عقل عربي كبير في غيبوبة

عقل عربي كبير في غيبوبة

رامي منصور

فيما تحرق حلب بالصواريخ الروسية، تقوم روسيا ذاتها بمفاوضة 'الإرهابيين' في تركيا لإيجاد صيغة لحل في المدينة.

لكن مأساة أخرى تحصل هذه الأيام هي دخول الفيلسوف السوري صادق جلال العظم في غيبوبة طويلة، وهي غيبوبة عقل عربي كبير ارتبط اسمه بمعارضة نظام الأسد منذ الثورة وقبلها في نقد الفكر الديني في أعقاب نكسة ٦٧. لكن كثر يهملون أو يجهلون كتاب له مؤلف من حوارات معه من العام ١٩٨٥، وهو كتاب عن تاريخ الفلسفة وعنوانه 'دفاعا عن المادية التاريخية'، وقد نصحني أحد الأصدقاء مؤخرا بقراءته وهو مؤلف من ٥٠٠ صفحة كلماتها شديدة الانتقائية والاتقان والتركيب والإيجاز، لكن لا يستطيع القارئ أن يتوقف عن قراءته وإتمامه في يوم أو يومين. فما تتعلمه في فصول يوجزه في ٥٠٠ صفحة.

أهم ما لفت انتباهي في الكتاب هو إجابته عن ما هي الحداثة؟ وما سر التقدم الغربي في القرون الأخيرة؟ ويحاول المحاور في البداية تفسير ذلك بتوسع المدينة وانتشار القراءة وتطور الصناعة ووسائل الإنتاج وغيرها. وهي تفسيرات صحيحة لكنها ميزت أيضا عصورا سابقة وأمما غير غربية.

يجيب العظم كالتالي:

'إن ما يميز العصر الأوروبي الحديث هو هذا الاتحاد العضوي الفريد الذي تم – على مراحل طبعا، ولكن للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية- بين المصالح الحيوية للطبقات التجارية الصاعدة وبين الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية والميكانيكية الجديدة. أريد أن أشير إلى صيرورة تاريخية معينة في تطور أوروبا الحديثة أدت إلى ربط المعرفة العلمية – قديمها وجديدها – نهائيا بطرائق البورجوازية الأوروبية الصاعدة في إنتاج الثروة ومراكمتها... هذه دينامية حضارية جديدة تماما لم يعرفها الإنسان من قبل على الرغم من أن حضاراته السابقة عرفت كلا من التجارة والصناعة والرأسمال والعلم والتقنية. طبعا، رهن هذا المزيج الجديد أنه طاقة متفجرة هائلة إلى أبعد الحدود، مدمرة وخلاقة في وقت واحد. هذه الطاقة هي التي صنعت ما يسمى بالحداثة وشكلت العالم الحديث وقضت على القديم'.

وردا على على سؤال إن كان العلم الحديث والفلسفة بورجوازية:

'لا بأس، نظرية حقوق الإنسان بورجوازية وكذلك فكرة المساواة أمام القانون ومطلب حرية التعبير عن الفكر والمعتقد إلخ، مع ذلك تظل هذه الأشياء كلها مكتسبات هامة وحاسمة لصالح البشرية تستحق النضال والتضحية... بالنسبة لي المقصودة (بورجوازية العلم) لا يتعدى الإشارة إلى الشروط الاجتماعية والتاريخية التي نشأ فيها العلم الحديث والتي تحول بموجبها، وللمرة الأولى في تاريخ الإنسانية – إلى عامل حاسم في النمط الصاعد تاريخيا لإنتاج الثروة ومراكمتها وبالتالي في صنع الحقبة التاريخية الحديثة بمراحلها المختلفة من الرأسمالية التجارية المبكرة إلى الرأسمالية الاحتكارية الحاضرة. ليس المقصود طبعا القول الأحمق والأخرق بأن لصحة قوانين العلم الحديث أو لصدق نظرياته أو لسلامة مناهجه أو لعملية تعليلاته علاقة ببورجوازيته أو طبقيته أو ما شابه ذلك من الكلام المبتذل وغير المسؤول... هي ذاته البورجوازية التي جابهت الثيوقراطية بالعلمانية، الحقوق الإلهية بالعقد الاجتماعي، والامتيازات الارستقراطية بالحقوق الطبيعية، وتراتبية الحسب والنسب واللقب بالمساواة الحقوقية بين البشر، والاستبداد الغربي بالليبرالية، والتبعية الاقطاعية بالحرية الفردية'.

*** 

'معروف أن هيجل عد التعاليم الفلسفية لعصر ما بمثابة التعبير الفكري والثقافي الأكثر رقيا عن 'روح' ذلك العصر، وبما أن هذا الروح يعبر عن نفسه في بقية تجليات العصر أيضا (اقتصاد، اجتماع، سياسة، علم، فن، إلخ) فإن أي فهم جدي للتعاليم الفلسفية يصبح متعذرا دون الرجوع إلى تجليات العصر الرئيسية الأخرى ومصدرها الأولي والأصلي'.

*** 

لن يكون بمقدورنا تفسير ما يحصل في وطننا العربي واليوم وطيلة مئة عام سابقة، من هزائم ونكسات، دون الرجوع إلى مؤلفات العظم، ولا شك في أن أمثال العظم هم 'روح' العصر العربي الحديث.

مهما يوغل القاتل المستبد في دمويته وعنفه لن يقضي على 'روح' العصر العربي الحديث، ولن يكون إلا على هامش التاريخ الدموي، بأنه فشل في تحرير أرضه المحتلة وقتل شعبه ودمر مدنها.

اقرأ/ي أيضًا | كاسترو... مقاربات عربية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018