على جعل الناس يعيشون 'حلمها'، فهو كابوس ومزعج  بواقع ما تفعله في بلادهم عبر عملية استعمارية قذرة يتخللها الدمار والموت، فيما تعرض لهم 'حلما' عبر سفاراتها  للعيش على أرضها.                       

أيقظ دونالد ترامب أميركا من سباتها، وفتح ملفاتها بحدة ملفتة للنظر، أتاحت له منافسته هيلاري كلينتون ذلك بكونها معدودة على 'النخب الفاسدة '. لكن أميركا  من الداخل، كما هو حالها، هي التي منحت ترامب الحديث بهذه الصراحة والحدة. في النهاية لا يمكن الحديث عن المهاجرين من المكسيك بهكذا حدة إذا لم تتح لك الأجواء، أو عن النساء وعن السود. هذه هي أميركا، التقط ترامب القصص الصغيرة على هوامش أميركا وحولها إلى قصة كبيرة، سكب البنزين على النيران المشتعلة.

جاء ترامب من خارج السياسة الحزبية، وسحق منافسيه في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. ضحك كثيرون، ومنهم أنا، على هذا الترشيح الأرعن  بلغة السياسة. أبدى قادة الحزب الجمهوري في مواقع كثيرة أساهم الشديد على كون ترامب مرشح حزبهم للرئاسة. أعلن آخرون من الحزب عن تراجعهم عن تأييده. اصطف الإعلام الأميركي بالغالب ضده، طارده واهتم للغاية بتتبع 'عوراته '. أبدى العالم تخوفه من انتخاب ترامب، سجلت البورصات  تراجعا في أسهمها. توقعت كل الاستطلاعات حتى في يوم الانتخابات فوز كلينتون. كل هذا وأشياء كثيرة أخرى لم تمنع من فوز ترامب، فأين نجح ترامب وفشل الجميع؟                    

أميركا التي لا نعرف

يعيش كثيرون من المقهورين 'حلم أميركا '، كبروا عليه، وظل حاضرا في وعيهم وما زال مثل أي منتج أميركي يسوق من دون أن يفحص أحد جودته، حتى حين تبيع أميركا شعائر المكدولاند التي تم تصنيع لحمتها في مواسير، حتى حين يكتشف أن كوكاكولا مشروب يمزق الأمعاء بفعل المواد التي يصنع منها، وحتى حين يعرف كثيرون أن أميركا ليست أكثر من دولة مافيا. كل مافيا لها اختصاص ومناطق نفوذ. المافيا الأميركية وأختها الصينية وشقيقتها  الإيطالية تتقاسم مناطق النفوذ في الإجرام، بالضبط مثل مافيا السلاح ومافيا الإعلام ومافيا الطعام ومافيا المشروبات، والقائمة  طويلة.

ليس هناك أقذر من أميركا  التي لا نعرف، تلك التي تتستر  خلف زجاجات الفاترينا  البراقة التي تصل إلينا. نعرف الفاترينا، شديدة اللمعان والبريق، جميلة، فيها كل حلم قد يخطرعلى بالك، لكن لا نعرف أي مافيا تقف خلف الفاترينا.

يعرف الناس أميركا، ذات البريق، التي تبيع أحلاما   للناس، تدهشهم في قوتها وسطوتها وهيمنتها، تسحرهم في بريقها، مثل مدينة الأفلام هوليوود التي لا يعبر أحد مثلها عن الحلم الأميركي، عن السطوة والقوة والهيمنة، 'حارسة الأخلاق والقيم'. أما لاس فيغاس مدينة 'الرهان والقمار' والبريق فإنها  تطير بأحلامهم  إلى حيث 'السماء هي الحدود'، كما تقول أميركا عبر أكبر كذبة سوقتها  للبشرية.

حيث السماء يطير حلمك فقط، ، وعلى الأرض  حيث تعيش أميركا تعيش الحقيقة، العنصرية والكراهية  الأخلاق  التي تصل الحضيض. الفقر حيث أحياء السود في هارلم، المهاجرون الذين يسحقون  تحت عجلات إمبراطورية يحكمها مافيا من النخب؛ نخبة تدير الإجرام المحلي مثل مافيات  العائلات والمهاجرين، وأخرى تدير الإجرام  العالمي كما مافيا البنتاغون والستيت ديبارتمنت؛ ومافيا السلاح، انتبه أي مافيا أكثر دموية واجرام، المحلية أم العالمية؟

ضمن هذه الحقائق تعيش أميركا، وحين تضيف إليها القضايا المجتمعية الحارقة، الاستقطاب على خلفية لون البشرة، البيض والسود، الصراعات على أساس الهجرة، الأفارقة والهاسبان  والمكسيك والعرب ، الصراعات على أساس الدين داخل المجتمع  الأميركي، بين تيارات دينية مسيحية مختلفة، بعضها يحمل توجهات في غاية التطرف تلقي بظلالها  على سياسات أميركا الخارجية، كما الحرب على الإسلام ومشاريع ذات بعد إيديولوجي ديني يرتبط بمعتقدات 'خلاصية'، كما الكنيسة الأنغليكانية والتيار المسيحي الصهيوني، المحافظون  الجدد، كل هذه تكشف بعض ما تعيشه أميركا من الداخل بعيدا عن أعين الكاميرات.

