في وصل بعض الوقائع

في وصل بعض الوقائع

أنطوان شلحت

توسّل جوهر 'الاحتجاج' في دولة الاحتلال الإسرائيلية حيال قيامها أخيرًا بـ 'إحياء رسمي' لذكرى مقتل الوزير رحبعام زئيفي على يد نشطاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (عام 2001)، بتحقيق صحافي جديد بشأنه، أشار إلى أنه في حياته كان متحرّشًّا جنسيًا تسلسليًا، لا في ما بات يؤطر كأنه 'إرثـه'، وهو الدعوة العلنية إلى تنفيذ ترانسفير ضد الفلسطينيين للحفاظ على 'النقاء العرقي' لهذه الدولة أولًا ودائمًا. 

ولا يمكن قراءة هذا الأمر إلا في إطار أن هذا 'الإرث' ما عاد يبهظ معظم قطاعات مجتمع دولة الاحتلال، مع وجود استثناءات قليلة تؤكد القاعدة. ويعود أحد أسباب ذلك إلى واقع أن فكرة الترانسفير متأصلة عميقًا في فكر الحركة الصهيونية، كما في ممارساتها الميدانية، بحيث لا يمكن الفصل بينهما.

غير أن دافع ارتباط الترانسفير بزئيفي وحسب، منذ تسعينيات القرن العشرين الفائت، يتمثل بتأسيسه حزبًا يتبنى علنًا برنامج الترحيل، ودخول هذا الحزب طرفاً فاعلاً في الائتلاف الحاكم الذي تزعمه أريئيل شارون عام 2001، ما أضفى في قراءة بعضهم 'شرعية علنية' على هذا الموضوع. 
كما راج، في تلك الفترة، ميل عام في دولة الاحتلال لترويج أن عامل معاودة الحديث عن الترانسفير راجعٌ إلى ما اصطلح على تسميته 'الانزياح نحو اليمين' الذي شهده المجتمع الصهيوني منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وما تسببت به من 'عودة الصهيونية إلى أصولها'. فمثلًا أشار استطلاع للرأي العام أجري عام 2002 إلى أن مؤشرات هذا 'الانزياح يمينًا' تكمن، ضمن أمور أخرى، في ازدياد تأييد مشاريع حلول الترانسفير ضد الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو داخل مناطق 1948. بيد أن عودة سريعة إلى استطلاعاتٍ سابقة تؤكد أن هذا النمط من التفكير ليس جديدًا كل الجدّة، حيث يظهر استطلاعٌ، أجري عام 1991، من الفصيلة نفسها نسبة تأييد للترانسفير ضد الفلسطينيين ليست أقل كثيرًا.

تطرّق إلى هذا الأمر بنيامين نتنياهو في سياق خطابه في 'إحياء ذكرى' زئيفي عام 2010، فقد قال إن الأخير فهم حقيقة أنه ما من شعب، غير 'الشعب اليهودي'، كانت له علاقة مميزة وحصرية مع فلسطين والقدس، على الرغم من أنه لم يحصل على تعليمٍ ديني، ولم يأت من صفوف الحركة الصهيونية التنقيحية (بزعامة جابوتنسكي)، ولم يكن من تلاميذ 'بيتار'، بل على الأرجح كان ينشد 'الإنترنسيونال'، وتشبّع بأفكاره الصهيونية في إطار حركة العمل، وهو القائل: 'ليست لي حقوق إنتاج، ولو على سطر واحد من عقيدتي... لقد ربوني على الصهيونية والاشتراكية، مع التشديد على الصهيونية الفاعلة والدفاع. وقد كان التحقيق الذاتي ووحدة البلد (فلسطين) بالكامل في مركز حياتنا، وكان واضحًا كالشمس في عزّ الظهيرة أن الوطن لا يمكن تقسيمه'. وعند هذه النقطة، أكد نتنياهو أن زئيفي قام بدور الوصل بين تياراتٍ مركزية في الحركة الصهيونية. 

وسبق لزئيفي نفسه أيضًا أن أكد أنه استقى فكرة الترانسفير من آباء الحركة الصهيونية. ففي واحد من مقالاته الكثيرة في هذا الشأن (الترحيل من أجل السلام)، نشره في صحيفة هآرتس في 17/8/1988 كتب (صحيح أنني أؤيد الترانسفير بحق عرب الضفة والقطاع إلى الدول العربية، لكنني لا أملك حق ابتكار هذه الفكرة، لأنني أخذتها من أساتذة الحركة الصهيونية وقادتها، مثل ديفيد بن غوريون الذي قال من جملة أمور أخرى (إن أي تشكيك من جانبنا في ضرورة ترحيل كهذا، وأي شك عندنا في إمكان تحقيقه، وأي تردّد من قبلنا في صوابه، قد يجعلنا نخسر فرصة تاريخية). كما أنني تعلمت هذا من بيرل كتسنلسون وآرثر روبين ويوسف فايتس وموشيه شاريت وآخرين).

اقرأ/ي أيضًا| هل ثمّة تعويل إسرائيلي على ترامب؟

يتغيّا وصل هذه الوقائع القليلة إعادة التأكيد على أن لُبّ الصراع مع دولة الاحتلال كان، ولا يزال، كامنًا في خصائص الأيديولوجيا الصهيونية ومكوناتها، كونها الأيديولوجيا الرسمية لهذه الدولة.

('العربي الجديد')

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018