الملايين  الذين يعيشون بلا بيوت في أميركا لا  يصلون الكاميرات، الفقر والعنصرية، النخب البيضاء التي دعمت ترامب وتفكر بعقلية شبه نازية تجاه السود؛ الأزمة الصحية رغم كل التشريعات؛ الديون الخارجية أميركا؛ الهروب من الخارج بسبب أزمات الداخل وهو ينعكس مؤخرا على تراجع تدخلها الخارجي وهيمنتها وقوة تأثيرها التي وصلت ذروتها بعد 11 أيلول/ سبتمبر وتفجير البرجين؛ كل هذه كانت أسبابا لصعود ترامب.

ترامب بمساعدة من حوله  من مستشارين نجحوا في كشف بعض خفايا مجتمع مريض وعنصري، مجتمع في جيل الشيخوخة في طريقه إلى الانهيار (وهذا تقديري).

ليس ترامب هو الذي سيحكم أميركا، إذ دولة المؤسسات والنخب لا يحكمها شخص واحد، والسياسات الإستراتيجية تحتاج  إلى تفكير إستراتيجي؛ هكذا تبنى الدول.

من يود تقييم ورؤية سياسة أميركا على أساس الفرق بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، سيجد نفسه في ورطة، ويكفيه  من الماضي القريب رئيس أميركي  عول عليه  قادة دول عربية وإسلامية، بشرته سوداء، أسمه باراك أوباما ، ومن الحزب الديموقراطي أيضا  الذي يأمل به العرب 'خيرا'  في العادة. لا حاجة طبعا للدخول في التفاصيل عن أوباما وسياسة أميركا في فترتي  حكمه.

في أميركا ينتخبون رئيسًا وفي اليوم التالي يكون كل شيء قد انتهى. هناك مؤسسات وسياسات ومافيات ومصالح مختلفة تحكم أميركا ومشروعها  وحلمها، في الهيمنة والسيطرة والتفكيك والتدمير.                       

صحيح، قد تكون هناك خلافات في السياسات الخارجية الأميركية؛ صحيح أن المحافظين الجدد في عصر بوش الأب والابن كانوا أكثر حدة وعداء في مقولاتهم وتصريحاتهم، لكن هذه الفروق بين المدرستين، مدرسة بريجنسكي في المواجهة  ومدرسة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي السابق في الاحتواء، لم تغير كثيرا في إستراتيجيات  المشروع الأميركي عالميا وفي المنطقة تحديدا.

هل سمعتم باراك أوباما يعتذر عن سياسات جورج بوش الابن؟ هل سمعتم بيل كلينتون يعتذرعن سياسات جورج بوش الأب؟ هل سمعتم ولو لمرة واحدة أميركا تعتذر عن جريمة واحدة فعلتها؟

من المهم أن نفهم أميركا على هذا النحو، يوجد فرق في آليات التطبيق، هذه مسألة لا نختلف عليها، ولكن أن نعتبر انتخاب ترامب رئيسا لأميركا  كارثة، فهذه كارثة حقيقة لوعينا.

هل ستكون أميركا أكثر حدة في المرحلة المقبلة؟ الجواب نعم؛ لكن ليس بسبب ترامب، بل بسبب الفرصة المتاحة للجمهوريين  لتنفيذ سياساتهم  الكبيرة، التي ترتبط بالخلاص والنظام العالمي الجديد. لا يمكن التغاضي عن احتلال العراق في عصري جورج بوش الأب عام 1991، وجورج بوش الابن عام 2003، وتفجير البرجين في نيويورك واحتلال أفغانستان وإعلان الحرب على الإسلام.

اقرأ/ي أيضًا| لماذا انتخب الأميركيون ترامب؟

عصر ترامب سيسرع  من العمل في تنفيذ المشروع  الكبير، بناء الهيكل مثلا، الذي سيحظى بدعم علني وغير مشروط من ترامب، لكن أميركا ستبقى تحت سيطرة وسطوة وهيمنة نخب المافيا.


 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018